خديجة عبّار وحياة الدبيس

 

عمان- أربعة أعوام من دراسة الحقوق في إحدى الجامعات الأردنية، انتهت بالشاب داود إلى العمل في أحد محال العصائر بمحافظة إربد، شمال الأردن. إذ لا يسمح القانون الأردني لداود، كما غيره من اللاجئين السوريين، بمزاولة المحاماة وأعمال في تخصصات من قبيل الطب والصيدلة والهندسة.

بعد لجوئه إلى الأردن قادماً من جنوب درعا، تأمل داود الحريري (30 عاماً) أنه قد يستطيع تجسيد أحلامه في مكان لجوئه، بعد أن سلُبت منه في سوريا بسبب الحرب. لكنه بعد تخرجه في الجامعة العام 2017، لم يكن أمامه إلا العمل بمجال لا يرغبه في سبيل تأمين قوت يومه، بحسب ما ذكر لـ"سوريا على طول".

مع ذلك، يتابع الحريري، بموازاة عمله، تعليمه لنيل درجة الماجستير في القانون، مستفيداً من "منحة "هويس" على أمل تحسين فرصي المستقبلية". 

قصة الحريري تنسحب على آلاف الطلبة السوريين المتخرجين من الجامعات خلال السنوات السابقة، كما الذين لا يزالون على مقاعد الدراسة، والذين يقدر عددهم بـ7207 طالب وطالبة، بحسب تصريح الناطق الرسمي باسم وزارة التعليم العالي، مهند الخطيب، لـ"سوريا على طول".

في المقابل، وحتى وقت قريب، بدا الصيدلاني مالك أسعد حظاً من الحريري بحكم نيله فرصة عمل ذات علاقة بتخصصه. إذ عمل فور تخرجه العام 2017 في مجال الدعاية الطبية. لكن مؤخراً وجهت له الشركة التي يعمل فيها إنذاراً لتصويب أوضاعه وفق قانون العمل الأردني، أو الفصل من وظيفته.

 قوانين العمل الوطنية أولاً

رغم أن قانون العمل الأردني ينص صراحة على عدم السماح لغير الأردنيين بالعمل في ما يعرف بـ"المهن المغلقة"، والتي تشمل المهن الطبية والهندسية والإدارية، عدا عن كثير من المهن الأخرى، فقد تفاجأ كثير جداً من الطلبة السوريين بهذا الوضع بعد أن قطعوا شوطاً من دراستهم، أو تخرجوا من جامعاتهم، بحسب ما قالوا لـ"سوريا على طول".

الحريري حاول التدرب في أحد مكاتب المحاماة، كون ذلك شرطاً لمزاولة المهنة في الأردن، كما التسجيل في نقابة المحامين، لكنه فوجئ بأن القانون لا يجيز ذلك. مشدداً على أنه لم يعلم بذلك عندما اختار التخصص.

ويوضح الناطق باسم وزارة العمل الأردنية، محمد الخطيب، سبب عدم السماح لغير الأردنيين، وضمنهم السوريين، بالعمل في المهن المغلقة، بحقيقة "صعوبة تأمين فرص عمل للخريجين الأردنيين". مضيفاً أنه "في مناطق نائية، وفي بعض الأحيان، إذا ثبت عدم وجود متقدم أردني [لوظيفة]، فإنه يتم تعيين سوري، وهي حالات استثنائية". 

وتظهر الأرقام الصادرة عن دائرة الإحصاءات العامة الأردنية، ارتفاع نسبة البطالة بين المواطنين الأردنيين خلال الربع الأول من العام 2019 إلى 19%، بزيادة مقدارها 0.6% عن الربع الأول من العام الماضي.

ورغم أن ملف اللاجئين تديره المفوضية السامية لشؤون اللاجئين وفق اتفاقيات ومعاهدات دولية، كما تشارك منظمات دولية ومحلية في دعم اللاجئين، إلا أن "أن سياسات العمل والتشغيل تتبع للبلد المضيف"، كما قال المستشار الإعلامي لمنظمة العمل الدولية في الأردن، حميد ناصير، لـ"سوريا على طول".

واضاف ناصير: "عمل اللاجئين السوريين في الأردن يتعلق بالحكومة الأردنية وقوانينها، ويتعلق ذلك بأولوية الشعب المستضيف بالحصول على وظائف شاغرة". لافتاً في الوقت ذاته إلى أن "الأردن قدّم تسهيلات لعمالة السوريين، لكن ضمن شروط ومهن معينة".

