عمان- على امتداد عمر الثورة السورية، بقيت حاضرة وبقوة المناشدات الشعبية لفصائل المعارضة السورية بالتوحد في جسم عسكري واحد، يضمن استمرار مكاسب الثورة والأهداف التي انطلقت لأجلها قبل أكثر من ثماني سنوات، وعمادها الحرية والمواطنة الفعلية لجميع السوريين على اختلاف انتماءاتهم الدينية والعرقية والفكرية.

أخيراً، مطلع الشهر الحالي، أعلنت وزارة الدفاع التابعة لـلحكومة السورية المؤقتة والائتلاف الوطني السوري، اندماج الجبهة الوطنية للتحرير ضمن الجيش السوري الوطني، بحيث صار الأخير يضم الغالبية العظمى من فصائل المعارضة في ريف حلب الشمالي وإدلب، باستثناء "جيش العزة" في ريف إدلب، بالإضافة طبعاً إلى هيئة تحرير الشام المدرجة على قوائم الإرهاب الدولية.

مع ذلك، فإن حقيقة إعلان وزير الدفاع في الحكومة السورية المؤقتة، اللواء سليم إدريس، ورئيس الائتلاف الوطني السوري، عبد الرحمن المصطفى، عن استيعاب الجيش الوطني السوري لفصائل المعارضة الأخرى قد تم في مدينة أورفا التركية، إلى جانب العلم التركي -بالإضافة إلى علم الثورة السورية- وبحضور ضباط أتراك رفيعي المستوى، قد أثار تساؤلات مشروعة عن حقيقة "الاندماج" ودوافعه وأهدافه. 

كيانان وداعم واحد

يعود تشكيل الجيش الوطني السوري إلى أواخر كانون الأول/ ديسمبر 2017، بإعلان رئيس الحكومة السورية المؤقتة آنذاك، جواد أبو حطب، من مدينة إعزاز شمالي حلب، توحد 30 فصيلاً عسكرياً من الجيش السوري الحر تحت مسمى "الجيش الوطني السوري"الذي يضم حوالي 22,000 مقاتل، بحسب أبو حطب، موزعين على ثلاثة فيالق تنتشر في منطقتي عفرين وريف حلب الشمالي الخاضعتين للنفوذ التركي. وقد تم تحديد أهداف "الجيش" في "إسقاط النظام، وتحرير أرضنا من هذا النظام المجرم، وأن يكون نواة تشكيل عسكري لكل سوريا".

لاحقاً، أعلن 11 فصيلاً عسكرياً من المعارضة السورية في شمال غرب سوريا تشكيل ما يسمى "الجبهة الوطنية للتحرير"، بهدف "التمسك بثوابت الثورة السورية، وسعياً إلى تحقيقها"، بحسب ما ذكر البيان الصادر عن الجبهة يومها. 

وفيما شكلت الفصائل العاملة في إدلب وريف حماه العمود الفقري للجبهة، فإنها ضمت أيضاً لواء شهداء الإسلام الذي كان ينشط في مدينة داريا بريف دمشق، قبل تهجير مقاتليه إلى إدلب عقب سيطرة القوات الحكومية على المدينة في آب/ أغسطس 2016. كما انضمت إلى "الجبهة" في أيار/مايو 2018، "جبهة تحرير سوريا" المكونة من "حركة أحرار الشام الإسلامية" و"حركة نور الدين الزنكي"، قبل أن تقوم هيئة تحرير الشام بالاستيلاء على شمال غرب سوريا بداية العام 2019، وإجبار فصائل المعارضة على تسليم أسلحتها الثقيلة وإجلاء مقاتليها باتجاه عفرين في محافظة حلب.

ورغم حقيقة أن تركيا هي الداعم الأساس لكل من الجيش الوطني السوري والجبهة الوطنية للتحرير، فإنهما بقيا تشكيلين منفصلين بشكل تام حتى 4 تشرين الأول/ أكتوبر الحالي، بإعلان اندماج "الجبهة" في الجيش الوطني الذي يتبع وزارة الدفاع في الحكومة السورية المؤقتة برئاسة رئيس هيئة الأركان اللواء سليم إدريس. 

لكن ذلك جاء بالتزامن مع اكتمال الاستعدادات التركية لعملية عسكرية شرق الفرات ضد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي يغلب عليها المكون الكردي التابع لحزب الاتحاد الديمقراطي الذي تعتبره أنقرة تنظيماً إرهابياً.

وفيما قال عبد الرحمن المصطفى أن الجيش الوطني (الذي يضم الجبهة الوطنية للتحرير) "سيواصل جهوده لتحرير الأراضي السورية من كل أنواع القهر والطائفية والديكتاتورية في سورية، ولتحقيق السلام والأمن وفق مبادئ السلامة الإقليمية"، فقد أبرز أولوية هذا الجيش بجبهة شرق الفرات حيث يتعرض الشعب السوري "للمذابح" على حد وصفه، و"أن الجيش الموحد سيقضي على الاضطهاد، ويقدم الدعم لمعركة تركيا ضد الإرهاب في المنطقة".

أي أهداف؟

يشكل الجيش الوطني فعلياً رأس الحربة في العملية العسكرية التركية "نبع السلام" التي تم إطلاقها يوم الأربعاء الماضي. كما إن الجيش ذاته تشكل للمرة الأولى قبل 3 أسابيع من بدء القوات التركية عملية "غصن زيتون"، في 20 كانون الثاني/يناير 2018، ضد الوحدات الكردية في منطقة عفرين، والتي شارك فيها هذا الجيش.

