عمان- يبدو منافياً للمنطق استذكار بعض سكان الغوطة الشرقية، بريف دمشق، سنوات الحصار الذي فرضه النظام السوري على المنطقة بين العامين 2013 و2018، عندما كانت تحت سيطرة فصائل المعارضة السورية، بشيء من حنين، مع تمنّي عودتها. لكن "باستثناء القصف، كانت الأوضاع الأمنية والاقتصادية، على سوئها آنذاك، أفضل من هذه الأيام" كما قالت هدى الشامي لـ"سوريا على طول".

فالشابة ذات الثلاثة والعشرين عاماً، والمعلمة في إحدى مدارس مدينة عربين في الغوطة الشرقية، هي المعيل الوحيد، في ظل "عجز والدي عن العمل، وخروج اثنين من إخوتي الشباب اللذين كانا يؤمنا مصدر دخل العائلة إلى الشمال السوري". ويفاقم عجز الشامي عن تأمين الاحتياجات الأساسية لعائلة مكونة من أربعة أفراد، كما أشارت، "غياب المنظمات والجمعيات الإغاثية التي كانت تحمل عنا جزءاً من الاحتياجات"، أما "ما بقي منها اليوم فيعدّ على أصابع اليد الواحدة، وهي تستهدف الأرامل والأيتام فقط".

وتتقاضى الشامي راتباً شهرياً مقداره 45,000 ليرة سورية (18 دولاراً أميركياً، بحسب سعر الصرف في السوق السوداء المقدر بحوالي 2,500 ليرة للدولار)، يشمل علاوة حصلت عليها في كانون الثاني/يناير الماضي، مقدارها 20,000 ليرة (8 دولارات)، بموجب مرسوم تشريعي كان أصدره بشار الأسد بهذه العلاوة للعاملين المدنيين والعسكريين ضمن مؤسسات النظام.

وقد أدى "الهبوط الكبير والمستمر في سعر صرف الليرة السورية وغياب التدابير الاقتصادية الحكومية لتخفيف الأعباء على المواطنين، إلى تعميق عجزنا"، كما قال ناصر محمد لـ"سوريا على طول". إذ إن "مزيداً من الأصناف الأساسية صارت خارج اهتماماتنا، من قبيل اللحوم وأصناف من الفواكه غير المزروعة في الغوطة". مستذكراً المشهد ذاته في سنوات حصار النظام للغوطة، حين كانت "اللحوم وأصناف من الفواكه والخضروات، وحتى الخبز، أكبر من إمكاناتنا".

"بورصة أسعار"

سيطرت القوات الحكومية على الغوطة الشرقية في ربيع 2018. ومن ثم، لم يكن ناصر محمد (40 عاماً) يتوقع أن يعيش أياماً كأيام حصار المنطقة، من حيث غلاء أسعار المواد الأساسية، بشكل يومي أحياناً، في مدينته دوما. إذ يبلغ سعر ربطة الخبز في الأفران ومراكز التوزيع المعتمدة من الحكومة 50 ليرة (0.02 دولار)، لكن "مع ازدحام الناس وصعوبة الحصول على الخبز"، كما شرح لـ"سوريا على طول"، فإنه يضطر "إلى شراء الربطة من السوق [الحر غير المدعوم] بأربعة أضعاف سعرها". هذا فيما يبلغ سعر ربطة ما يسمى "الخبز السياحي" 1,000 ليرة (0.4 دولار)، و"هذا الصنف محرّم علينا" بحسب تعبير محمد.

كذلك، فرغم انتهاء العمليات العسكرية بسيطرة دمشق على المنطقة، فقد "برز تجار الحرب مجدداً" بحسب محمد. واصفاً حالة السوق بـ"الدمار الشامل. إذ التجار، وبعضهم عاش معنا الحصار الماضي، يتبعون السياسة نفسها [إبان ذاك الحصار]، مضاعفة أسعار السلع، وترك الناس ضحية". 

ورغم استيائه وتخوفه من قانون العقوبات الأميركي للمتعاملين مع النظام السوري "قيصر"، اعتبر محمد أن "الحكومة والتجار فرضوا علينا "قيصر" قبل أن تفرضه أميركا نفسها". فمع أن تداول الدولار الأميركي في مناطق سيطرة النظام أو الاستناد إلى سعر صرفه في السوق السوداء لتسعير المواد الأساسية مخالفة تعرض صاحبها للمساءلة القانونية، فإن "تحديد الأسعار يتم استناداً إلى سعر الصرف اليومي" بحسب محمد.

في الوقت ذاته، فإن محمد الذي يعمل موظفاً في محل لبيع الألبسة، مقابل 60,000 ليرة شهرياً، لم يحصل، كما كثير جداً من السوريين، على أي زيادات أو علاوات من صاحب عمله منذ مطلع العام 2019، حين كان أجره الشهري السابق يعادل نحو 120 دولاراً، فيما يعادل الآن 24 دولاراً. ولأن تسعير السلع، لاسيما المستوردة منها، يتم استناداً إلى قيمة الدولار "أحصل على راتبي بالليرة السورية، ولكن أشتري بما يتناسب مع قيمة الدولار، أي أضعاف السعر الأصلي".

وإذ تتفق الشامي مع محمد في كون سكان الغوطة الشرقية ضحية تدهور سعر صرف الليرة وتلاعب التجار بالأسواق، يشدد التاجر محمد عمران لـ"سوريا على طول" على أن "كبار المستوردين من التجار هم من يتحكم بسعر السوق"، وبحيث يكون "صغار التجار هم ضحية استغلال" هؤلاء. 

