مضت ثلاث سنوات منذ أن تعرف أحمد أبو منصور على منذر، حيث نشأت بينهما علاقة صداقة، تبين أنها مزيفة، في زمن الحرب.

وقال أبو منصور "علاقتنا كانت قوية جداً".

في ذلك الوقت، كان أبو منصور، وهو من سكان ريف درعا الشرقي، يعمل مع الدفاع المدني السوري، المعروف باسم "الخوذ البيضاء"، والتقى كلاهما عندما ضربت غارة جوية تابعة للحكومة منزل منذر، وكان أبو منصور من بين الأشخاص الذين جاؤوا لنقله إلى المستشفى.

وعلى مدى الشهرين التاليين، كان أبو منصور يقوم بزيارة منذر بشكل منتظم لتغيير ضماداته واصطحابه إلى الطبيب، وبمرور الوقت، أصبح الاثنان صديقين. كانا يخرجان معاً ويشاركان في تجمعات الصحاري الليلية، وهذه التجمعات هي أحد مظاهر الحياة الاجتماعية في سوريا وبلدان عربية أخرى.

وسيطرت القوات الموالية للحكومة على درعا والقنيطرة المجاورة الصيف الماضي، بعد أن أدت الحملة الجوية والبرية التي استمرت قرابة شهر إلى إفساح الطريق أمام التسوية واتفاقيات وقف إطلاق النار مع انهيار المعارضة في الجنوب الغربي.

وبعد حدوث ذلك مباشرة، قال أبو منصور أن صديقه تغير كليّاً.  

في البداية، توقف منذر عن الرد على مكالمات أبو منصور، بعد عدة محاولات فاشلة للاتصال به، تبعها حجب التراسل على الواتساب، إلى أن التقى أبو منصور في أحد الأيام بصديقه في الشارع.

وقال وهو يتذكر ما حدث "نظر إلي ثم أشاح بنظره بعيداً، كما لو أنه لم يكن يعرفني".

بعد فترة قصيرة، قام شقيق منذر بزيارة أبي منصور وأخبره أن يكف عن محاولة الاتصال بأخيه.

وقال أبو منصور متذكراً ما قاله شقيقه "انساه. الوضع تغير".

ولم يتكلم الرجلان مع بعضهما منذ شهور.

منذر، هو واحد من بين العديد من الأصدقاء والأقارب الذين قاموا، حسب أبو منصور، بقطع علاقاتهم معه بعد أن استولت الحكومة السورية على المحافظة، بعضهم دون سابق إنذار، بينما أخبره آخرون أنهم يريدون "نسيان كل شيء والبدء من جديد".

ووفقاً للعديد من السكان الحاليين والنازحين من الجنوب الغربي لسوريا، فإن استيلاء الحكومة على المنطقة تسبب بتدمير النسيج الاجتماعي في مجتمعات ينمو فيها الخوف وعدم الثقة والعزلة الاجتماعية بشكل متزايد، حيث يلجأ السكان لطرق مختلفة للتأقلم في البيئة السياسية والأمنية الجديدة.

ووسط الخوف من الاعتقال والمضايقات والملاحقات، قال البعض إن الخوف وتحول الولاءات السياسية أدى إلى خلق فجوة بين الأصدقاء المقربين وحتى الأقارب.

البعض، مثل أبو منصور، انقطع فجأة عن دائرته الاجتماعية، حيث يبدو أن أعضاء المجتمع المحلي - في كثير من الحالات- يحاولون التكيّف مع الحياة في ظل الحكومة السورية، من خلال إظهار مشاعرهم المؤيدة للحكومة أو حتى "الانضمام إلى صفوفها".

وقال نازحون آخرون من درعا إنهم تلقوا تهديدات صريحة بالتزام الصمت بشأن وجهات النظر المؤيدة للمعارضة وانتقاد أولئك الذين قاموا بتغيير ولاءاتهم.

وقال عمار الدرعاوي، من بلدة جاسم بريف درعا الغربي "أصبحت العلاقات باردة".

وكان الدرعاوي شخصية بارزة في إحدى الهيئات الحكومية المحلية التي كانت تديرها المعارضة في درعا قبل العام الماضي، حيث اعتاد أن تتم معاملته باحترام كبير في مجتمعه، وأن "يتزاحم" الناس من أجل طلب خدمة منه.

أما الآن، فهو يشعر أن الناس يبذلون مجهودا لتجنبه.

