فريق الاستجابة الأولية ينتشل الجثث من مقبرة جماعية في الرقة في آب. تصوير: لجنة إعادة الإعمار- مجلس الرقة المدني.

 

انتشرت رائحة كريهة في هواء شوارع الرقة المدمرة في شمال شرق سوريا، و"عندما تشتم الرائحة تشعر وكأنها جثة حيوان ميت" بحسب ما قاله حسن المشهداني، أحد سكان الرقة، لسوريا على طول.

إلا أن تلك الرائحة تعني عادة وجود مقبرة جماعية قريبة، وفقاً للمشهداني.

وبعد مضي عام تقريباً على طرد التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة لتنظيم الدولة من الرقة، في أعقاب الهجوم الجوي والأرضي المدمر الذي استمر عدة أشهر، لا تزال أعداد كبيرة من الجثث مجهولة الهوية في مقابر جماعية تنتشر عبر المدينة والمناطق الريفية النائية، تاركة لسكانها أسئلة لا تنتهي حول مصير أحبائهم بالإضافة إلى الآمال في انتعاش الرقة مجدداً بعد الصراع.

وبدأت السلطات المحلية التي جاءت بعد خروج التنظيم بالعمل على ذلك، حيث تم تكليف فريق الاستجابة الأولية التابع لمجلس الرقة المدني، والذي يتكون من ٢٠-٣٠ شخصاً، بكشف المقابر الجماعية، واستخراج الجثث وتحديد هويته، قبل إعادة دفنها في مقبرة الشهداء في منطقة تل البيعة، على بعد ٣ كم شرق مدينة الرقة.

ومع المعدات المتواضعة والخبرة البسيطة، يتعين على المجموعة تحديد هوية القتلى قبل تحلل جثثهم مما يجعل من المستحيل التفريق بينهم.

وقال ياسر الخميس الذي يقود الفريق "إن أدواتنا بسيطة"، موضحاً أن تحديد الهوية يعتمد على تقييم الصفات المرئية بما في ذلك لون الشعر أو الملابس أو الأشياء الشخصية الموجودة مع الجثة.

وأضاف الخميس "هناك ملف لكل جثة مع الاسم - إذا كان هناك اسم - أو رقم إذا كان الاسم غير معروف".

ووفقاً لسارة كيالي، باحثة سورية لدى هيومن رايتس ووتش، التي تقوم بتوثيق جهود إعادة إعمار الرقة، فإن السلطات المحلية في الرقة لا تملك المعدات أو الخبرة اللازمة لإجراء اختبارات الحمض النووي على الجثث. ووجدت الكيالي خلال بحثها في الرقة، في وقت سابق من هذا العام، أن فريق الخميس - خلافاً للمعايير الجنائية الدولية - لا يأخذ أي صور للجثث أو يحتفظ بقاعدة بيانات رقمية لملفاته.

ولا يملك فريق الاستجابة الأولية إلا طبيب واحد يعمل كخبير طب شرعي بالرغم من عدم وجود أي خبرة لديه في الطب الشرعي.

وقالت الكيالي "على حد علمنا، لم تقدم أي منظمة دولية أي نوع من التدريب أو التوجيه لهذه المجموعة باستثناء مشاركة المنشورات وإجراء محادثات معهم عبر الهاتف فقط".

ويعد فريق الاستجابة الأولية، جزءاً من مجلس الرقة المدني الذي أنشأته قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من جانب الولايات المتحدة، العام الماضي لحكم المدينة بعد هزيمة التنظيم، وتم تمويله في الأصل من قبل الولايات المتحدة كجزء من برنامج دعم الاستقرار، لكنه تأثر بشدة بقرار وزارة الخارجية الأمريكية في آذار الذي نص على تجميد كافة أشكال التمويل. وفي ١٧ آب، أعلنت وزارة الخارجية أنها ستنهي التمويل بالكامل.

وتابعت الكيالي "الاحتياجات ملحة للغاية، ولكن الاستجابة الإنسانية لتلك الاحتياجات لا تزال بطيئة جدا"، مشيرة إلى أن هذا يترك المجموعة "في وضع صعب للغاية".

فريق الاستجابة الأولية يستخرج الجثث في الرقة في تموز. تصوير: لجنة إعادة الإعمار- مجلس الرقة المدني.

ووفقاً للخميس، كشف فريق الاستجابة الأولية حتى الآن عن ١٠ مقابر جماعية، بالإضافة إلى عدد من مواقع الدفن الأصغر حجماً، التي تحتوي على جثث مدنيين تم إعدامهم من قبل التنظيم أو قتلوا في قصف للقوات التي تقودها الولايات المتحدة، ولا يزال العدد الدقيق للجثث التي انتشلها الفريق مجهولاً، لكن العديد من وكالات الأنباء ذكرت في تموز أنه تم انتشال أكثر من ١٢٠٠ جثة منذ بداية العام.