مع ذلك، قال المتحدث باسم الجيش الوطني، الرائد يوسف الحمود، إن الاندماج الأخير "نتج" عن تقارب قيادات الجبهة الوطنية والجيش الوطني بعد الهجمات الأخيرة للروس والقوات الحكومية على ريفي إدلب وحماه. مبيناً في تصريح لـ"سوريا على طول" أن الجيش الوطني أرسل تعزيزات عسكرية، بتنسيق مع غرفة عمليات الجبهة الوطنية، إلى جبهات القتال في المنطقة "لوقف تقدم القوات الحكومية والمليشيات الأجنبية المساندة لها بدعم من الطيران الروسي.

وأضاف: "الفكرة موجودة ومتبلورة. لكنها تجسدت واقعاً خلال إعلان رئيس الحكومة المؤقتة ووزير الدفاع".

كذلك، فإن قيادياً عسكرياً من "أحرار الشام" في ريف إدلب، كان قد تم التواصل معه من قبل الجيش الوطني للالتحاق ومجموعته بعملية شرق الفرات، رجح في حديث لـ"سوريا على طول" أنه بعد "تكتل فصائل المعارضة وتوحدها في فصيل واحد سيكون دورها بعد الانتهاء من شرق الفرات، القضاء على هيئة تحرير الشام التي تسيطر على أجزاء واسعة من إدلب". 

وعن إمكانية تحقيق اندماج فعلي كامل للتشكيلات المنضوية في الجيش الوطني، قال الحمود، إنه "سيتم دعم الفكرة لتأخذ الاندماج الحقيقي، ليكون [الجيش الوطني] تشكيلاً واحداً ضمن فيالق عسكرية وتنظيم عسكري".

وهو ما أكد عليه اثنان من القادة العسكريين في الجبهة الوطنية للتحرير، بأن عملية "الانصهار ضمن فيالق الجيش الوطني ستكون خلال الفترة المقبلة، [لاسيما] مع انشغال الجيش الوطني والجبهة الوطنية في العملية العسكرية التركية شرق الفرات ضد الوحدات الكردية". مستدركين في حديثهما إلى "سوريا على طول"، يوم الخميس الماضي، بأنه لا تفاصيل لديهما بهذا الشأن حتى اللحظة، وأن قيادة الجبهة لم تطلعهما بعد على التفاصيل كافة بشأن الاندماج الجديد.

جيش العزة

رغم اعتبار الرائد الحمود أن "وحدة القرار العسكري سيكون لها اعتبارات عديدة لدى الدول كافة المعنية بالشأن السوري"، فقد بقي "جيش العزة" خارج مظلة "الجيش الوطني".

كذلك، برز اسم جيش العزة منذ مطلع العام 2017 كفصيل عسكري يعارض المسار السياسي الذي ترعاه روسيا عبر محادثات أستانة

وبحسب القيادي في جيش العزة، العقيد مصطفى بكور، فقد "كان لاتفاقات أستانة وسوتشي وانخراط بعض الفصائل في هذه المسارات دور كبير في عدم حماسة جيش العزة للانضواء تحت راية التشكيلات التي تم إنشاؤها برعاية الدول الراعية لمسار استانة وسوتشي". موضحاً في تصريح لـ"سوريا على طول" أن تشكيله "يرفض السيناريوهات الدولية لمصير المنطقة، كمشروع المنطقة منزوعة السلاح، وفتح الطرق الدولية من دون مقابل، وتسيير الدوريات المشتركة بين القوات التركية والشرطة [العسكرية] الروسية".

وكشف بكور عن أن جيش العزة كان قد وافق، في أيار/ مايو الماضي، على الانضمام للجبهة الوطنية للتحرير بعد تشكيلها، لكن "خلافات إجرائية، منعتنا من إكمال مشروع الانضمام"، من دون أن يوضح ماهية تلك الخلافات.

وتعليقاً على الاندماجات الأخيرة في الجيش الوطني، قال بكور، أن "تجميع قوى الثورة تحت راية واحدة، لتحقيق هدف إسقاط النظام والإفراج عن المعتقلين وإعادة المهجرين إلى منازلهم ومحاسبة مجرمي الحرب، هو عمل جيد ونحن ندعمه ونباركه". مشدداً في الوقت ذاته على إمكانية "استغناء فصائل المعارضة عن الدعم الخارجي المتحكم بعمل الفصائل الذي كان له تأثير سيء على الثورة، من خلال الدعم الشعبي والحاضنة الشعبية".

في السياق ذاته، استبعد القيادي إمكانية صدام الجيش الوطني وهيئة تحرير الشام، معللاً ذلك بأن قادة "تحرير الشام يمتلكون ديناميكية التصرف في الأوضاع الصعبة".

وإذ تمنى بكور، أسوة بأغلب مؤيدي الثورة السورية، أن "يكون الجيش الوطني قادراً على تحمل الأعباء، وأن يوفقه الله لتحقيق أهداف الثورة"، لا تبدو المعطيات على الأرض بدءاً من تشكيل الجيش الوطني ووصولاً إلى تطور عمليات "نبع السلام" باعثة على التفاؤل.