شاحنات يملكها سوريون تصطف في نويبع، مصر في ٢٠ تشرين الثاني. تصوير: أبو عمر.

خلال ممارسته لمهنته كسائق شاحنة على مدى عقود، قام أبو عمران، المولود في دمشق، بالرحلات ذاتها لعشرات المرات على مر السنين.

وقام بالتجول بشاحنته الكبيرة على شواطئ نويبع، وهي مدينة ساحلية صغيرة على الساحل المصري للبحر الأحمر، على السطح الصدئ لسفينة شحن تديرها شركة الجسر العربي للملاحة التابعة للحكومة، حيث اعتاد الرحلة التي تمتد لثلاث ساعات عبر الخليج إلى مدينة العقبة الأردنية.

وبعد الوصول إلى اليابسة، كان محمد يتجه شمالاً على طول الطرق السريعة الصحراوية نحو العراق، أو جنوباً على طول ساحل البحر الأحمر في الأردن لنقل الموز والطماطم وغيرها من السلع إلى المملكة العربية السعودية.

لكن في أواخر العام الماضي، عندما تقدم للحصول على تأشيرة عبور للأردن من القاهرة حيث يعيش مع زوجته وأطفاله، واجه محمد العقبة الأولى. لم يعد مسموحا لجميع السيارات التي يقودها السائقون السوريون القيام بالرحلة عبر البحر الأحمر.

وقال محمد لسوريا على طول "في الماضي، كنا نتقدم بالطلب وكانوا يعطوننا التأشيرة، لم يرفضوا أي شخص وكانت الأمور على ما يرام حتى عام ٢٠١٧، عندما بدأنا نواجه الرفض".

وأضاف "منذ ذلك الحين، أصبحت أتقدم باستمرار وأحصل على الرفض".

وفي فترة تعرف بفرض قيود خانقة على حركة السوريين، مع وجود عدد لا يحصى من أنظمة التأشيرات والحدود والعقبات التي تمنع الجميع اللاجئين السوريين ورجال الأعمال من العبور إلى الدول المجاورة وما وراءها، كان المجتمع الصغير المكون من عدة مئات من سائقي الشاحنات السوريين المقيمين في مصر استثناء نادراً.

لكن مجموعة كبيرة من الشاحنات المتوقفة في نويبع في مصر شكلت مؤشراً يدل على تغيّر الأمور.

وتعكس الشاحنات التي تعود لسائقين سوريين كانوا يقودونها عبر المنطقة في وقت ما، الوضع الجديد حيث لم يعد بإمكانهم الحصول على التصاريح اللازمة لعبور الحدود في وقت تتراكم فيه الرسوم بأرقام فلكية من الحكومة المصرية على سياراتهم المتوقفة.

وقال السائقون الذين تحدثوا إلى سوريا على طول إن زيادة التدقيق وارتفاع معدلات الرفض لم تتزامن مع أي حدث معين، وأعرب الكثيرون عن حيرتهم إزاء هذا التغيّر.

شاحنات لسوريين تصطف في نويبع، مصر في ٢٠ تشرين الثاني. تصوير: أبو عمر.

وكانت هناك محاولات لمساعدة سائقي الشاحنات الذين تقطعت بهم السبل- وتم التوصل إلى اتفاق رسمي بين السلطات الأردنية والسورية في ٩ كانون الأول، بعد أشهر من الضغط من قبل الحكومة السورية.

وتتيح الاتفاقية العبور الآمن لنحو ٥٠٠ شاحنة مسجلة في سوريا، وعالقة في مصر والسودان حالياً بانتظار تغير الأوضاع عند معبر العقبة الأردني الحدودي، وعبر الأردن من ثم العودة إلى سوريا.

وبدت احتمالات العودة إلى سوريا برا مستحيلة قبل الهجوم الموالي للحكومة في تموز على المنطقة الجنوبية الغربية التي كانت تسيطر عليها المعارضة سابقاً، والتي سمحت في نهاية المطاف للحكومة السورية باستعادة معبر نصيب الحدودي بين سوريا والأردن.

وأعيد فتح معبر نصيب لاحقا- لأول مرة منذ عام ٢٠١٥ - في تشرين الأول، وبدأت التجارة عبر الحدود في الانتعاش ببطء.

ومع ذلك، وبينما مهدت الاتفاقية الطريق أمام السيارات السورية للعبور من مصر إلى معبر نصيب الحدودي الشمالي، فإنها تجاهلت جزءا مهما من المعادلة: المرور الآمن للسائقين السوريين.

وقال محمد حسن، وهو سائق شاحنة سوري آخر يعيش في مصر منذ عام ٢٠١٤ "تواجه حوالي ٥٠٠ سيارة سورية مشكلة هنا لأن السائق سوري".

