الحياة بعد المصالحة: أهالي الغوطة الشرقية في صراع ما بين تأخر أوراق التسوية أو الاختفاء

رجل على دراجته النارية في حي شرقي الغوطة في 8 تشرين الاول 2018.

 

فوجئ فواز المحمد بظهور عمه، البالغ من العمر 65 عاماً، بشكل مفاجئ على عتبة بابه في مناطق سيطرة فصائل المعارضة في محافظة حلب.

وكان آخر لقاء جمع فواز بعمه والد زوجته قبل عام تقريباً، عندما كانا يعيشان في الغوطة الشرقية، التي كانت آنذاك تحت سيطرة فصائل المعارضة السورية، وبعد سيطرة الجيش السوري وحلفائه على المنطقة بأكملها - وهي مجموعة من الضواحي الريفية - في الربيع الماضي، اتجه المحمد إلى شمال سوريا، فيما فضّل أبو خليل البقاء، ليندم على قراره فيما بعد.

وقال المحمد، بعد أقل من عام من عودة الحكومة السورية إلى الغوطة الشرقية، قامت الأجهزة الأمنية سيئة الصيت في البلاد، بفرض نفسها مرة أخرى على السكان.

ولهذا بدأت هواجس الخوف تسيطر على أبو خليل بأن الحكومة ستطرق بابه قريباً وتحقق معه، مما دفعه في نهاية المطاف إلى مغادرة مكانه، عبر شبكة من المهربين، من ضواحي دمشق على بعد  300 كيلومتراً إلى محافظة حلب، حيث تعيش ابنته وزوجها بعد نزوحهم من الغوطة الشرقية العام الماضي.

وكانت الغوطة الشرقية من بين آخر المعاقل الثائرة المتبقية في سوريا، عندما شنت الحكومة السورية وحلفاؤها حملتها الأخيرة لاجتثاث فصائل المعارضة في كانون الأول 2017.

وعلى مدى سنوات، دمرت الطائرات الحربية الغوطة الشرقية بشكل ممنهج، في حين قامت قواتها بالهجوم على الأراضي القليلة المتبقية للمعارضة، وخلال ذلك رزح نحو 400 ألف من سكان الغوطة الشرقية تحت الحصار مع تضاؤل المواد الغذائية والإمدادات تدريجياً.

وفي نيسان الماضي، عندما انهارت الغوطة الشرقية، قتل أكثر من ألف مدني بعد أشهر من القصف والحصار، حيث سلمت فصائل المعارضة بعدها كامل ضواحي دمشق الشرقية للحكومة، وقام نحو 80 ألف شخص - بما في ذلك المقاتلين والناشطين والمدنيين الذين فضلوا الإجلاء بدلاً من الحياة في ظل حكم دمشق - بصعود الحافلات مغادرين إلى الأجزاء التي تسيطر عليها المعارضة في شمال غرب سوريا.

ويقدر عدد الاشخاص الذين بقوا في الغوطة بنحوـ 300 ألف شخص، ولكن بشرط تسوية وضعهم مع الحكومة السورية من خلال عملية غامضة ومبهمة إلى حد كبير، تُعرف باسم التسوية، أو المصالحة، ويتم خلالها منح السكان فترة سماح مدتها ستة أشهر لزيارة أحد مراكز المصالحة في المنطقة لإجراء مسح أمني.

وبعد ذلك، يُطلب من جميع الرجال الذين هم في سن الخدمة العسكرية أن يخدموا في الجيش السوري، وأي شخص يفشل بتسوية وضعه في غضون ذلك الإطار الزمني، سيتم ملاحقته من قبل الحكومة، مما يعني فرض غرامات باهظة الثمن أو احتجاز محتمل على يد جهاز الأمن السوري سيء السمعة.

وبعد مرور أربعة أشهر على انتهاء فترة السماح، لا يزال العديد من أولئك الذين قدموا أوراقهم الخاصة بالتسوية ينتظرون سماع ردٍّ من دمشق، غير متأكدين إذا تمت الموافقة على الترحيب بهم مرة أخرى في "حضن الوطن" أم أنهم مطلوبون الآن من قبل الحكومة.

وأبو خليل، الذي غادر الغوطة الشرقية، أجرى مصالحة مع الحكومة بعد وقت قصير من خروج المعارضة من مدينته، ورغم انقضاء عدة أسابيع على الموعد النهائي للتسوية، لم يستلم أوراقه بعد.

يقول المحمد، زوج ابنة أبو خليل لسوريا على طول "لقد بدأ يخشى من استجواب النظام، إنه يبلغ من العمر 65 عامًا، وليس لديه أحد".

وأوضح المحمد، أن جميع أبنائه الكبار رفضوا التسوية وأيّدوا الرحيل إلى الشمال الغربي من سوريا، في حين أن العديد من أحبابه متوفين الآن - قُتلوا خلال نصف عقد من القتال والقصف، وقبل مغادرته إلى حلب حيث تعيش ابنته وزوجها، لم يبق إلا أبو خليل في منزله بالغوطة الشرقية.