وبحسب الدرعاوي فإن الخوف من الاعتقال ونزع الملكية، أو فقدان الوظيفة، جميعها تلعب دوراً فيما يحدث.

وأضاف "معظم الناس من حولي يعتقدون أن أولئك الذين انخرطوا في أعمال لها علاقة بالثورة يمكن أن يكونوا إما تحت المراقبة أو أنهم ملاحقون من قبل قوات الأمن... إنهم حذرون للغاية".

وطلب الدرعاوي حجب اسمه الحقيقي وتفاصيل عمله السابق في هذا التقرير خوفاً على سلامته.

أما باسل الغزاوي، وهو ناشط إعلامي من اليادودة، تبعد نحو 8 كم شمال غربي مدينة درعا، يعيش حالياً في تركيا، إلا أنه أيضاً أحس بتفكك النسيج الاجتماعي، من خلال الأصدقاء الذين بقوا في بلدة صغيرة يعرف معظم سكانها بعضهم البعض، وقال الغزاوي إنه اعتاد الخروج مع أصدقائه "بشكل يومي"، ولكن الآن "الجميع مشغولون في إيجاد طريقة للتخلص من الخدمة العسكرية أو كسب العيش".

صورة تم التقاطها في ٢ آب ٢٠١٨، تظهر المباني المدمرة في مدينة درعا التي تسيطر عليها المعارضة. تصوير: محمد أبا زيد.

في درعا "الحيطان لها آذان"

خضعت درعا لسيطرة الحكومة في تموز من خلال مزيج من القوة العسكرية، وسلسلة من اتفاقيات المصالحة، ووقف إطلاق النار التي مهدت الطريق أمام الحكومة للسيطرة تدريجياً على المحافظة بعد هجوم جوي وبري دام شهراً كاملاً.

وذكرت سوريا على طول، في كانون الأول، أن القوات الموالية للحكومة تسيطر الآن بشكل مباشر على المدن التي استولت عليها بالقوة، حيث قال السكان أن الحكومة تشن حملات اعتقالات ومداهمات بشكل متكرر، ولم تتمكن سوريا على طول من الوصول إلى السكان في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة مباشرة.

وفي الوقت ذاته، تمكنت المدن التي قام فيها قادة المعارضة المحلية بالتفاوض من أجل التوصل إلى تسوية فردية من الاحتفاظ بنوع من الحكم الذاتي، مع بقاء السيطرة بيد جماعات المعارضة إلى حد كبير، وإن كان ذلك تحت راية الحكومة السورية.

وكجزء من الاتفاقيات، تم منح المعارضة المحلية والمدنيين إمكانية الاختيار بين الإجلاء إلى محافظة إدلب التي تسيطر عليها المعارضة أو البقاء "وتسوية وضعهم" مع الحكومة.

وعرض على مقاتلي المعارضة السابقين الذين اختاروا البقاء الانضمام إلى صفوف الفيلق الخامس للحكومة، وهي قوة تطوعية تدعمها روسيا، وتهدف فقط إلى ضم مقاتلي المعارضة السابقين إلى صفوفها مع إعفائهم من الخدمة العسكرية الإلزامية.

ووفقاً لعبد الله الجباصيني، الباحث في معهد الجامعة الأوروبية، والذي وثق كيف أن المفاوضات حددت مصائر مناطق مختلفة جنوب غربي سوريا ما بعد المصالحة، فإن مسؤولي الحكم المحلي في المعارضة "ناضلوا خلال المفاوضات ليكونوا أحد الممثلين الرئيسيين في المنطقة".

وغالباً ما كانت المفاوضات تتم بين جماعات المعارضة والحكومة السورية، أو حلفائها الروس، على حساب المدنيين، وحتى هيئات الحكم المحلية في المعارضة. في حين كانت محاولات سابقة مزعومة من قبل شخصيات المجتمع المدني لفتح باب التفاوض مع الحكومة يتم تعطيلها من قبل المعارضة، وأحياناً بالعنف.

وبينما تعرضت المعارضة في نهاية المطاف لضغوط من المدنيين للاستسلام بمجرد بدء الهجوم الموالي للحكومة "لكي تعود الخدمات ويتوقف العنف العشوائي"، قال الجباصيني لسوريا على طول، إن المفاوضات لم تنفع الجميع.