وبالنسبة لأشخاص مثله، يعملون في قطاع يتطلب، بحكم تعريفه، قدراً كبيراً من الحرية في التنقل عبر الحدود، كانت النتيجة الفورية لرفض تأشيرة العبور هي صعوبات اقتصادية شديدة.

وكونهم غير قادرين على إيصال سياراتهم الخاصة إلى سوريا، قال هو وسائقون آخرون إن العديد من مالكي السيارات لم يكن لديهم خيار سوى الدفع للسائقين المصريين لتوصيل الشاحنات عبر الحدود إلى سوريا.

وأضاف "يدفعون للمصريين ما لا يقل عن ١٥٠٠ دولار لقيادة السيارات عبر الحدود إلى سوريا ثم يعودون بالطائرة".

وقال العديد من السائقين السوريين لسوريا على طول، إن القوانين المصرية تمنع السيارات الأجنبية من البقاء أكثر من ١٤ يوماً في البلاد- رغم أن البعض يقول إنه قد مرّ عامان منذ أن تمكنوا من عبور البحر الأحمر للأردن. وبعد ذلك، يتم فرض غرامة قيمتها ١٠٠ دولار أسبوعياً- وهو مبلغ كبير في بلد لا يتجاوز فيه نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي السنوي أكثر من ٢٨٠٠ دولار.

شاحنات تعود لسوريين تصطف في نويبع، مصر في ٢٠ تشرين الأول. تصوير: أبو عمر.

وتهرب محمد عبد الحي، وهو سائق آخر قضى السنوات الثلاث الماضية في مصر، من الرسوم من خلال القيام برحلات متكررة وغير ضرورية إلى الحدود السودانية.

حيث قال "بعد سبعة أيام من مضي مدة ١٤ يوماً، تفرض مصر رسوماً قدرها  ١٠٠ دولار، وفي بعض الأحيان لا أتمكن من الذهاب إلى السودان، لذلك يجب أن أدفع ٤٠٠ دولار شهرياً إذا لم أقم بإخراج الشاحنة".

وتتم الخدمات عبر شركة الجسر العربي للملاحة، الحاصلة على تصريح كل من الحكومتين المصرية والأردنية، والتي تدير جميع وسائل النقل البحري بين العقبة ومجموعة صغيرة من الموانئ في مصر. من الناحية العملية، تعمل الشركة كبواب لجميع الأفراد الذين يستقلون وسائل النقل عبر خليج العقبة.

وصرح أمجد مسودة، مدير خدمات التأجير في شركة الجسر العربي للملاحة، لسوريا على طول بأن مسؤولية منح تأشيرات العبور والسماح للمواطنين السوريين بدخول الأراضي الأردنية تقع على عاتق وزارة الداخلية الأردنية.

وقال "عندما يتعلق الأمر بالمواطنين السوريين، تقوم الحكومة الأردنية بالتدقيق في أوراق جميع السائقين القادمين من مصر. وفي حال لم تكن أوراقهم مكتملة، سنواجه نحن المشاكل".

وقالت حنان خليل، المتحدثة باسم الوزارة الأردنية، إنها لا تستطيع التعليق على قضية سائقي الشاحنات السوريين العالقين في مصر. ومع ذلك، أضافت أن إجراءات الحصول على تأشيرة العبور لم تتغير بالنسبة للمركبات التجارية أو غير التجارية والسائقين القادمين من مصر.

وقالت "إذا أراد سوري في مصر دخول الأردن، فهو بحاجة إلى الحصول على التأشيرة من سفارتنا في القاهرة".

وفي منطقة خالية بالقرب من ميناء نويبع المصري، تصطف عشرات الشاحنات الكبيرة التي تحمل لوحات ترخيص سورية، وتشتت مالكيها- بعضهم يكسب قوت يومه في مصر أو السودان، وتخلى البعض الآخر عن سياراتهم وعادوا إلى بيوتهم في سوريا.

وباتت شاحنة عبد الحي، رمزاً للجمود والركود بعد أن كانت في يوم من الأيام مثالاً لحرية عبور الحدود والتنقل دون معوقات. فالرسوم التي تفرضها الحكومة المصرية تتراكم، لكنه يشعر أن لا خيار لديه سوى الاستمرار في الصمود، والأمل.

وقال "إذا وضعت السيارة جانباً وذهبت للعمل في وظيفة عادية، فبعد بضعة أشهر ستأتي الحكومة المصرية وتصادر السيارة إذا لم أدفع الضرائب".

وختم قائلا "الله يساعدنا، ماذا يجب أن نفعل؟"

 

ترجمة: سما محمد