عمان- "ثمة حقيقة تبعث على الخزي: الناس يموتون في هذه الحرب من دون داعٍ، لأن المساعدات الإنسانية التي يعتمدون عليها تستخدم أوراقاً للمساومة في مفاوضات سياسية. إن تعثر [إيصال المساعدات] عبر الحدود يحيل إلى رهينة حياة ملايين البشر"، كما قال رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر، بيتر ماورر، في خطابه بمؤتمر بروكسل الرابع لدعم مستقبل سوريا والمنطقة، والذي انعقد يوم الثلاثاء الماضي، 30 حزيران/يونيو 2020.

ماورر كان يتوجه في خطابه إلى أعضاء مجلس الأمن الدولي، لاسيما الدائمين منهم. إذ تسعى الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا إلى تجديد قرار مجلس الأمن رقم 2504 لسنة إضافية قبل انتهاء العمل به في 10 تموز/ يوليو، بما يسمح باستمرار إدخال المساعدات من تركيا إلى سوريا من خلال معبري باب الهوى وباب السلام الحدوديين. 

في المقابل، ترفض روسيا تجديد صلاحية آلية إيصال المساعدات عبر الحدود المنصوص عليها في القرار الأممي، كون "الآليات التي تم وضعها في الماضي هي إجراءات مؤقتة لم تعد كافية ولا متماشية مع المعايير الإنسانية"، كما قال المندوب في الأمم المتحدة، الإثنين الماضي.

وكان مساعد أمين عام الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ، مارك لوكوك، حذّر مجلس الأمن الدولي، الأحد الماضي، من أن الفشل في تمديد التفويض الخاص بإيصال المساعدات عبر الحدود "سيتسبب في المعاناة والموت".

بالإضافة إلى ذلك، كانت دول، على رأسها روسيا والصين، أدانت العقوبات "الأحادية" التي فرضت على سوريا بموجب قانون قيصر الأميركي الذي دخل حيز النفاذ مؤخراً. لكن الممثل الأميركي الخاص لسوريا، جيمس جيفري، شدد على أن قانون قيصر لن يحول دون أي شكل من أشكال المساعدة الإنسانية، معلناً عن تقديم بلاده مساعدات لسوريا في العام 2020 بقيمة 600 مليون دولار. كما حث المسؤول الأميركي المجتمع الدولي على "رفض التطبيع الدبلوماسي مع نظام الأسد".

ولمؤتمر بروكسل حول سوريا، والذي ينظمه الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة هدفان: الدفع باتجاه حل سياسي للأزمة السورية استناداً إلى قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254، وتعهد الدول المانحة بتقديم أموال للجهود الإنسانية الخاصة بسوريا.

وخلال مؤتمر هذا العام، تم التعهد بتقديم 5.5 مليار دولار للسنة الحالية، بانخفاض تزيد نسبته عن عشرين بالمئة مقارنة بتعهدات العام الماضي. علماً أن الأمم المتحدة كانت تسعى إلى الحصول على 10 مليارات دولار في مؤتمر هذا الأسبوع، وهو مبلغ يفوق ذاك الخاص بالعام 2019، إذ حذرت المنظمة من أنه بعد تسع سنوات من الحرب، فقد وصل السوريون إلى "نقطة الانهيار". ومن المقرر تخصيص الكثير من تلك الأموال لكل من الأردن ولبنان وتركيا، التي تستضيف مجتمعة أكبر عدد من اللاجئين السوريين في العالم، إذ يزيد عن خمسة ملايين لاجئ.

حاجة ماسة للمساعدات عبر الحدود شمال غرب سوريا

يحتاج ما يقارب 70% من القاطنين في شمال غرب سوريا إلى مساعدات إنسانية، بحسب لوكوك، فيما يعاني ثلث الأطفال ممن هم دون سن الخامسة هناك من التقزم نتيجة سوء التغذية، وبما يعيق نموهم البدني والإدراكي "بشكل لا يمكن استدراكه".

وحذر لوكوك أيضاً من أن حالات سوء التغذية في هذه المنطقة في ازدياد مُلفت، إذ أدى الانخفاض الحاد في قيمة الليرة السورية، في الأسابيع الآخيرة، إلى "ارتفاع أسعار المواد الغذائية والأدوية في السوق بشكل يفوق قدرات الأسر"، وبحيث "صارت تعتمد بشكل كامل على الطرود الغذائية التي إيصالها عبر الحدود".