وكان تشغيل اللاجئين السوريين الحاصلين على شهادات جامعية أحد الملفات التي طرحت في "مؤتمر بروكسل الثالث لدعم مستقبل سوريا"، والذي نظمه الاتحاد الأوروبي في آذار/ مارس الماضي. إذ طرحت منظمات غير حكومية فكرة فرص فرص عمل للجامعيين السوريين في الأردن، لكن "الفكرة لم تلق نجاحاً" بحسب ما ذكر عضو "منصة تمكين" في الأردن، عاصم الزعبي، لـ"سوريا على طول". مفسراً بأن "أصحاب الشهادات الجامعية من الأردنيين عددهم أكبر من الفرص المتوفرة في القطاعين الحكومي والخاص في المملكة".

تعليمٌ للمستقبل المجهول

مالك تمكن من دراسة الصيدلة بفضل حصوله على منحة "دافي" الممولة من الحكومة الألمانية ومؤسستي "سعيد" و"الأصفري" في لندن، وتديرها المفوضية السامية لشؤون اللاجئين.

وقد استذكر كيف أنه خلال المقابلة الأولى مع أعضاء المنحة، وُجه إليه سؤال: ما الذي ستقدمه لسوريا في المستقبل، وهل لديك القدرة على الإفادة من خلال التخصص الذي ترغب في دراسته عبر المنحة؟ وهو سؤال تطرح الجهات المانحة على اللاجئين المتقدمين لمنح تعليمية.

السؤال الموجه للطلبة السوريين يشير إلى عدم ارتباط المنح التعليمية المتاحة أمامهم بمستقبل عملهم في بلدان لجوئهم، إذ لا تتدخل الجهات المانحة بسوق العمل في الأماكن المستهدفة، وتؤكد على الالتزام بقوانين العمل فيها.

وتذهب المهندسة ديما صبيح، وهي مساعد مدير منحة "EDU SYRIA" في الأردن، والممولة من الاتحاد الأوروبي، في حديثها لـ"سوريا على طول"، إلى أن "التعليم حاجة أساسية للإنسان، ومن هذا المنطلق فإن الهدف الأول للمنحة هو تأمين فرص تعليم للاجئين". مضيفاً أن "الهدف من تعليمهم هو إعدادهم لسوق العمل وليس تأمين فرص تشغيلية لهم،  كون العمل مسؤولية الخريج".

ورغم عدم اشتراط برامج تمويل التعليم عودة السوريين إلى بلادهم، إلا أن الفجوة بين التعليم وسوق العمل، وتقصّي الجهات المانحة عن دور طالبي الدعم في مستقبل سوريا، تعطي انطباعاً بأن الهدف من تلك البرامج رفد بلد أنهكته الحرب، كما هو حال سوريا، بكفاءات علمية تساهم في إعادة تأهيله مستقبلاً، إذ يرى مالك أن "مستقبل سوريا على قائمة أهداف الجهات المانحة".

فرصة التدريب المهني؟

في مواجهة تنامي البطالة بين الخريجين الجامعيين في الأردن بشكل عام؛ مواطنين وغير مواطنين، يبدو البديل المتاح في التشجيع على الالتحاق بالبرامج التدريبية المهنية. 

في هذا السياق، تطرح كلية لومينوس الجامعية التقنية (القدس سابقاً) مثل هكذا برامج، مخصصة منحاً للسوريين والأردنيين في مجالات تصميم الأزياء، والخياطة، والتجميل، والتكييف والتبريد، وتكنولوجيا المعلومات، وغيرها.

ويوقع المستفيدون من المنحة عقد التزام مدته 9 أشهر، يحصلون خلالها على تعليم نظري وتدريب عملي بحسب تخصصاتهم، مع إمكانية تشغيل المتفوقين منهم بعد انتهاء الفترة التدريبية، بحسب ما ذكر لـ"سوريا على طول" الطالب محمد ياسر الذي يدرس تخصص تكنولوجيا المعلومات في الكلية.

ويساهم التدريب المهني في خلق فرص عمل للسوريين مسموح لهم بمزاولتها بموجب قانون العمل الأردني. إذ شدد الناطق باسم وزارة العمل الأردنية أن "تسهيلات كثيرة تسمح للاجئين السوريين بالحصول على تصاريح عمل في المهن المفتوحة"، لافتاً إلى أنها غالباً ما تكون "في مجال الإنشاء والصناعة، التي يبدع السوريون فيها".

الحريري الذي يطرح وزملاؤه في الاجتماعات الدورية مع المانحين قضايا العمل ما بعد التعليم، يرى في التدريب المهني "بديلاً جيداً ومشجعاً لكثير من الطلبة". لكنه مع ذلك يعبر عن تخوفه من أن تكون وعود التشغيل تشجيعاً لاستقطاب الطلبة، وفي النهاية تكون نسب المستفيدين من التشغيل قليلة جداً".

 

تم إنجاز هذا التقرير ضمن مشروع مؤسسة سوريا على طول "ربط المجتمعات من خلال التشارك المهني" والذي ينفذ بالشراكة مع برنامج "دايركت إيد" التابع للسفارة الأسترالية في عمان.