عمان- على أرض بالقرب من بلدة "مقنة" شمالي مدينة بعلبك، في سهل البقاع، يجهّز أبو عمر الحمصي خيمته، في محل إقامته الجديد، بعد نقل عشرات العائلات من مخيم "كاريتاس" في دير الأحمر، على خلفية حادثة الشجار بين لبنانيين وسوريين.

ويعاني اللاجئون السوريون، في مكان إقامتهم الجديد، من غياب تام للخدمات، كالكهرباء والمياه والصرف الصحي، فضلاً عن بعد المخيم بضعة كيلومترات عن أقرب سوق شعبي.

وقال الحمصي "لا يوجد طعام ولا مياه، ولا حتى مرافق عامة، والطريق إلى المخيم ترابي غير معبّد"، منوهاً إلى أن شراء "ربطة خبز" من خارج المخيم "يستغرق عشرين دقيقة إذا خرجت بوسيلة نقل خاصة.

وهناك تخوفات مستقبلية من مكان المخيم وظروفه الأمنية، بعد أن تم نقله، وكان المكان القديم على بعد 100 متر من نقطة أمنية للجيش اللبناني، وهو ما كان يعطي شعوراً بالأمان للاجئين، بحسب ما ذكر عضو مركز وصول لحقوق الإنسان.

وأضاف العضو، الذي رفض ذكر اسمه لدواع أمنية "المكان الجديد موحش، ولا يوجد فيه دوريات أمنية من المكان"، مشيراً إلى أن "المنطقة تقع على خط طريق للتهريب، وهذا ما يُشعر الأهالي بالخوف".

لاجئون سوريون ينصبون خيامهم الجديدة على أطراف بلدة "مقنة"، تصوير أبو عمر الحمصي.

ورغم وعود "شفهية" حصل عليها اللاجئون من مسؤولين في المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، بتقديم الدعم اللازم لهم في المخيم الجديد، إلا أنهم لم يجدوا "أي تحرّك على أرض المخيم من المفوضية"، بحسب ما قال أبو عمر الحمصي لسوريا على طول.

وكان أحد أعضاء مركز وصول لحقوق الإنسان حاضراً في اجتماعات مع جهات لبنانية ودولية لمناقشة أوضاع اللاجئين في المخيم الجديد، وبحسب المصدر من المركز "زار المخيم الجديد على أطراف مقنة لجنة الإنقاذ الدولية، ووعدت بتقديم العون للاجئين، وقبلها بيومين التقينا مع المفوضية، ولكن كلها وعود إلى الآن".

وحاولت سوريا على طول التواصل مع مصدرين في المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في مكتبها الإقليمي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا، لمعرفة دورها في دعم اللاجئين، ولكنها لم تتلق رد حتى نشر هذا التقرير.

وقال الحمصي "تحملنا تكاليف فك الخيام في دير الأحمر ونقلها إلى المخيم الجديد على حسابنا الشخصي، ونصب بعضنا خياماً مؤقتة للوقاية من الشمس والهواء، والبعض لم ينصب الخيم بانتظار تحرّك المنظمات لتقديم المساعدة".

وتتوقف حياة اللاجئين، في المخيم الجديد، على "الشاويش"، وهو عبارة عن مستثمر لأراض زراعية أو ورشة عمل، ويعمل معه عدد من اللاجئين في المخيم، وبحسب الحمصي "أغلب سكان المخيم هم مزارعون لدى بعض المستثمرين، وفي هذه الظروف يحاول المستثمر (الشاويش) أن يساعدهم في الوصول إلى الأسواق".

وكان يحتوي مخيم "كاريتاس" القديم في دير الأحمر على 120 خيمة، وتعود أصول قاطنيه إلى محافظات إدلب وحمص بالدرجة الأولى، وبعضهم من الرقة، بحسب ما ذكر عضو في مركز وصول لحقوق الإنسان، من مكان تواجده في دير الأحمر، لسوريا على طول.

وأضاف العضو "تم نقل 100 خيمة من مخيم دير الأحمر فقط، وبقي 20 خيمة على حالها، لأن أصحابها موقوفين على خلفية حادثة الاعتداء على عنصر الدفاع المدني"، مشيراً أنه تم التواصل مع مركز حقوقي في لبنان لمتابعة قضيتهم "ولكن حتى الآن لم يتم توكيل محامي دفاع لهم".