وينتهي التفويض الأممي الحالي الخاص بإيصال المساعدات عبر الحدود -ومعظمها أغذية- إلى مناطق المعارضة في شمال غرب البلاد خلال أقل من عشرة أيام. إذ إن القرار 2504 الذي تم اعتماده في 10 كانون الثاني/ يناير 2020، يسمح بتقديم المساعدة عبر الحدود لمدة ستة أشهر، من خلال معبري باب الهوى وباب السلامة على الحدود التركية-السورية، وقد حل محل قرار سابق لمجلس الأمن الدولي يتيح استخدام هذين المعبرين بالإضافة إلى معبري اليعربية مع العراق والرمثا مع الأردن.

وبحسب آرون لند، الزميل في "مؤسسة القرن" البحثية في نيويورك، فإن "هذه المناطق، ولاسيما إدلب، بحاجة إلى المساعدات القادمة عبر الحدود أكثر من أي وقت مضى". مضيفاً في حديثه لـ"سوريا على طول"، أن "المكان الوحيد الذي تحصل منه [هذه المناطق] على الدعم الذي تحتاجه هو عبر الحدود التركية، كون الحكومة السورية منعت إيصال المساعدات من دمشق عبر خطوط الجبهات. وقد ازدادت حجم ما يتم توفيره عبر الحدود بنسبة 75٪ منذ نهاية العام الماضي".

رغم ذلك، تحاجج دمشق وموسكو بوجوب إيصال المساعدات عبر دمشق بدلاً من تسليمها من خارج البلاد، بدعوى أن آلية إيصال المساعدات عبر الحدود تتعارض مع إعادة فرض النظام سلطته على المناطق الحدودية السورية.

لكن ثمة شكوك جديّة بشأنم قدرة دمشق وحتى استعدادها لتقديم المساعدة للمدنيين بطريقة آمنة وغير متحيزة. 

في هذا السياق، كان تقرير لمنظمة هيومن رايتس ووتش، صادر في يونيو/حزيران 2019، كشف بشكل مفصل عن كيفية إعطاء حكومة دمشق الأولوية في تلقي المساعدات للفئات التي تُعتبر أكثر ولاء للنظام، فيما تم استبعاد الأحياء أو الجماعات التي كانت مؤيدة المعارضة من هذه المساعدات. يضاف إل ذلك أنه غالباً ما يتم اختلاس أموال المساعدات أو منح العقود للمقربين من النظام.

وكما أوضح لند، فإنه "بإعادة توجيه كثير من مساعدات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية بحيث يتم إيصالها عبر دمشق، تأمل الأخيرة في إنعاش الاقتصاد وخلق فرص أعمال من خلال التعاقدات من الباطن والمشتريات المحلية، تستطيع الأطراف المتنفذة المرتبطة بالنظام اقتناصها". 

بالنتيجة، يتوقف تمديد إيصال المساعدات عبر الحدود على روسيا، إلى حد كبير، كون الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا قد عبرت بوضوح عن دعمها لهكذا قرار، فيما تحذو الصين عادة حذو روسيا في التصويت بمجلس الأمن الدولي بشأن سوريا.

ويمكن أن يكون لتركيا دور كبير في تليين موقف روسيا الرافض، حتى الآن، لتجديد القرار. إذ إن لأنقرة مصلحة عميقة في استمرار تدفق المساعدات الدولية إلى شمال غرب سوريا، بحيث لا يقع على كاهلها عبء ذلك في سبيل ضمان عدم تدفق اللاجئين نحو حدودها. في الوقت ذاته، تبدو موسكو حريصة على إرضاء أنقرة لجذبها بعيداً عن الغرب.

ويمكن تكون النتيجة صيغة معدلة للقرار القائم حالياً، بحيث يتم إيصال المساعدات من خلال معبر باب الهوى فقط، والذي يشهد حركة أكبر لقوافل المساعدات. كما قد يتم فتح معبر تل أبيض الحدودي، برأي لند.

لكن حتى الآن، ما تزال هناك فجوة كبيرة بين مطالب الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا -والتي ترغب في تمديد استخدام المعبرين بين تركيا وسوريا، وإعادة فتح المعبرين السابقين مع الأردن والعراق- وبين روسيا وحكومة دمشق اللتين تريدان إغلاق المعابر الحدودية جميعها. واستناداً إلى تصريحات هذه الدول في مؤتمر بروكسل الرابع، يبدو أنه لا يزال هنالك الكثير من المفاوضات التي يتعين القيام بها قبل الموعد النهائي في 10 تموز/ يوليو، والذي سيعني حلوله من دون التوصل إلى اتفاق، نتائج كارثية للمدنيين في سوريا.

 

تم نشر أصل هذا التقرير باللغة الإنجليزية، وقامت بترجمته إلى العربية فاطمة عاشور