عمان- رب أسرة في عقده الخامس، وشاب في الثلاثينات من عمره، وفتى لم يبلغ سن الرشد؛ كان القاسم المشترك بينهم هو الحياة في شمال غرب سوريا، قبل أن تجمعهم طريقة إنهائهم لهذه الحياة بالإقدام على الانتحار، لا يفصل بينهم سوى أيام. 

ففي 7 آب/أغسطس الحالي، فارق رامي مراد، البالغ من العمر 38 عاما، الحياة بعد نقله إلى أحد مستشفيات مدينة بنش في ريف إدلب الشرقي، إثر تناوله "فوسفيد الألمنيوم"، أو ما يعرف في إدلب بـ"حبة الغاز" السامة، بعد "عجزه عن تأمين مبلغ 300 دولار [648 ألف ليرة، بحسب سعر صرف السوق السوداء] كان قد استدانها من أحد الأشخاص قبل انخفاض قيمة الليرة، وعجزه أيضاً عن تغطية تكاليف معيشة عائلته المكونة من زوجته وأطفالهما الستة، إذ كان يبيع [خبز] المعروك الذي يجني منه ربحاً بسيطاً غير كاف"، بحسب ما قال محمد البني، أحد أصدقاء رامي، لـ "سوريا على طول". مضيفا أن "رامي كان في أيامه الأخيرة دائم الشرود والتفكير". 

قبل ذلك بأيام، أقدم الطفل حسين البرجس، 16 عاماً، من مدينة جرابلس بريف حلب، على الانتحار شنقا، في 1 آب/ أغسطس، بسبب ضغوطات نفسية عانى منها نتيجة انفصال والديه، كما أكدت مصادر من المدينة لـ"سوريا على طول". فيما كان قد سبقه إلى المصير نفسه وبالطريقة ذاتها الخمسيني إبراهيم المعروف، النازح من بلدة كفروما بريف إدلب إلى بلدة معارة الشلف بريف إدلب الجنوبي؛ إذ وجد وقد شنق نفسه قرب منزله في 22 تموز/يوليو الماضي، بعد معاناة طويلة من الفقر الشديد، بحسب أحد جيرانه، هيثم الآغا. موضحاً أن المعروف "كان يعمل بحفر الآبار وأعمال شاقة أخرى، ويعيل أسرة كبيرة من 10 أشخاص، وقد ساءت أوضاعه المعيشية مؤخراً بشكل كبير". 

ويلخص الضحايا الثلاث إلى حد كبير دوافع الانتحار في شمال غرب سوريا. إذ إن غالبية من حاولوا توجهوا لفعل الانتحار، كما قال الطبيب محمد ساطو، الطبيب النفسي الوحيد في محافظة إدلب، لـ"سوريا على طول"، قد فعلوا ذلك نتيجة "العوز المادي الذي ترافقه اضطرابات نفسية حادة، كما الضيق العاطفي الحاد وطول أمد الأزمات وتراكمها لحال أسوأ، وعدم القدرة على تأمين متطلبات الحياة في ظل ظروف نزوح وإقامة سيئة".

ورغم عدم وجود إحصاءات لعدد ضحايا الانتحار أو محاولات الانتحار في شمال غرب سوريا، كشف أحد الكوادر الطبية العاملة في إحدى عيادات مدينة إدلب النفسية، عن استقبال "عيادتنا وحدها 8 حالات لرجال حاولوا الانتحار" في شهر آب/أغسطس الحالي. لافتاً في حديثه لـ"سوريا على طول"، شريطة عدم الكشف عن هويته كونه غير مخول بالتصريح للإعلام، إلى أنه من خلال الحديث مع يحاولون الانتحار، "تلمس أنهم يفكرون في الانتحار وهم مطمئنون بأن كثيرين هنا يفكرون معهم بذلك، فيقدمون عليه بكامل الرضا، بعد انعدام رغبتهم في تحمل أعباء يوم آخر في هذه الحياة". 

