عمان- منعاً لأي نشاط من شأنه إعادة فاعلية الحراك الشعبي المناهض للنظام السوري في مدينة السويداء، جنوب سوريا، طوقت الأجهزة الأمنية، أمس الأحد، مبنى نقابة المحامين في المدينة، بعد ورود أنباء عن نية محامين تنفيذ وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن الناشطين الذين تم اعتقالهم على خلفية الاحتجاجات التي اندلعت في السويداء، في الفترة بين 7 و15 حزيران/يونيو الحالي خصوصاً.

وكانت الأجهزة الأمنية قد اعتقلت، بمساندة ما يسمى "كتائب البعث"، وهي مليشيات مسلحة تابعة لحزب البعث العربي الاشتراكي الحاكم، تسعة مدنيين، في 15 حزيران/يونيو الحالي، على خلفية مشاركتهم في الاحتجاجات التي أثارت جدلاً واسعاً في سوريا وخارجها، كونها اندلعت بعد هدوء شهدته المحافظة لسنوات. إذ فيما سعى البعض إلى التقليل من قيمة الاحتجاجات بدعوى أن باعثها اقتصادي محض، رأى كثيرون آخرون من معارضي استبداد حكم دمشق فيها قيامة جديدة للثورة السورية التي اندلعت في آذار/مارس 2011. لاسيما أن متظاهري السويداء أعادوا إحياء هتافات الثورة الأولى، بما في ذلك المطالبة برحيل بشار الأسد، إضافة إلى التغني بأحد أبرز رموز الثورة السورية عبد الباسط الساروت، ابن مدينة حمص التي عُرفت بـ"عاصمة الثورة".

أهم من ذلك، أن السويداء وأبناءها، كانوا حاضرين في الثورة السورية منذ اندلاعها، لكنها "ظلمت إعلامياً"، كما قالت الناشطة الحقوقية هبة معروف في حديثها إلى "سوريا على طول". مطالبة "بدعم الثوار وإنصافهم في مواجهة نظام معروف بوحشيته".

يافطة رفعها أهالي السويداء للتعبير عن تضامنهم مع مدن سورية أخرى تعرضت لقصف القوات الحكومية في الأشهر الأولى للثورة، 19/ 10/ 2011 (تنسيقية السويداء

سويداء الثورة

لم تكد تنطلق الاحتجاجات السلمية المطالبة بالحرية للسوريين، والتي رد عليها النظام مباشرة بالعنف، حتى أطلق الفنان سميح شقير، ابن محافظة السويداء، أغنية "يا حيف"، التي ستغدو سيدة أغاني الثورة في مواجهة نظام أعلن شقير صراحة أنه "خاين. يكون من كاين" لأنه يقتل شعبه، كما تقول كلمات الأغنية. 

وفيما لم يغب ابن السويداء منذئذ عن إحياء ذكرى رموز الثورة؛ مثل الساروت وغياث مطر والطفل حمزة الخطيب، فإنه لم يتأخر حتماً عن الغناء لمدينته "قامت حقاً قامت"، مع اندلاع الاحتجاجات الأخيرة "لتحيي الكرامة"، بحسب الأغنية.

أيضاً، كانت السويداء من بين أولى المحافظات السورية التي شاركت في تظاهرات العام 2011.، منها تظاهرة بلدة القريا في نيسان/أبريل، وتظاهرة ساحة الفخار، في تموز/يوليو، تضامناً مع مدينة حماة التي كان يخشى تعرضها لمذبحة جديدة مماثلة لمذبحة 1982.

كذلك، لم تتأخر الأميرة منتهى الأطرش، ابنة قائد الثورة السورية الكبرى ضد الاحتلال الفرنسي، سلطان باشا الأطرش، عن إعلان تضامنها مع ثورة 2011، وحضرت بيوت عزاء بالضحايا الذين سقطوا بنيران القوات الحكومية. كما اتهمت الأميرة الأطرش، في لقاء صحفي أجري معها على محطة "فرانس 24"، النظام بعدم نيته اتباع حلول سلمية.

