عمان- مع ما أظهره من ارتياح وتقدير لتدابير الحكومة الأردنية الصارمة لمواجهة فيروس كورونا المستجد، بما في ذلك فرض حظر تجول، بشكل جزئي على الأغلب، منذ 16 آذار/مارس الماضي، اعتبر محمد أبو حسان، اللاجئ إلى الأردن من محافظة درعا جنوب سوريا، أن هذا أدى في الوقت نفسه إلى مفاقمة الصعوبات المعيشية التي يواجهها بشكل غير مسبوق منذ لجوئه، بحيث صار عاجزاً عن "تأمين ثمن الخبز" لعائلته، كما قال لـ"سوريا على طول".

وتُظهر السياسات الأردنية نجاحاً في منع تفشي الوباء، من خلال تسجيل 389 إصابة حتى مساء اليوم الأحد، تعافت من بينها 201 حالة، بحسب تصريح لوزير الصحة الأردني،  فيما لم تسجل أي إصابة في صفوف اللاجئين السوريين. إلا أن التدابير الوقائية تنطوي على تأثير سلبي على "عائلات اللاجئين وكذلك المجتمع المحلي الأردني المضيف"، كما لفتت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، لا سيما "مع اعتماد العديد من اللاجئين على الاقتصاد غير الرسمي في العمل".

فرغم أن الظروف الاستثنائية التي يعيشها الأردن نتيجة أزمة "كورونا" وتداعياتها الاقتصادية قد طالت المواطنين الأردنيين واللاجئين السوريين على حد سواء، فحقيقة أن "79% من اللاجئين السوريين في الأردن يعيشون تحت خط الفقر، بأقل من 3 دولارات أميركية في اليوم"، بحسب أرقام شاركتها المفوضية مع صحافيين مؤخراً، تكشف تأثيراً مضاعفاً لـ"الوباء العالمي" على هؤلاء اللاجئين.

انقطاع للدخل قد يكون دائماً

قبل أيام، اضطر أبو حسان، البالغ 60 عاماً، والمقيم حالياً شرق عمان، إلى السير بضع كيلومترات على قدميه لاستدانة "مبلغ صغير من أحد الأصدقاء، وهو لاجئ أيضاً"، كما قال، "بعد أن نفد كل ما معي من مال بما في ذلك قيمة المساعدات الغذائية المخصصة من المفوضية".

أبو حسان، الذي يعيش مع زوجته وابنتيه، لا يتقاضى راتباً شهرياً لقاء عمله في مجال الصيانة العامة، كونه يعمل وفق نظام "المياومة"، أي يتقاضى أجرته بشكل يومي. ولذلك، فإن "عطلتي خلال فترة الحظر هي من دون راتب أو تعويض من الجهة التي أعمل بها. كما لا أحصل على أي مساعدات مالية من المفوضية، باستثناء مساعدات غذائية قيمتها 60 ديناراً شهرياً [84 دولاراً أميركيا]". وبحيث يقف أبو حسان عاجزاً حالياً عن تأمين "أجرة بيتي التي تبلغ 200 دينار [281 دولاراً]"، لاسيما وأنه "في هذه الظروف حتى من حولي يعجزون عن مساعدتي، لأن الوضع صعب على الجميع".

وقد امتدت التداعيات الاقتصادية في حالة عمال المياومة حتى إلى المتطوعين في المنظمات الدولية الناشطة في الأردن، كما كشف لـ"سوريا على طول" متطوع سوري في إحدى هذه المنظمات، طالباً عدم الكشف عن اسمه واسم المنظمة. إذ لم تدفع المنظمات "أي تعويض للاجئين العاملين بنظام المياومة"، وفقاً له، و"لم يصدر عنها أي قرار بخصوص تعويضنا في هذه الظروف".

لكن انقطاع الدخل لا يقتصر على اللاجئين العاملين بنظام المياومة. إذ يعمل محمد بشير (40 عاماً)، اللاجئ من محافظة ريف دمشق ظروفاً صعبة مشابهة بعد أن مضى على تعطله عن العمل في أحد محال مواد البناء في محافظة إربد شمال الأردن، "نحو 25 يوماً، وهي عطلة غير مدفوعة"، كما قال لـ"سوريا على طول". 

وفيما عبر بشير عن تقديره لظروف صاحب العمل "الذي يعاني أيضاً من انقطاع مورده المالي في هذه العطلة"، فإنه لفت إلى عدم إمكانية استفادته "من أي إجراء حكومي لدعم العمال"، خصوصاً وأنه لا يملك تصريح عمل. 