 نصف مراجعي العيادات النفسية من الأطفال والنساء

رغم كون الاحتياجات الأساسية، من طعام ومسكن، تشكل جوهرة الاستجابة الخاصة بمتطلبات النازحين، فإن "الدعم النفسي" لا يفترض أن يقل أهمية عن تلك الاحتياجات، لاسيما مع ما قد تفرزه الأزمات من "اضطرابات الشدة، والتأقلم، والقلق المعمم، والهلع، والنوبات الذهانية الحادة، والاكتئاب الذي قد ينتهي بالانتحار"، بحسب ما لفت الدكتور ساطو.

وقد ارتفعت أعداد المراجعين للعيادات النفسية في شمال غرب سوريا في العام 2020 "بنسبة 4% مقارنة بالعام 2019 الذي شهد بدوره ارتفاعاً عن العام 2018 في أعداد المراجعين للعيادات النفسية"، بحسب ساطو.  موضحاً أنه استناداً إلى إحصاءات العيادات النفسية التابعة لاتحاد منظمات الإغاثة والرعاية الطبية (UOSSM)، فإن "عدد المرضى النفسيين في العام 2018 بلغ نحو 19,011 شخصاً، ذكوراً وإناثاً، بينهم 5.494 شخصاً استفادوا من داعمين نفسيين تم تدريبهم ضمن برنامج رأب الفجوة [التابع لمنظمة الصحة العالمية، والمخصص للبلدان ذات الدخل المتوسط والمنخفض، بهدف تعميم خدمات رعاية الاضطرابات النفسية والعصبية والإدمانية]. فيما ارتفع عدد المرضى العام 2019 إلى 27,255 شخصاً، بينهم 7,133 استفادوا من داعمي برنامج رأب الفجوة".

في السياق، واستناداً إلى عمله في قطاع الطب النفسي، يقدّر بيرم جمعة، مشرف الصحة النفسية ضمن برامج منظمة الصحة العالمية في عيادة مدينة إدلب النفسية التخصصية، بأن "نصف المراجعين تقريباً هم من الأطفال والنساء". لافتاً في تصريح لـ"سوريا على طول" إلى أنه إلى جانب ما شهدته مناطق شمال غرب سوريا من قصف وعمليات عسكرية، فإن "هناك أسباباً أخرى لدى الأطفال، من قبيل انفصال الأبوين وغياب رعاية الأمومة".

احتياجات تفوق الإمكانات

قبل العام 2011، لم يكن في سوريا سوى 70 طبيباً نفسياً وعدد محدود من الأخصائيين النفسيين، بحسب منظمة الصحة العالمية. وفيما تزداد الحاجة إلى هذا التخصص نتيجة الحرب، فقد "انخفض عدد الأطباء إلى 35 طبيباً فقط"، بحسب ساطو. أما "في شمال غرب سوريا، حيث يعيش نحو أربعة ملايين شخص، فلا يتوفر سوى طبيب مختص وحيد، ما يعني وجود فجوة كبيرة ونقص في الخدمات المتوفرة في مجال الصحة النفسية".

ويمتد هذا النقص الحاد إلى المنشآت الطبية. فوحدة الأمراض النفسية والعقلية في مدينة سرمدا بريف إدلب الشمالي، والتي افتتحت في نيسان/أبريل 2018، هي المركز العلاجي الوحيد في شمال غرب سوريا "الذي يهتم بمعالجة الأمراض النفسية الحادة، كالنوبات الذهانية الحادة، والاضطراب الاكتئابي الشديد مع خطورات انتحارية، والاضطراب ثنائي القطب (هجمة هوسية حادة)، والاضطرابات السلوكية الشديدة المرتبطة بالاضطرابات العقلية والنفسية، والأعراض الانتكاسية للاضطرابات الذهانية المزمنة"، وفقاً لساطو. وهو علاوة على ذلك مركز "غير مخصص للتعامل مع الأمراض العقلية المزمنة. فإنشاء وحدة مختصة بهذه الأمراض يحتاج مبالغ ضخمة جداً لتغطية الأنشطة والأجهزة الكهربائية المستخدمة في العلاج، وإيجاد كوادر مدربة ومتخصصة. لذا فإن ذوي هؤلاء المرضى يحاولون نقلهم للعلاج في تركيا".