الأميرة منتهى سلطان باشا الأطرش تلقي كلمة في بيت عزاء بضحايا من حي القابون بدمشق قتلوا على يد القوات الحكومية، 19/ 6/ 2011 (يوتيوب)

 

عسكرياً، وفيما برز اسم العقيد عصام زهر الدين، من محافظة السويداء، كأحد أشد ضباط القوات الحكومية بطشاً بالسوريين منذ اندلاع الثورة، وكان من مرتبات الحرس الجمهوري إلى أن قتل بتفجير في محافظة دير الزور، شرق سوريا، في تشرين الأول/أكتوبر 2017، فإنه يكاد يغيب اسم ابن مدينة السويداء الملازم أول خلدون زين الدين، الذي أعلن انشقاقه عن القوات الحكومية في تشرين الأول/أكتوبر 2011، وانضمامه إلى صفوف الجيش السوري الحر. وقد شكل لاحقاً كتيبة سلطان باشا الأطرش. وقضى زين الدين في كانون الثاني/يناير 2013، في منطقة ظهر الجبل بالسويداء، مع عدد من مقاتلي الجيش الحر، من بينهم ابن مدينته أيضاً سامر حمد البني.

الملازم أول خلدون زين الدين يعلن انشقاقه عن القوات الحكومية، 31/ 10/ 2011 (يوتيوب)

 

ورغم تراجع دور السويداء في الثورة السورية تدريجياً، فقد بقيت ملاذاً لآلاف النازحين من محافظات أخرى، لاسيما درعا وبعض من أبناء الغوطة الشرقية الذين اعتادوا العمل في الزراعة هناك منذ ما قبل اندلاع الثورة. 

كما اتخذ أبناء المحافظة موقف الحياد عسكرياً، بحيث رفضوا، بشكل عام، المشاركة في العمليات العسكرية على الجانبين، المعارضة والنظام. إذ يرفض أهالي السويداء، منذ أواخر العام 2015، التحاق أبنائهم بصفوف القوات الحكومية لأداء الخدمة العسكرية الإلزامية خارج حدود المحافظة. سبق ذلك ظهور فصائل مسلحة محلية من قبيل فصيل رجال الكرامة الذي تأسس في العام 2012، بقيادة الشيخ وحيد البلعوس، لضبط الفوضى في المحافظة، وكان له دور بارز في حمايتها من تنظيم "داعش" شرق سوريا. 

ورغم أن "رجال الكرامة" لم يعلن دعمه للثورة السورية، فإن تنامي نفوذ الشيخ البلعوس مع مواقفه المناهضة لممارسات النظام، كانا سبباً في تدبير مقتله، في أيلول/سبتمبر 2015، بسيارة مفخخة.

الشيخ وحيد البلعوس يلقي خطاباً بحضور شخصيات دينية من طائفة الدروز الموحدين في مدينة السويداء (أرشيفية)

 

الفوضى بديلاً من القمع

نظراً لخصوصيتها المذهبية، لاسيما مع ادعاء النظام أنه حامي الأقليات في سوريا، يعمد الأخير إلى احتواء الاحتجاجات في السويداء من خلال نشر الفوضى أو إثارة الذعر بين أهلها من هكذا سيناريو. وهو ما كان قد حذر منه الباحث في الشأن السوري مازن عزي، في حديث سابق لـ"سوريا على طول"، غداة انطلاق الاحتجاجات الأخيرة، من خلال لجوء دمشق إلى "خلق الفتنة والفوضى، وتنفيذ عمليات اعتقال هنا، وخطف هناك، ناهيك عن مسيرات التأييد الموجهة". 

وإضافة إلى اغتيال الشيخ البلعوس، تعد الحادثة الأبرز في هذا السياق، هجوم "داعش" على المحافظة في تموز/ يوليو 2018، والذي أفضى إلى سقوط أكثر من 200 ضحية. مع اعتقاد شائع بين ناشطين من السويداء بأنه هجوم تم بتسهيل من القوات الحكومية. 

سوريون يشاركون في الاحتجاجات الأخيرة في ساحة الفخار بمدينة السويداء، 10/ 6/ 2020 (السويداء 24)

 

لكن مواصلة النظام اتباع سياسة الفوضى، وإطلاق يد مليشيات موالية له داخل المحافظة، من قبيل "الدفاع الوطني" و"كتائب البعث"، وقبل ذلك تاريخ السويداء المناهض للنظام منذ بدايات الثورة السورية، كل ذلك هيأ الظروف لعودة الحراك الشعبي وتجدد التظاهرات منذ مطلع العام الحالي، ليس تنديداً فقط بالفساد وتردي الأوضاع المعيشية، وإنما بإحياء مطالب الثورة السورية الأولى بالحرية والكرامة.