تحكي لنا بعض الصور الشخصية التي تم إرسالها عبر أحد تطبيقات المحادثة، قصة حياة أحد الأشخاص في الغوطة الشرقية، وكيف تغيرت منذ عام مضى.

وصلت صورتان لسوريا على طول، الصيف الماضي، عقب سيطرة الحكومة السورية وحلفائها على آخر جيوب المعارضة في ضواحي الغوطة الشرقية بمحيط دمشق، بعد أشهر من القصف وسنوات من الحصار.

عندما سألت "سوريا على طول" أحد سكان الغوطة الشرقية: كيف تغيّرت حياته منذ استيلاء الحكومة على الغوطة، أرسل صورتين شخصيتين له، قبل وبعد عام، دون أن يقدم أي تفسير أو رد مباشر.

في الصورة الأولى كان ملتحياً ويضع كوفية حول رأسه، كالزي المألوف لمقاتلي المعارضة في الغوطة الشرقية، في دلالة على دعم المعارضة، أما الصورة الثانية، التي التقطت له بعد عدة أشهر من سيطرة الحكومة على مسقط رأسه، حيث ساد الصمت والتوتر في المنطقة، يظهر بلحية مشذبة، وهو يدخن النرجيلة.

وفي وقت سابق من هذا الشهر، أرسل صورة ثالثة، يرتدي فيها لباس الجيش السوري.

وتعكس تجاربه إحدى الحالات الأكثر شدة حول التحول الجذري للحياة في الغوطة الشرقية منذ عام مضى، بعد خروج آخر مقاتلي المعارضة في نيسان 2018، والذين لا يزالون يسيطرون على مناطق في الشمال الغربي من البلاد.

وبعد أن تم إعلان اتفاقية الإخلاء ووضعت شروطها، استقل عشرات الآلاف من الناس الحافلات إلى الشمال، والتي أنهت سنوات من الحصار والقصف الذي أجبر السكان على الاختباء لأسابيع داخل الملاجئ المؤقتة في الطوابق السفلية.

وفي الأشهر التي تلت ذلك، ساد الصمت في مدن وبلدات ضواحي دمشق، حيث يعيش من بقي من السكان الآن تحت سلطة حكومية من جديد، ويخشى الكثيرون التحدث في السياسة علناً، وتكثر الشائعات عن تجول المخبرين التابعين للحكومة في الشوارع.

في الوقت نفسه، فإن التواصل مع العائلة والأصدقاء الذين استقلوا حافلات الإجلاء الحكومية العام الماضي محدود للغاية.

قال أحد سكان الغوطة الشرقية السابقين، لسوريا على طول، الشهر الماضي، من المنفى في محافظة إدلب الشمالية الغربية، الخاضعة لسيطرة المعارضة "جميع أصدقائي ومعارفي (الذين بقوا هناك) يخشون التواصل معي".

وأضاف "الآن يمكنني معرفة الأخبار من الصحف فقط".

وبالنسبة للصحافيين، فإن التغطية الإعلامية لضواحي الغوطة الشرقية أصبحت معقدة، والقليل من السكان المتبقيين على استعداد للتحدث مع الصحافة، وغالباً ما يتجنبون التحدث مباشرة عن السياسة.

ومع ذلك، تشير المحادثات مع العديد من السكان الذين ما زالوا يعيشون في الغوطة الشرقية، إلى حالة من الضبابية، حيث يشعر الكثيرون بالارتباك بشأن التنفيذ الفعلي لشروط الاتفاق، والقوانين والقرارات التي تحكم حياتهم الآن.

وبعد سيطرة القوات الموالية للحكومة رسمياً على الضواحي الممتدة على أطراف الغوطة، العام الماضي، تم التوصل إلى اتفاق بأن جيش الإسلام، الفصيل المعارض المتبقي، سيُخلي المنطقة إلى الشمال في حافلات الحكومة إلى جانب المدنيين الذين يريدون المغادرة أيضاً.

وفي المقابل، ستدخل الشرطة العسكرية الروسية المنطقة، وتمارس سلطة غير محددة على الأمن المحلي لفترة غير معروفة من الزمن.

ولا تزال تفاصيل الدور الذي تلعبه قوات الشرطة الروسية غير واضح بالنسبة لعشرات الآلاف من السوريين الذين يرون دوريات الشرطة خلال حياتهم اليومية في الغوطة الشرقية، وفقاً لما قاله مدنيون لسوريا على طول.

ومن المتجر الصغير الذي يمتلكه، قال حسن، أحد سكان الغوطة الشرقية، إنه يشاهد المركبات العسكرية الروسية تتجول بشكل "يومي" في شوارع دوما، ولطالما كانت دوما أهم مدينة في المنطقة الريفية.

وقال الرجل البالغ من العمر ٤٢ عاماً "كمواطنين عاديين، ليس لدينا أي علاقة بالشرطة العسكرية الروسية"، مضيفاُ أنه وغيره من السكان غير متأكدين من شكل علاقة الشرطة الروسية بأجهزة الأمن السورية بالتحديد.

ركام ومخبرون، ثم الصمت

لا يزال مسقط رأس حسن مركزاً لتواجد قوات الأمن التابعة ​​للحكومة السورية في الغوطة الشرقية.