وتقدم الوحدة النفسية في سرمدا العلاجات الدوائية والنفسية للمرضى ضمن برامج معينة، كما "تعتبر نقطة لإحالة المرضى الذين يعانون من اضطرابات نفسية، من كل مراكز الرعاية الصحية الأولية في إدلب"، كما قال علاء العلي، أحد الكوادر العاملة في وحدة سرمدا. مضيفاً أن "كادر المركز هو طبيب مختص، ومعاون له، وداعمين نفسيين وممرضين. كلٌ مسؤول عن مرحلة من البرنامج العلاجي للمريض. فالطبيب يتابعه دوائياً، والداعم النفسي يتابع جلسات الدعم النفسي والأنشطة المتنوعة ومقاييس التحسن، أما الممرضون فيتابعون إعطاء المرضى الأدوية المحددة لهم من قبل الطبيب".

وتبلغ القدرة الاستيعابية لوحدة الصحة النفسية والعقلية في سرمدا، كما قال الطبيب ساطو "عشرين سريراً، تتوزع بين جناح للذكور وآخر للإناث". وهي وحدة "مخصصة للبالغين فقط، مع بعض الحالات الخاصة من سن 16 إلى 18 عاماً". ونظرا لعدم إمكانية استيعاب أكثر من 20 مريضاً، فإنه يتم، كما أوضح ساطو "إبقاء المريض مدة 15 إلى 20 يوماً فقط ضمن الوحدة إلى حين تحسن حالته، ومن ثم يتم تخريجه وإدخال مريض آخر، بهدف تقديم الخدمات الصحية النفسية لأكبر عدد من المرضى". 

في المقابل، "تقدم العيادة الخارجية العلاج والاستشارات الطبية النفسية لنحو 150 إلى 200 مريض شهرياً"، كما "تغطي أربع عيادات متنقلة 300 مريض في معظم مناطق إدلب"، بحسب ساطو.

 

وعدا عن نقص المراكز الطبية النفسية وإمكاناتها، فإن العاملين في هذا القطاع يعجزون عن تقديم أولى خطوات العلاج النفسي وأهمها، والتي تتمثل في "نقل المريض إلى مكان آمن"، كما لفت ساطو.

الاستجابة النفسية

يتلقى قطاع الطب النفسي في شمال غرب سوريا دعماً من ثلاث منظمات، بحسب مشرف الصحة النفسية بيرم جمعة، هي منظمة "يداً بيد" (hand in hand) المكلفة من منظمة الصحة العالمية بالإشراف على عيادتي الطب النفسي التابعتين لها في في مدينة إدلب وبلدة كفريحمول بريف إدلب، واتحاد منظمات الإغاثة والرعاية الطبية الذي يدعم ثلاث عيادات نفسية متخصصة، اثنتين ثابتتين في مدينة حارم، بريف إدلب الشمالي الغربي، ومخيم الكرامة بقرية قاح في ريف إدلب الشمالي، وثالثة متنقلة تجوب بلدات إدلب وريفها، بالإضافة إلى وحدة الصحة النفسية والعقلية في مدينة سرمدا، والتي تحتوي على عيادتين داخلية وخارجية. كماك تشرف جمعية الإغاثة الطبية العربية (MRFS) على عيادة نفسية متخصصة في مخيم أطمة على الحدود التركية.

إلى جانب ذلك، تنتشر في إدلب عيادات نفسية ضمن مراكز رعاية صحية أولية، ويقتصر عملها على الدعم النفسي والاجتماعي، بحسب جمعة. 

ويبدأ المريض مشواره بتلقي الدعم في مراكز الدعم النفسي والاجتماعي، كما شرح جمعة. و"إذا وجدت الكوادر في تلك المراكز أن المراجع يعاني من مرض نفسي، يتم تحويله إلى العيادات المتخصصة، حيث نقوم بدورنا بتشخيص حالته، ونوع العلاج الذي يحتاجه"، بحيث يقتصر "وصف الدواء للمريض على الطبيب محمد ساطو فقط".