لكن مع نقص الموارد، تتقدم الأمور ببطء، وهناك اعتقاد بأن الآلاف من الجثث ما زالت مدفونة في مقابر جماعية وتحت أنقاض المباني المهدمة، وهذا يعني أن السكان يواصلون العيش مع الروائح الكريهة والمخاطر الصحية - بما في ذلك داء الليشمانيا، وهو مرض معد - ينبعث من القبور.

وقال المشهداني "أنت محاط بالموت هنا، وغالباً ما تفكر في نفسك بأنك ربما تقف على جثة".

وأضاف المشهداني "ما يخيفني أكثر هو أننا اعتدنا على هذه الأشياء".

أدلة على جرائم الحرب فقدت إلى الأبد

مع تعافي الرقة من سنوات حكم التنظيم، فإن عدم القدرة على تحديد هوية الجثث بدقة قد يكون له عواقب طويلة الأمد على مستقبل المدينة.

وأوضحت الكيالي أن "الكثير من الأدلة على انتهاكات حقوق الإنسان أو جرائم الحرب تكمن في الواقع في الجثث الموجودة في المقابر الجماعية".

وعندما سيطر التنظيم على المحافظة في عام ٢٠١٤، وأعلن الرقة عاصمة لما يسمى بـ"الخلافة"، فرضت الجماعة أحكاماً متشددة وفرضت عقوبات وحشية على من ينحرف عن إيديولوجيتها.

خلال فترة حكمه، حوّل تنظيم الدولة ملعب الراشد في المدينة إلى أحد السجون المركزية في المنطقة، حيث احتجز أشخاصاً هناك وعذبهم بسبب مخالفات بسيطة. وكان ملعب الراشد هو الأول من بين ١٠ مقابر جماعية يتم الكشف عنها من قبل فريق الاستجابة الأولية.

لكن الحملة لاستعادة السيطرة على المدينة كلفت المدنيين ثمناً باهظاً، حيث تعرضت الهجمات الجوية والبرية التي قادتها الولايات المتحدة، والتي هزمت التنظيم في نهاية المطاف في الرقة في تشرين الأول الماضي، لانتقادات شديدة من جماعات حقوق الإنسان لإلحاق الدمار الهائل في المدينة وعدم اتخاذ الاحتياطات الكافية لحماية أرواح المدنيين تحت القصف، ولا توجد أرقام دقيقة للوفيات بين المدنيين، غير أن بعض جماعات حقوق الإنسان ومراقبي الصراع يقدرون أن ٣٣٧٥ - ٩٧٩٠ قتلوا خلال الهجوم لاستعادة الرقة.

وأضافت الكيالي "لنفهم الانتهاكات التي ارتكبت خلال المعركة وحتى قبل ذلك، فيجب حفر هذه المقابر الجماعية وتحديد هوية الجثث بطريقة دقيقة وعادلة".

الاستمرار والمضي قدماً

بالإضافة إلى المخاوف الأكبر حول حقوق الإنسان، فإن عدم القدرة على تحديد هوية الجثث في الرقة يمكن أن يكون له تداعيات قانونية ملموسة على عائلات الضحايا، فعادةً ما يكون الحصول على شهادة وفاة رسمية أمراً ضرورياً لإثبات الملكية أو حقوق الميراث.

وتشرح الكيالي "مادام الشخص مفقودًا أو مختفياً أو مخطوفاً، فلا يمكن فعل إلا القليل في الأمور التي تخص ممتلكاته أو أمور الميراث".

وبالنسبة للسكان المحليين فإن إثبات وفاة أقاربهم وأحبائهم أمر بالغ الأهمية لعودة الحياة المدنية العادية في الرقة. ومع ذلك فإن الأشحاص النازحين من المناطق الأخرى لا يعرفون أبداً ما حدث لأصدقائهم وأفراد عائلتهم وجيرانهم.

وعندما يتم اكتشاف مقبرة جديدة يتوافد السكان إلى الموقع ليستفسروا خوفاً من أن يجدوا شخصاً ما يعرفونه بين الجثث، وفقاً لما أكده المشهداني.

وقالت الكيالي "ليس لديهم أي طريقة لمعرفة ما حل بأحبائهم حتى يتم التعرف على تلك الجثث".

وبينما تتعافى الرقة ببطء من الدمار الذي خلفه القصف والصدمة التي تركها تنظيم الدولة، فإن وجود الجثث المتحللة في الرقة لا يؤثر على البنية التحتية المحلية فحسب بل يؤثر بشكل كبير على "نفسية المدينة" على حد قول الكيالي.

وأضافت "لتتمكن تلك العائلات من الاستمرار وتتمكن المدينة من المضي قدماً، يجب الكشف عن هذه الجثث والتعرف عليها".

 

هذا التقرير هو جزء من تغطية سوريا على طول الإخبارية، لمدة شهر كامل، للأراضي التي كانت تحت سيطرة التنظيم في سوريا مع مؤسسة كونراد أديناور والمراسلين على الأرض في سوريا. اقرأ تقريرنا التمهيدي هنا.