لاجئون سوريون يفككون خيامهم بعد قرار الحكومة اللبنانية بإجلائهم من "دير الأحمر"، تصوير أبو عمر الحمصي.

وتمت عملية إخلاء المخيم بناء على قرار من الحكومة اللبنانية، عقب الحادثة، وقال محافظ بعلبك بشير خضر في تصريح سابق لوسائل الإعلام، حول نقل النازحين من مخيم الكاريتاس إلى الموقع الجديد، "أهالي دير الأحمر هم أصحاب الدار، ولا يمكن إجبارهم على استقبال النازحين بالقوة".

وبدأت الحادثة بعد اندلاع حريق، مساء الأربعاء الماضي، على أطراف مخيم للاجئين السوريين، بالقرب من بلدة دير الأحمر، بمحافظة بعلبك، شرقي لبنان، رافقه تهديدات بحق اللاجئين السوريين واتهامات ضدهم.

وتضاربت الروايات حول سبب الحادثة، فبينما تقول الرواية اللبنانية، بأن لاجئين سوريين اعتدوا على عنصر للدفاع المدني أثناء محاولته إخماد الحريق، ما أدى إلى جرح العنصر وتضرر آلياته، يتهم آخرون عنصر الدفاع المدني بدهس خيمتين في التجمع، وجاء الاعتداء عليه كردة فعل.

وانتهت الحادثة بإخلاء مخيم اللاجئين المعروف بـ"مخيم كاريتاس" من قاطنيه، ونقلهم إلى قطعة أرض نائية، تم استئجارها على أطراف بلدة "مقنة.

ويرى رئيس حركة التغيير اللبنانية، المحامي إيلي محفوظ بأن أزمة اللجوء السوري في لبنان بدأت تأخذ أبعاداً ذات طابع خطير، وقال في تغريدة له على تويتر "ما حصل يجب أن يحفّز الحكومة لقرارات جريئة أقلها ترحيل المخالف".

ومن جهته قال المحامي اللبناني والناشط في حقوق الإنسان طارق شندب، لسوريا على طول "أعتقد أن حادثة مخيمات دير الأحمر مبرمجة للتحريض ضد اللاجئين في لبنان، بقيادة حزب الله والتيار العوني سياسياً وأمنياً بهدف الضغط على إعادة اللاجئين إلى بلادهم".

وأضاف "ما يحدث يتنافى مع القانون الدولي ومع المعاهدات الدولية، وهذا يوجب تحرك دولي سريع، وإلزام الحكومة اللبنانية بفتح تحقيق حقيقي لمعرفة من يفتعل مثل هذه الحوادث"، منوهاً إلى أن "حزب الله كان سبباً في وجود بعض هؤلاء اللاجئين في لبنان".

الحديث عن أوضاع اللاجئين السوريين في لبنان ودفعهم للعودة إلى ديارهم ليس جديداً، ولكنه أخذ منحاً أكثر قسوة، تزامناً مع اجماع سياسي متزايد حول مصير اللاجئين بين الأحزاب المسيحية والشيعية، ووسط أزمة اقتصادية تلوح في الأفق، وتشكيل حكومة تضم العديد من السياسيين المؤيدين للأسد في وقت سابق من هذا العام.

ودعا وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل، مراراً وتكراراً، إلى عودة السوريين إلى بلادهم، مستخدماً مصطلح "العودة الآمنة" بدلاً من الطوعية، ولكن بحسب ما يرى ناصر ياسين، مدير الأبحاث في معهد عصام فارس للسياسة العامة والشؤون الدولية في الجامعة الأمريكية في بيروت، فإن الاختلاف في الكلمات "كاذبة.. يستخدمها السياسيون اللبنانيون بشكل متزايد للضغط بشأن العودة"

وقال ياسين لسوريا على طول ، في لقاء صحفي سابق، "إنه مجرد تلاعب بالكلمات، لأنه إذا كان الوضع آمناً، وإذا رأى اللاجئون أن العودة آمنة، وكان الوضع آمناً في الوطن، فهذا يعني أنهم سيتخذون قرار العودة طواعية - ببساطة - وهذه طريقة لتبديد الغموض حول مسألة العودة الآمنة وغير الطوعية".