كذلك، تصل حالات لمراجعين "يحولها أطباء الأعصاب إلينا، في حالّ رجّحوا أن حالة المريض سببها نفسي وليس عضوياً. كما تأتينا بعض الحالات من السجون"، كما كشف جمعة. أما "وحدة الصحة النفسية والعقلية في سرمدا، فلا يتم تحويل المريض إليها إلا عندما تكون حالته المرضية متقدمة، ويشكل خطراً على العائلة والمجتمع".

وفيما يخص المرضى الذين حاولوا الانتحار، أكد الطبيب ساطو أنه "يتم التعامل مع تلك الحالات بجدية كبيرة، إذ تخضع لبرامج الدعم النفسي في العيادات وتحتاج منا متابعة أكثر". مشيرا إلى أن "هناك كثيراً ممن يعانون اضطرابات نفسية حادة لا يعلمون بمشكلتهم، ولذلك من النادر أن يأتوا لطلب العلاج، ما لم يتم إعلامنا من قبل محيطهم. لذلك نجد العديد من الحالات التي توجهت للانتحار قبل أن نصل إليها للأسف".

لا وصمة عار

سرعان ما انقضت فرحة أبو محمد بخروجه من سجون النظام السوري العام 2017، بعد أربعة أعوام قضاها هناك، تعرض خلالها لصنوف التعذيب الجسدي والنفسي. إذ فور وصوله إلى مدينة كفرنبل في ريف إدلب الجنوبي، صدم  بنبأ مقتل عائلته بأكملها في قصف للقوات الحكومية على المدينة قبل عام من خروجه.

وكان قد أطلق سراح أبو محمد (40 عاماً) بصفقة تبادل للأسرى بين دمشق وفصائل المعارضة في إدلب، كما قال شقيقه يوسف لـ"سوريا على طول". مضيفاً: "في لحظة اللقاء الأولى انتابني شعور متناقض بين الفرح بإطلاق سراحه، والحزن عليه لفقدان عائلته التي كان يظنّ أنها ستكون في استقباله". ومنذ سماعه بالفاجعة "يعاني من اضطرابات نفسية وصحية حادة".

مع افتتاح أول مركز استشفاء للأمراض العقلية والنفسية، في نيسان/أبريل 2018، بمدينة سرمدا، كان أبو محمد من أول المراجعين، بحسب شقيقه يوسف، حيث تم تشخيص حالته "باضطراب اكتئابي شديد مرتبط بميول انتحارية. وبدأ منذ ذلك الوقت بالعلاج. وقد تحسنت حالته وتم إخراجه في العام نفسه". 

في تلك الفترة، كان الإقبال على المركز ضعيفاً، رغم ارتفاع أعداد المرضى النفسيين، نتيجة "عدم تقبل أهالي إدلب لهذا النوع من المراكز، بحكم الصورة النمطية لمراجعي مثل هذه الأقسام على أنهم فاقدي الأهلية"، وفقاً لساطو.

للتغلب على هذه المشكلة، تعمّدت منظمة الصحة العالمية،  قبل افتتاح مركز سرمدا، "وضع العيادة النفسية إلى جانب بقية العيادات في المراكز الصحية، لتوصل للناس فكرة أن الاضطرابات النفسية كغيرها من الأمراض، ولا حرج في الدخول إلى العيادة المختصة بهذا الشأن"، وفق جمعة. مؤكداً انه اليوم "يأتي المستفيد بابنه أو زوجته المريضة للعلاج في العيادات دون خجل".

وعلى أهمية وجود مراكز للعلاج النفسي، والتي استفاد منها أبو محمد، فالأهم بالنسبة لشقيقه يوسف اليوم "ارتفاع نسبة الوعي في المجتمع للمرضى النفسيين. فليس كل من راجع العيادة النفسية مجنون، وإلا كنا كلّنا مجانين"، بحسب وصفه، لأن "الجميع [في إدلب] يعاني اضطرابات نفسية".