وكانت وزارة العمل الأردنية حذرت أصحاب العمل من تسريح أو فصل العمال خلال أزمة "كورونا"،  باستثناء ما نصت عليه المادة (28) من قانون العمل، والمتعلقة بالطرد المشروع، من قبيل عدم القيام بواجبات العمل، أو مخالفة النظام الداخلي، أو إفشاء أسرار العمل، أو التغيب من دون سبب مشروع. لكن عمل شريحة واسعة من اللاجئين السوريين من دون تصاريح عمل من شأنه حرمانهم من القرارات الحكومية المتعلقة بحماية حقوق العمال. إذ من أصل 298,501 لاجئ سوري في سن العمل مسجلين لدى المفوضية، بلغ عدد الحاصلين منهم على تصاريح عمل حتى نهاية العام 2019 نحو 176,920 لاجئاً فقط.

كذلك، قدر مصدر من مكتب منظمة العمل الدولية في عمان، تحدث إلى "سوريا على طول" شريطة عدم الكشف عن اسمه لأنه غير مخول للتحدث إلى وسائل الإعلام، وجود "1500 عامل من مخيم الزعتري، و300 عامل من مخيم الأزرق، توقفوا عن العمل كلياً منذ إعلان حظر [التجول]". مضيفاً أن "القطاع الصناعي أكثر المتضررين، فيما كان القطاع الزراعي أقل تضرراً"، وبحيث يسمح للاجئين العاملين في الأخير "ويقيمون بالقرب من المزارع التي يعملون فيها بمواصلة عملهم، مع التقيد بإجراءات السلامة".

الاستجابة لدعم اللاجئين

برأي بشير، فإن "البدائل بالنسبة للاجئين السوريين في هذه الظروف الاستثنائية تقع على عاتق المنظمات الدولية". إلا أن عدد المستفيدين من المعونات المالية الشهرية التي تقدمها المفوضية السامية، لم يتجاوز 30 ألف عائلة سورية، أو ما مجموعه 120 ألف لاجئ، من أصل 657 ألف لاجئ مسجلين لدى المفوضية، بحسب ما أعلنته الأخيرة للصحافيين عشية تفشي وباء "كورونا"،

وقد أطلقت المفوضية، في 31/مارس الماضي، مناشدة للحصول على تمويل بقيمة 27 مليون دولار للمساعدة في منع انتشار فيروس كورونا في الأردن، كجزء من مناشدة عالمية بقيمة 255 مليون دولار لدعم تدابير التأهب والاستجابة بشكل عاجل للاجئين والمهجرين قسراً.

وفيما تم "صرف المساعدات الغذائية المقدمة من برنامج الأغذية العالمي قبل موعدها"، بحسب بشير، فلا يبدو من الممكن "للاجئين السوريين المتضررين من التعطل عن العمل الخروج من الأزمة، ما لم تخصص المفوضية مساعدات مالية للاجئين، مثل المساعدات الشتوية التي تخصصها المفوضية لهم بداية مواسم الشتاء، وتصرف عبر الصرافات الآلية [للبنوك المعتمدة من المفوضية]".

في هذا السياق، أكد الناطق باسم المفوضية السامية في الأردن، محمد الحواري، أن "المفوضية تراعي الظرف الحالي بكل جوانبه، وأهمها الوضع الاقتصادي للاجئين". مبيناً في تصريح لـ"سوريا على طول"، أنه "من هذا المنطلق بدأنا بصرف المساعدات المالية لشهري نيسان وأيار مجتمعين حتى تشكل دعماً كافياً للاجئين في هذه المرحلة". مضيفاً أنه "يسمح للاجئين الذين تصلهم رسالة من المفوضية التوجه إلى الصراف لسحب مخصصاتهم مع مراعاة المسافة الكافية للأمان"، كما بادر بنك القاهرة-عمان إلى توفير "سيارات متنقلة للصراف الآلي في الأحياء البعيدة عن أفرعهم لتسهيل عملية الوصول".

وفيما يخص متابعة القضايا المتعلقة بعمل اللاجئين السوريين في الأردن، أشار الحواري إلى "وجود خط ساخن، ومساندة قانونية من شركاء المفوضية في المجال القانوني والحقوق العمالية"، مع إمكانية "التدخل القانوني إن لزم الأمر".

من جانبها، عمد مكتب منظمة العمل الدولية في الأردن إلى "نشر استبيان عبر مواقع التواصل الاجتماعي الرسمية للمنظمة، لحصر عدد المتضررين وتقصي أوضاعهم، بهدف رفع توصيات إلى الجهات المعنية لإيجاد حلول تخفف الضرر عن العمال"، كما قال المصدر في المنظمة، علماً أنه "لا يوجد لدى المنظمة صندوق مالي أو برنامج استجابة عاجل لدعم المتضررين".

ومع أهمية صرف المساعدات المخصصة من المفوضية للاجئين قبل موعدها، فإن ذلك قد يتسبب لهم بأزمة أكبر في المستقبل القريب جداً، ما لم تتبع ذلك إجراءات مساعدة أخرى. إذ إن "استخدامنا للمساعدات المخصصة لنا قبل موعدها"، كما لفت بشير، "يعني أننا سنبقى في الأشهر المقبلة بلا مساعدات".