وعندما كان أحمد العودة، قائد قوات شباب السنة، يتجهز للجلوس على طاولة المفاوضات مع الروس في بصرى الشام، في تموز، وهو أول فصيل معارض يشارك في المفاوضات في الجنوب الغربي، انسحب المفاوضون المدنيون احتجاجاً على "انعدام الثقة".

وذكر البيان الذي صدر في ذلك الوقت أن "الوفد المدني لإدارة الأزمات التابع للمعارضة انسحب من المفاوضات" بسبب عدم الوضوح في المناقشات وإصرار الروس على فرض شروطهم".

وقال الجباصيني "الآن بعد انتهاء المحادثات، يشعر (مسؤولو إدارة المعارضة السابقون) بأنهم مخدوعون".

وأضاف "أصبحوا مدنيين عاديين يكافحون من أجل الحفاظ على مؤسساتهم في زمن الحرب، وما زالوا يناشدون روسيا لدمج مؤسساتهم مع مؤسسات الحكومة".

و تابع "مؤسساتهم، كالبنية التحتية، لا تزال موجودة، لكنها لا تعمل هذه الأيام".

وقد ترك هذا المشهد السياسي المتغير علامات لا تُمحى على المجتمعات المحلية في جميع أنحاء الجنوب الغربي.

وغالباً للاستمرار في هذا المشهد الجديد يعني التواري عن الأنظار، وتجنب أي ارتباط مع منتقدين صريحين، وفقًا للمقيمين السابقين والحاليين، فإن الأفراد الذين كانوا مرتبطين بمؤسسات المعارضة سابقاً - مثل الدرعاوي والغزاوي - يبدون بعض التعاطف مع مخاوف المدنيين.

وقال الغزاوي "هذا الواقع فُرض عليهم"، مضيفاً أنه يمتنع أيضاً عن الاتصال ببعض أقاربه لأنه يخشى أن يتم القبض عليهم بسبب تواصلهم معه.

ولكن بالنسبة لأولئك الذين ما زالوا ينتمون إلى المعارضة، حاول بعض السكان المحليين أن يظهروا دعمهم للحكومة ظاهرياً، وأكد أبو منصور أن الأصدقاء المقربين والحلفاء السياسيين السابقين فجأة "انقلبوا تماماً" بعد عودة الحكومة السورية، حتى أنهم قاموا بتغيير صورهم الشخصية على وسائل التواصل الاجتماعي ووضعوا صور بشار الأسد وعلم سوريا ذو النجمتين.

ويدّعي أن العديد منهم ينتمون الآن إلى الحكومة، سواء في صفوف الفيلق الخامس أو في الفرقة الرابعة، وهو تشكيل لنخبة من الجيش السوري الذي يتزعمه ماهر الأسد شقيق الرئيس بشار الأسد، الذي أشتهر بوحشيته.

وينطبق الأمر ذاته على الغزاوي، الذي أكد أن العديد من أصدقائه وأقاربه حظروه من برامج التواصل الاجتماعي بعد أن انتقد حقيقة أنهم انضموا إلى الجيش السوري.

وقال الغزاوي إن العديد من أصدقائه وأفراد عائلتة حاولوا مراراً إقناعه بالبقاء، باعتباره الوحيد من بين جميع أبناء أعمامه الذين اختاروا التوجه شمالاً بواسطة حافلات الإجلاء بعد أن سيطرت القوات الموالية للحكومة على اليادودة.

وخلال الأشهر الثلاثة التي قضاها في الشمال الغربي، الذي تسيطر عليه فصائل المعارضة قبل أن يغادر في نهاية المطاف إلى تركيا، قال الناشط الإعلامي إنه تلقى تهديدات من أقاربه المتواجدين في أوروبا بسبب انتقاده لأشقائهم على وسائل التواصل الاجتماعي.

وقام الغزاوي بحذف أصدقائه على وسائل التواصل الاجتماعي وغير رقمه على واتساب، ولكنه لا يزال على تواصل مع الكثير من الأصدقاء الذين "حافظوا على مبادئ الثورة" على حد قوله.

وفي حين أن العديد من المعارضين تركوا درعا في عمليات الإجلاء إلى شمال سوريا أو تم استيعابهم في القوات الموالية للحكومة، فإن جيوباً صغيرة من المجتمعات المناهضة للحكومة ما زالت نشطة نسبياً وصريحة.

