عمان- بحكم إتقانه اللهجة المحلية، بما يفترض أن يحميه ولو قليلاً من تبعات اللجوء إلى لبنان، كان على علي الحمصي الاستماع بذهول لاعتراف ما كان ليسمعه لو حافظ على لهجته السورية.

وكما روى الحمصي (35 عاماً)، والذي وصل إلى لبنان قبل ثماني سنوات قادماً من مدينة القصير بمحافظة حمص، فقد كان يتبادل أطراف الحديث مع جاره في بلدة دير الأحمر، قضاء بعلبك، باللهجة اللبنانية، حين قطع طفل لا يتجاوز العاشرة من عمره حديثهما، قائلاً: "عمو.. حرقنا خيامهم ورح نطلعهم [سنخرجهم] من الضيعة".

حديث الطفل الذي بدا سعيداً بما شاهد، بحسب وصف الحمصي لـ"سوريا على طول"، كان لما حصل عقب مشاجرة في مخيم "كاريتاس" بين لبنانيين وسوريين، في حزيران/ يونيو الماضي، انتهت بإجلاء اللاجئين السوريين إلى قطعة أرض نائية، تم استئجارها على أطراف بلدة "مقنة".

وإذ استدرك الحمصي بأنه "لا يُمكن أن تعمم قصة الطفل، لا سيما أنه قد لا يدرك ما يقول"، إلا أنها تظل برأيه "مؤشراً على تلوث المجتمع، بكل أطيافه وعلى جميع الصعد، بداء العنصرية،"، معتبراً أن العام 2019 كان "نقطة فارقة في تصاعد الخطاب التحريضي ضد اللاجئين، والمطالبة بطردهم إلى بلادهم".

إذ يشهد لبنان عمليات أمنية شبه يومية تطال لاجئين سوريين بتهمة "الدخول خلسة" إلى الأراضي اللبنانية، أو عدم حيازتهم أوراقاً ثبوتية، بحسب ما تنشر الوكالة الوطنية (الرسمية) للإعلام بشكل متواصل. وتشير أرقام غير معلنة رسمياً إلى وجود أكثر من 100 ألف عامل أجنبي في لبنان مهددين بالملاحقة، 70 ألفاً منهم سوريين.

معاناة واحدة.. في المدن والمخيمات

معاناة اللاجئين لا تقتصر على قاطني المخيمات الذين يبدون هدفاً دائماً لحملات الجيش والقوى الأمنية اللبنانية. إذ لم تعد الحياة ممكنة إلى حد بعيد في المدن للاجئين السوريين. فعدا عن غلاء المعيشة مع عدم توفر وظائف أو حرمان السوريين من العمل فيها، هناك رسوم الخدمات المرتفعة التي يعاني منها اللبنانيون أيضاً. وترافق كل ذلك مع تصعيد الحكومة اللبنانية مؤخراً حملتها ضد "العمالة الأجنبية" التي تركزت على اللاجئين السوريين والفلسطينيين.

وفي حديث لـ"سوريا على طول"، أوضح ناشط سوري في مجال حقوق الإنسان، مقيم في لبنان، مخاوف اللاجئين في المدن الرئيسة، بأنها تتمثل في "غلاء الإيجارات، وسياسات قانون العمل الجديدة التي تحدّ من قدرة اللاجئين على العمل، [عدا عن] الحساسية التي تخلقها السياسات الأخيرة [ضد العمالة الأجنبية] بين اللاجئين وأبناء المجتمع المضيف".

بالنتيجة، فإن السوريين على كامل الأرض اللبنانية -والمقدر عددهم، بحسب آخر إحصاءات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، بنحو 929 ألف لاجئ- يتعرضون لحملات أمنية وإعلامية تهدد وجودهم، برأي الإعلامي أحمد القصير في حديث لـ"سوريا على طول" من مكان إقامته في مدينة طرابلس اللبنانية. موضحاً أنه إذا "تمثلت معاناة اللاجئين في المخيمات بهدمها، وترحيلهم منها، فإن حملات التدقيق الأمني بخصوص العمل والإقامة تهدد باقي اللاجئين في المدن الرئيسة".

تسوية أوضاع أم ترحيل قسري

يظل القاسم المشترك بين جميع السوريين الموجودين في لبنان والمعارضين للنظام في دمشق، هو صعوبة حصولهم على إقامة قانونية أو الاحتفاظ بها وتجديدها، ما أدى إلى إقصائهم للعيش على هوامش المجتمع.