ووفقاً لشهادات من السكان الذين لا يزالون داخل معقل المعارضة السابق، فضلاً عن أقاربهم الذين نزحوا شمالاً في العام الماضي، فإن المدنيين في شرق الغوطة يعيشون في صمت واضطراب، خوفاً من الحكومة وأعضاء المجتمع المحلي، ومع استمرار الاعتقالات وحالات الاختفاء في ضواحي دمشق الشرقية المترامية الأطراف، يتساءل الكثيرون عن احتمال مجيء دورهم أو دور أحبائهم في المرات القادمة.

ويتخوف سكان الغوطة الشرقية الحاليين من الحديث عن ظروف المعيشة، ناهيك عن القضايا السياسية حتى فيما بينهم، كما ذكرت سوريا على طول سابقاً، وقد حجبت سوريا على طول الأسماء الحقيقية لجميع المصادر داخل الغوطة الشرقية في هذا التقرير حفاظاً على سلامتهم.

"لا أحد يعرف شيئاً"

بعد أسابيع فقط من خروج المعارضة في مدينة دوما الشرقية، في نيسان، يتذكر عمر الشامي، وهو أحد السكان الحاليين، لجان المصالحة الحكومية المكلّفة بإحصاء السكان والتحقيق معهم كيف "قسمت دوما إلى أجزاء".

وأكد الشامي أن "الجميع قاموا بالتسوية"، بما في ذلك هو وعائلته، "وكان من المفترض أن نحصل على المستندات مرة أخرى بحلول نهاية مهلة الستة أشهر" بحسب قوله.

ولكن حتى الآن، بعد انقضاء مهلة السماح، لم يتلق الشامي أي كلمة من الحكومة، ولا أي ورقة من أوراق المراجعة من قبل لجان المصالحة، ونتيجة لذلك، فإن أسرته محاصرة تقريباً داخل الغوطة الشرقية، فبإمكانهم المرور عبر نقاط التفتيش الداخلية في المنطقة التي كانت معقل المعارضة سابقاً، ولكنهم لا يستطيعون السفر إلى دمشق القريبة دون هذه الأوراق خشية الاعتقال.

وقال الشامي لسوريا على طول "لا شيء يحدث في الوقت الحالي"، مضيفاً أنهم لا يعرفون حتى من يسألون عن الإجراءات.

وتابع قائلاً "إذا كانت مشكلة في الكهرباء، أو مشكلة في الخدمات، فيجب أن نذهب إلى البلدية، ولكن من ينبغي أن نسأل عندما تكون مشكلة أمنية؟".

وأضاف "إنه أمر غير واضح...لا أحد يعرف شيئاً".

"كلام فارغ"

لا يعرف محمد الشيخ، 30 عاماً، من أين يبدأ بالسؤال عن والده، ففي الوقت الذي تم تهجيره من دوما إلى ريف حلب الشمالي، الواقعة تحت سيطرة المعارضة بقي والده هناك، وفي مطلع الشهر الجاري وصله نبأ اعتقال والده، دون معرفة الأسباب.

وقال الشيخ لسوريا على طول من ريف حلب "والدي يبلغ من العمر ٥٥ عاماً، لم يفعل أي شيئاً على الإطلاق في السنوات القليلة الماضية [عندما كانت فصائل المعارضة تسيطر على دوما]".

وعندما قرر الشيخ المغادرة باتجاه الشمال، في نيسان، بقي والده في دوما، وقام الرجل البالغ من العمر ٥٥ عاما بتسوية وضعه مع الحكومة بعد ذلك بوقت قصير، ولكن أيضاً لم يتلق أي أوراق من السلطات في دوما، بحسب ما قاله ابنه.

ولا يعرف الشيخ بالتحديد ما إذا كان عدم استكمال الأوراق هو السبب في أن والده قد تعرض للاعتقال من قبل قوات الأمن.

وقال الشيخ "إذا لم تستكمل الأوراق المطلوبة فلا داعي للتسوية، إنها مجرد كلام فارغ".

ومع ذلك، حتى مع استكمال الأوراق الرسمية للمصالحة، قد يخضع السوريون أحياناً للتحقيق من قبل قوات الأمن أو فروع المخابرات، وفقاً لمحمد الثائر، ناشط في مجال حقوق الإنسان، وهو في الأصل من الغوطة الشرقية.

وقال الحجازي، وهو ناشط حقوقي من  الغوطة الشرقية، لسوريا على طول أنه "يمكن أن يقوم الشخص بتسوية وضعه واستلام أوراقه، ولكن إذا تم توجيه اتهامات شخصية ضدك، أو إذا قام شخص ما بالتبليغ عنك/ أو كتب تقريراً فيك، فسوف يتم نقلك إلى فرع الأمن على الفور".