وتعد حالات الاعتقال والاختفاء والتجنيد العسكري على أيدي عناصر الأمن التابعين للحكومة أمرا شائعاً، بالرغم من وجود الشرطة العسكرية الروسية، والتي يبدو أنها موزعة بشكل غير متساوٍ في جميع أنحاء المنطقة.

وسيطرت الأفرع الأمنية، بما في ذلك المخابرات الجوية، على المدينة التي لا تزال مدمرة جراء الحرب، حيث شهدت الغوطة الشرقية قصفاً يعد الأعنف خلال الصراع السوري.

والركام والأنقاض التي خلفتها سنوات الحرب لا تزال مكومة في الشوارع، كما أن انقطاع التيار الكهربائي هو سمة من سمات الحياة اليومية هناك، وأيضاً توجد أكوام من المباني السكنية التي سويت بالأرض، وهي أنقاض خط المواجهة في المناطق الحضرية بين المعارضة وقوات الحكومة.

وهناك أحياء لم تتلق، حتى الآن، أي إمدادات مياه أو خدمات حيوية أخرى بشكل منتظم.

ولم يشاهد رمزي، أحد السكان السابقين، الحصار والقصف المدمر مباشرة، وبدلاً من ذلك، أمضى الشاب البالغ من العمر ٤٥ عاماً تلك السنوات في وضع آمن نسبياً في قلب العاصمة دمشق.

وغادر رمزي، مسؤول مجتمع مدني، منزله في بلدة حمورية جنوب شرقي  الغوطة الشرقية قبل الحرب، مع سيطرة قوات المعارضة عليها بعد عام ٢٠١١.

وأصبحت المدينة آنذاك مركزاً لقصف الحكومة على الغوطة الشرقية، في الأيام الأخيرة قبل هزيمة المعارضة.

وقال رمزي، أنه بدأ يزور حمورية مرة كل أسبوع، منذ أن سيطرت الحكومة السورية العام الماضي، لإصلاح منزل عائلته.

وأكد بأن الشرطة الروسية لا تزال تقوم بدوريات في الشوارع، بعد مرور عام من سيطرة الحكومة على المنطقة.

وتابع قائلاً "لكن وفقاً لما رأيته، فإن لديهم وجود أكبر في دوما، وفي المدن الرئيسية من الغوطة، أما في القرى الأصغر، فإن وجودهم محدود جداً".

وأضاف "إن لم يتغير هذا الحال، فإن أهل الغوطة سوف يرون شيئاً أسوأ من الواقع الذي يعيشونه الآن".

وهي حقيقة مرّة بالفعل، حيث يتحدث أهالي الغوطة الشرقية الذين يعيشون الآن فيما هو أشبه بالمنفى عن قصص كثيرة لرجال في سن الخدمة العسكرية، مجندون في صفوف الجيش السوري.

في حين اختفى سكان آخرون ببساطة في سجون الحكومة، واختفى آخرون خوفاً من عيون المخبرين.

وهذه هي بعض الصعوبات الروتينية التي يتحدث عنها السكان في أغلب الأحيان، وتشمل أيضاً العبور إلى وسط دمشق، وهو أمر ضروري إذا كانوا يأملون الالتحاق بالجامعة، أو الحصول على جواز سفر جديد أو القيام بأي إجراءات قانونية، لاسيما أن البنية التحتية  لم تتعافى في ضواحي العاصمة المدمرة، ولا تزال بعض المواد والأجهزة الصناعية والإلكترونية متاحة فقط في مراكز التسوق الرئيسية بدمشق.

وهذا يعني الدخول في دائرة إجراءات بيروقراطية غامضة في كثير من الأحيان، والحصول على أوراق لزيارة مدينة كانت - ذات يوم - على بعد رحلة قصيرة بالحافلة أو التكسي قبل الحرب. إضافة لذلك، فإن على السكان الراغبين بزيارة العاصمة عبور خطوط فصل بالكاد مرئية، تشير إلى أن الغوطة الشرقية لا تزال موجودة في عالم مختلف تماماً عن المدينة التي تحدّها.

وقال عثمان، وهو أب لثلاثة أطفال من دوما "يجب أن يكون لديك موافقة رسمية لتذهب إلى دمشق، لكن هذه المواقات لها فترة صلاحية محدودة فقط"، ولم يفصح عثمان عن أسبابه الخاصة لزيارة العاصمة.

"وفي حال تم رفض هذا الطلب، تشعر بأن حركتك مقيدة".

وقال عثمان إن الرحلات أصبحت الآن أكثر تعقيداً من أي وقت مضى، حيث أن الرحلة التي كانت تتطلب ببساطة زيارة "روتينية" لمكتب الشرطة المحلي، أصبحت تمر الآن عبر مركز أمن الدولة في دوما، ثم الحاجز، وطول الطريق الرئيسي، ومن ورائه المدينة التي كانت تقع على الجانب الآخر من خط المواجهة في المعارك التي دمرت مسقط رأسه.

 

قامت سوريا على طول بتغيير أسماء جميع المصادر المذكورة في هذا التقرير لأسباب أمنية.