وفيما أعلنت المديرية العامة للأمن العام اللبناني عن "آلية تسوية أوضاع الرعايا السوريين المخالفين"، ضمن مدة تستمر لثلاثة أشهر بدءاً من تموز/ يوليو الحالي، فإن هذه الآلية تشمل فقط أصحاب الإقامات المؤقتة المنتهية، ومن منحوا مهلة للمغادرة ولم يفعلوا ذلك، فيما تستثني "الداخلين خلسة الممنوحين مهلة مغادرة، كما المقيمين بصورة شرعية (عقب قدومهم بتأشيرة سياحة أو تسوق أو زيارة).

فوق ذلك، فإنه فيما قد تخدم "تسوية الأوضاع" شريحة من السوريين الموجودين في لبنان، تبدو في المقابل، كما أوضح الحمصي، "[تهديداً] للمنشقين عن جيش النظام، والفارّين إلى لبنان عبر طرق التهريب، [كما القادمين] بأوراق طبية أو سياحية. فهؤلاء لا يمكنهم تجديد إقاماتهم ولا العودة إلى سوريا".

مضيفاً: "معظمنا هنا لأننا لم نجد فرصة هجرة أو توطين في أوروبا، وتمنعنا الأوضاع الأمنية في مناطق الحكومة السورية من العودة، رغم محاولات الحكومة اللبنانية إعادتنا بالترغيب والترهيب".

وكانت وسائل إعلام قالت إن الأمن اللبناني سلّم، الشهر الماضي، أكثر من 30 مواطناً سورياً، بينهم 5 نساء و3 مجندين منشقين، لقوات الأمن السورية على الجانب السوري من الحدود.

وعدا عن إلزام القانون الدولي الدول المضيفة بعدم ترحيل اللاجئين إلى بلدانهم قسراً، تُتهم حكومة دمشق بقتل لاجئين سوريين عادوا من لبنان منذ حزيران/ يونيو 2018، بحسب تصريحات للوزير اللبناني معين المرعبي إبان توليه حقيبة شؤون النازحين.

من وراء تصعيد "خطاب الكراهية"؟

ثمان سنوات عاشها علي الحمصي لاجئاً في سهل البقاع، عاصر خلالها خطاً زمنياً متغيراً في الموقف اللبناني الرسمي والشعبي حيال الثورة السورية، واللاجئين السوريين على وجه الخصوص. وليس من شك لديه، كما قال، أن "الحكومة اللبنانية لها التأثير الأكبر في رسم هذا الخط وتغيره".

دلل على ذلك بقوله: "التعاطف مع السوريين بعد اندلاع الثورة كان تعاطفاً سياسياً، [وفق] مبدأ "عدو عدوي صديقي". وقد انتهى التعاطف [بنقيضه؛ بحكم تغذّية] الدولة خطاب الكراهية ضد السوريين". 

ولعل أبرز من يؤكد ما ذهب إليه الحمصي، هو وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل الذين جاهر بعدائه اللاجئين إلى بلاده عبر سلسلة تصريحات، منها ما نشره عبر حسابه الرسمي على موقع "تويتر"، في حزيران/ يونيو الماضي، وجاء فيه: "لقد كرّسنا مفهوماً لانتمائنا اللبناني هو فوق أي انتماء آخر، وقلنا إنه جينيّ وهو التفسير الوحيد لتشابهنا وتمايزنا معاً (...) ولقدرتنا على الدمج والاندماج معاً من جهة وعلى رفض النزوح واللجوء معاً من جهة أخرى".

باسيل، زعيم التيار الوطني الحر الذي أسسه رئيس الجمهورية ميشال عون، لا يغرد بعيداً عن كثير من أعضاء الحكومة اللبنانية "المتحالفة مع حزب الله.. بل والخاضعة له"، بحسب ما ذهب إليه مدير المؤسسة اللبنانية للديمقراطية حقوق الإنسان، نبيل الحلبي، في مقابلة مع"سوريا على طول" (للاطلاع على نص المقابلة كاملة: اضغط هنا) .

وعدا عن حقيقة قتال حزب الله إلى جانب القوات الحكومية السورية منذ مرحلة مبكرة من الثورة السورية، "رسمت الحكومة [اللبنانية]"، كما قال الحلبي، "سياسات تلصق جميع مشاكل اللبنانيين الداخلية المزمنة، لا سيما الأزمة المالية الناجمة عن الفساد السياسي، باللاجئ السوري... فأصبح عموم خطاباتها يقول: أيها اللبنانيون، السوريون هم وراء مشكلاتكم الاقتصادية والمالية والاجتماعية والسياسية".