وأضاف عمران، الذي يعمل تاجر مواد تموينية: "نشتري الصنف بـ1,500 ليرة [0.6 دولار] ونبيعه بـ1,800 ليرة [0.72 دولار]. لكن في اليوم نفسه نطلب من التاجر الصنف، فنجده بـ2,200 ليرة [0.88 دولار]. مضيفاً بنبرة متهكمة: "بورصة أسعار المواد الغذائية لليوم [السبت]: كيلو السكر 1,400 ليرة [0.56 دولار]، كيلو السمنة 4,200 ليرة [1.68 دولار]، كيلو الرز 1,500 ليرة [0.60 دولار]". 

لكن رغم تأثر أسعار المواد الغذائية بسعر صرف الليرة مقابل الدولار، فإنها تبقى أقل تأثراً من أصناف أخرى، كما لفت تاجر مواد بناء في الغوطة لـ"سوريا على طول". كما إن هبوط وتذبذب سعر صرف الليرة "دفع التجار في دمشق إلى تسعير بضاعتهم بالدولار الأميركي. بحيث يخبرك [احدهم] مشافهة بقيمة السلعة بالدولار، وتدفع قيمتها بالليرة السورية بحسب سعر الصرف في السوق السوداء".

استقرار زائف وإعمار مؤجل

خلال قرابة عامين امتدا منذ سيطرة القوات الحكومية على الغوطة الشرقية، في آذار/مارس 2018، وحتى بدء الانهيار المتسارع لقيمة الليرة منذ بداية العام الحالي، عاش السكان على أمل تسوية أوضاعهم الأمنية واستقرار حياتهم، كما إعادة إعمار منطقتهم التي تعدّ واحدة من أكثر المناطق دماراً في سوريا.

إذ بحسب دراسة نشرها معهد الأمم المتحدة للبحث والتدريب (UNITAR)، في آذار/مارس 2019، بلغ عدد المباني المدمرة كلياً في الغوطة الشرقية 9,353 مبنى. فيما بلغ عدد المباني المدمرة بشكل جسيم 13,661 مبنى، أما المدمرة جزئياً 11,122 مبنى.

ورغم أن الغوطة الشرقية تشهد هدوءاً نسبياً من حيث الأعمال العسكرية وعمليات الاغتيالات والخطف مقارنة بما يجري في محافظة درعا جنوب سوريا، تظل هناك ثمة تحديات أمنية تتمثل خصوصاً في ما يواجهه شباب المنطقة من ملاحقات أمنية، لدرجة أن "بعضهم لم يغادر الغوطة الشرقية إلى دمشق التي تقع على بعد كيلومترات منذ سيطرة الحكومة، خوفاً من الاعتقال"، كما قال مصدر مدني من دوما لـ"سوريا على طول". موضحاً أن "عمليات الاعتقال لأسباب أمنية أو لأغراض التجنيد لم تتوقف منذ سيطرة النظام على الغوطة، لكنها تنشط على الحواجز أو خارج الغوطة". وبحسب "شبكة صوت العاصمة"، وهي وسيلة إعلام محلية، اعتقل النظام في حزيران/ يونيو الحالي فقط ومن مدينة دوما وحدها، نحو 112 شخصاً بهدف التجنيد الإجباري. 

ووفقاً للمصدر، فإن "الاعتقال يطال بشكل خاص العاملين أو الناشطين في المجال الإنساني [قبل سيطرة القوات الحكومية]، ما دفع عدداً من شباب الغوطة إلى الخروج عبر طرق التهريب إلى الشمال"، من بينهم شقيقه الذي "خرج قبل ستة أشهر بعد تكرار احتجازه لغايات التحقيق، بهدف الضغط عليه ودفع رشاوى مقابل إخلاء سبيله" كما ذكر.

من ناحية أخرى، ما تزال مدن وبلدات الغوطة الشرقية تعاني نقصاً في الخدمات. إذ رغم وعود النظام السوري بتأهيل البنى التحتية فيها، ما تزال الخدمات بحدّها الأدنى. إذ "تغذي الحكومة مدينة دوما بالتيار الكهربائي، لكن نظراً لسوء الخدمة وعدم وصولها لأحياء المدينة كاملة، ما يزال الأهالي يعتمدون على المولدات الكهربائية (الأمبيرات)"، تماماً كما هي الحال بشأن عربين، وفق ما عبر عنه أحد سكان الأخيرة في منشور على "فيسبوك" مؤخراً.

أما الآن، فقد أصبح إعادة ترميم وتأهيل الغوطة أكثر بعداً مع دخول قانون قيصر حيز النفاذ، والذي "أدى إلى شلل في حركة الترميم والبناء الفردية للأهالي نتيجة ارتفاع أسعار مواد البناء مقابل تباطؤ سوق العقار"، بحسب ما قال تاجر مواد البناء لـ"سوريا على طول".

مضيفاً أن "استمرار تدهور الأوضاع المعيشية وعجز الناس عن تلبية احتياجاتها [الأساسية] قد يؤديان إلى زيادة حركة بيع العقار، لكنه بيع من أجل تأمين الطعام والشراب، كما حصل في السنوات الماضية [خلال الحصار]".

 

*حرصاً على سلامة المصادر المذكورين في التقرير، تم استبدال اسمائهم الحقيقية بأخرى مستعارة.