وعبّر جميع أبناء الغوطة الشرقية الذين تحدثت إليهم سوريا على طول أثناء إعداد هذا التقرير عن قلقهم حيال الدعاوى الشخصية المقدمة  ضد شخص ما - بغض النظر عما إذا كان المتهم مذنب أم بريء - لأنها يمكن أن تلحق الأذى فيه بكل سهولة.

ويعيش أبناء الغوطة الذين تحدثت إليهم سوريا على طول حالة خوف دائم من أن يتم اعتقالهم أو توجيه تهم ضدهم من قبل فروع الأمن أو حتى جيرانهم.

وبعض الأشخاص الأكثر عرضة لخطر الاعتقال والذين لا يملكون أوراق تسوية هم من الذكور في سن الخدمة الإلزامية، وفقاً لزكريا الحسين، من سكان عربين في الغوطة الشرقية.

وقال الأب البالغ من العمر ٤٨ عاماً لسوريا على طول "إن الناس ينتظرون ورقة التسوية لتأجيل الخدمة في الجيش، إنهم خائفون من أن يتم سوقهم للخدمة".

والخوف يقترب من منزل الحسين - فابنه الأكبر أصبح في سن الخدمة الإلزامية وسينهي إتمام عامه الأخير في الدراسة الثانوية، بعد أن تخرج قبل ثلاث سنوات وحصل على الشهادة الثانوية من السلطات المحلية المدعومة من المعارضة، ولكن لم تعترف دمشق بالشهادات الصادرة آنذاك، وترفض قبول وثائق المعارضة، فلم يكن هناك أي خيار أمامه سوى إعادة السنة الأخيرة من المرحلة الثانوية.

وقال الحسين "يجب أن يؤجل ابني خدمته الآن، نحن نحاول القيام بذلك، لكن يبدو أنه لا فائدة".

وليس لدى الحسين وعائلته خياراً سوى انتظار رد من السلطات الحكومية حول ما إذا كانت تسويتهم مقبولة أم لا، ووفقاً للحسين فإنهم لا يعلمون إلى من يتجهون لطلب المساعدة، حيث أن عدد الأشخاص الذين نجحوا فعلياً قليل جدا وعلى فترات متباعدة.

وحتى ذلك الحين، لا يستطيع أن يغادر دون أوراق تسوية، حيث يُمنع هو وابنه من زيارة دمشق، ويخشى أن يتم سوق ابنه للخدمة على أحد الحواجز.

وقال الحسين "لا يمكنك الذهاب إلى دمشق إلا إذا ضمنت أنك لست مطلوباً للخدمة العسكرية وأنك لا تملك ملفاً أمنياً... لا يمكنك التحرك بحرية".

إن أحد الخيارات القليلة المتبقية هو دفع المال لشخص ما، لإخراجك من الغوطة، كما فعل أبو خليل.

وبعد أيام قليلة من بداية العام الجديد، ذهب محمد الثائر لزيارة شاب في منطقة تسيطر عليها المعارضة في غرب حلب.

وكان الشاب، وهو في الأصل من الغوطة الشرقية، قد خرج عن طريق التهريب على طول الطريق من موقع عسكري في منطقة تسيطر عليها الحكومة قريبة من الساحل السوري ​​باتجاه المناطق الشمالية التي تسيطر عليها المعارضة في البلاد.

وقال الثائر لسوريا على طول "لقد تم نقله من الغوطة لأداء الخدمة العسكرية"، وخلال ذلك تم توجيه تهمة ضده فتم اعتقاله، وبعد أيام من الاحتجاز أطلق سراحه، فوجد الشاب مُهرّباً يقوده نحو الريف الشمالي لحلب التي تسيطر عليه المعارضة.

وقال الثائر "هناك الكثير من الناس القادمين من الجنوب إلى الشمال"، بعض هؤلاء الذين تم تهريبهم شمالاً جاؤوا من الغوطة الشرقية، في حين يأتي الكثير من محافظة درعا في سوريا، حيث أنه من المتوقع أيضاً أن يسوي السكان وضعهم مع دمشق بعد أن استولت الحكومة على المحافظة في الصيف الماضي.

ومع قيام الحكومة بقمع معاقل المعارضة السابقة التي تمت السيطرة عليها مؤخرا، قال الثائر "أعدادهم آخذة في التزايد".

عمار حمو

عمار من مدينة دوما، في غوطة دمشق الشرقية، درس الصحافة في جامعة دمشق. بدأ عمله الصحفي مع "سوريا على طول" عام 2014، ويعمل حالياً كمحرر ومراسل. شارك في عدد من الدورات الإعلامية في الأردن وإسبانيا، أشرف على مشروع "الصوت السوري" وهو موقع شريك لـ"سوريا على طول".

جستن كلارك، مراسل ومترجم

درس اللغة العربية في جامعة غرب ميشيغان وأكمل دراسته في جامعة بيت لحم في فلسطين. الدراسة والعمل قادتا جستن إلى الأردن، فلسطين، مصر واليونان.