وشهدت كل من محافظة درعا والقنيطرة المجاورة تصاعداً من حين إلى آخر في أنشطة المعارضة منذ أن استعادت الحكومة سيطرتها على الحكم، تضمنت رسومات مناهضة للحكومة السورية على الجدران، وسلسلة من الاغتيالات استهدفت شخصيات معارضة سابقة شاركت في مفاوضات مع الحكومة.

وفي تشرين الثاني، ظهرت مجموعة على الفيسبوك باسم "المقاومة الشعبية"، ومنذ ذلك الحين أعلنت مسؤوليتها عن عدد من الاغتيالات والهجمات على المنشآت الحكومية، كان آخرها الهجوم على ثكنة عسكرية للجيش السوري في بلدة طفس في ريف درعا الغربي.

ومع ازدياد تعمق الانقسامات السياسية، قال أبو منصور إن الديناميكيات الاجتماعية لمدينته أصبحت تتميز بجو من العداء وعدم الثقة.

وأضاف "هناك حساسية وكراهية ضمنية، ويتحدث الناس عن بعضهم البعض، حالما يذهب أحدهم يبدؤون بالتحدث عليه من وراء ظهره".

وأكد الدرعاوي، بالإضافة إلى المشاكل الشخصية التي يعاني منها كل شخص، أصبح من الصعب الوثوق بأحد في هذه الأيام "الجدران لها آذان".

"إذا انشغلت بنفسك والتزمت الصمت، لن يقترب منك أحد".

وبالنسبة لسكان درعا الموجودين في الخارج والذين يفكرون في العودة، فإن البيئات المعادية في الجنوب الغربي من القوات الموالية للحكومة والمدنيين الذين يحاولون التكيف مع سيطرتهم، يمكن أن تشكل مصدر رعب بالنسبة لهم.

وبعد العيش لسنوات في ظروف مزرية في مخيم الزعتري للاجئين شمال الأردن، اتخذ أبو طه وزوجته القرار بالعودة إلى سوريا مع أطفالهما، في وقت سابق من هذا الشهر.

وعلى الرغم من التفاؤل الذي شعر به بعد خبر العفو العام عن الهاربين من الجيش، الذي صدر في تشرين الأول من العام الماضي، فضلاً عن قصص العديد من أصدقائه الذين نجحوا في القيام بتلك الرحلة، إلا أن أبو طه كان مدركاً تماماً للمخاطر التي تنضوي على ذلك.

وقال لسوريا على طول، الشهر الماضي، قبل فترة قصيرة من عودته إلى سوريا "كل من يريد الانتقام منك سيكتب فيك تقرير، حتى يقوم النظام بمداهمة منزلك وجرك إلى الاستجواب".

وبدلًا من العودة إلى منزلهم في درعا، قررت العائلة المرور عبر المحافظة والتوجه إلى دمشق بدلاً من ذلك، دون حتى أن يخبروا أي أحد من أقاربهم بأنهم سيعودون إلى سوريا.

وذكرأبو طه، البالغ من العمر 39 عاماً، في ذلك الوقت "أنا أخطط لحذف معظم حساباتي على وسائل التواصل الاجتماعي وتعطيل بطاقة الهاتف الأردنية".

وتابع أن لديه أصدقاء في دمشق يمكن أن يساعدوه في العثور على مسكن إلى أن يتم تسوية وضعه مع الحكومة.

ولكن الأخطار لا تزال تحدق بأبي طه، مما دفعه إلى اتخاذ عدد من التدابير وإعداد نفسه وأسرته للتنقل في متاهة الرقابة والمراقبة التي سيدخلونها.

وقال أبو طه "أحاول من الآن تدريب نفسي وعائلتي لكي لا أتلفظ بأي كلمة لها علاقة بالثورة أو بشار" مضيفاً أنه لا يزال يخشى التعرض "للأذى" لأنه هرب في الأصل من البلاد لتجنب التجنيد العسكري.

ولكن على خلاف ما يمكن أن يحدث في درعا، تأمل العائلة أن تتمكن من العيش في العاصمة دون أن يعرفهم أحد - بعيداً عن أعين المتطفلين والانتقاميين من الأقارب.

وختم "في دمشق إذا انشغلت بنفسك والتزمت الصمت، لن يقترب منك أحد".

 

قامت سوريا على طول بتغيير أسماء جميع المصادر الموجودين داخل سوريا من أجل الحفاظ على سلامتهم.