عندما تزوجت عائشة في الدنمارك، منذ حوالي عام ونصف، تزوجت على الشريعة الإسلامية التقليدية: أمام شيخ وشاهدين.

وحتى قبل اندلاع الحرب في سوريا، فقد كان عدد قليل من الأشخاص  يقومون بتسجيل زيجاتهم رسميًا لدى السلطات المدنية. وفي الدنمارك، لم يخطر في بال عائشة وزوجها تثبيت زواجهما من قبل مجلس البلدية المحلي، حتى الشهر الماضي فقط.

فعندما كانت عائشة قد وصلت لتوها من متجر البقالة شاهدت الأخبار في صفحتها على الفيسبوك، بأن السلطات الدنماركية ستبدأ في إعادة السوريين القادمين من دمشق والذين حصلوا - مثلها - على حماية مؤقتة بناءً على "الوضع العام" بدلاً من خطر الاضطهاد الشخصي.

ويتمتع زوجها بوضع مختلف عنها كلاجئ، باعتباره ذكرا سوريا معرضا لخطر التجنيد العسكري في الوطن، فهو لا يواجه خطر الإعادة في الوقت القريب، وهي الآن قلقة من احتمال انفصالهما عن بعضهما.

وقالت عائشة، البالغة من العمر 24 عامًا، "لقد تزوجت زوجي بدافع الحب، لا أستطيع تحمل أي شيء يمكن أن يفرقنا".

وأصبح إثبات زواجهما أمراً ضروريا بين عشية وضحاها، فهو مسألة بقائهما معًا أو لا. لذلك أرسل الزوجان على الفور الأوراق إلى السلطات المحلية، على أمل أن تتمكن عائشة من تغيير وضعها والبقاء في الدنمارك. وما زالا ينتظران إجابة حاسمة.

وفي أواخر شباط، أعلنت دائرة الهجرة الدانماركية أنها ستبدأ في إعادة تقييم تصاريح الإقامة للاجئين السوريين، ذوي الأصول الدمشقية، والذين مُنحوا اللجوء بناءً على "الوضع العام" في البلاد. وتستند السياسة الجديدة المثيرة للجدل على تقرير صادر من دمشق عن دائرة  الهجرة، خلص إلى أن الوضع الأمني في العاصمة السورية والريف المحيط بها "قد تحسن بشكل كبير".

وفي الوقت الحالي، ستبدأ سلطات الهجرة الدنماركية بتقييم عدد قليل من حالات اللاجئين وطالبي اللجوء من دمشق الذين يتطابقون مع هذا الملف، من أجل تقرير ما إذا كانت هناك أسباب واقعية لرفض طلبات اللجوء أو سحب تصاريح الإقامة.

ومع ذلك، يحذر الخبراء من أن تغيير سياسة دائرة الهجرة، يجعل الدنمارك أول دولة أوروبية تبدأ في التفكير بالعودة غير الطوعية للسوريين، وهي سابقة يحتمل أن تكون خطرة مع تزايد عدد الدول الأوروبية غير المضيفة للاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين. في الوقت نفسه، بقي الآلاف من السوريين في جميع أنحاء الدنمارك يائسين بسبب مستقبلهم غير المؤكد.

وقالت عائشة إنها تعاني من الأرق ليلا منذ إعلان مصلحة الهجرة، فهي حامل في الشهر السابع، وأصبح الأمر "مرهقًا عقلياً" بالنسبة لها، ولا يناسبها سماع مثل هذه الأخبار.

   "أخشى أن يقولوا لي في أي لحظة الآن، عودي إلى بلدك ".

Embed from Getty Images

الشرطة الدنماركية ترافق عائلة سورية من طالبي اللجوء في الدنمارك في عام 2016. الصورة من شون جالوب / غيتي إيمدجز.

الأمم المتحدة تعتبر العودة "مستحيلة"

منذ ربيع العام الماضي، عندما قامت القوات الموالية للحكومة بإخلاء الجيوب الأخيرة من المدينة التي تسيطر عليها الفصائل الإسلامية المعارضة والمتشددة منها، ظل الهدوء نسبياً في دمشق.

وبينما ظهرت علامات متقطعة منذ ذلك الحين على عودة المدينة إلى الحياة، إلا أن السكان لا يزالون يواجهون الاعتقالات التعسفية والتجنيد الإجباري للجيش، فضلاً عن غياب البنية التحتية الأساسية والخدمات العامة.

وكان قد صدر في الأشهر الماضية تقريراً من 70 صفحة عن الوضع في المدينة، والذي أعد بالتعاون مع المجلس الدنماركي للاجئين، ينص على أن العنف قد خمد. ومع ذلك، قالت إيفا سنجر، رئيسة إدارة اللجوء في جمهورية الكونغو الديمقراطية لسوريا على طول "إن الوضع لا يزال محفوفا بالمخاطر" للبدء في إعادة السوريين إلى دمشق.

وأضافت قائلة "نحن متفقون على أن الوضع الأمني في دمشق قد تغير منذ آخر مرة ذهبنا فيها عام 2018, ومع ذلك، لا نعرف بما فيه الكفاية عما يحدث عندما يعود الأشخاص، من حيث العواقب التي يمكن أن تترتب على ذلك وكيفية معاملة [العائدين]".

وأكدت الأمم المتحدة، وكذلك جماعات حقوق الإنسان، أنه لا يزال من السابق لأوانه الحديث عن العودة غير الطوعية للسوريين.

وفي 28 من شباط - بعد يومين من إعلان دائرة الهجرة - خلصت لجنة التحقيق السورية التابعة لمجلس حقوق الإنسان، التابع للأمم المتحدة أن الوضع في سوريا "يقوض إمكانية العودة"، مشيرًا إلى غياب الخدمات الأساسية، واستمرار الاعتقالات التعسفية و"الغياب العام لحكم القانون" في المناطق التي استولت عليها الحكومة مؤخراً.

ووصف أحد المفوضين الذين يقدمون تقرير الأمم المتحدة إمكانية العودة الآمنة والمستدامة بأنها "وهمية تمامًا".

وقالت عائشة، وهي في الأصل من مخيم اليرموك، وهو مخيم للاجئين الفلسطينيين جنوب دمشق، أنه لم يعد لديها منزل ولا أسرة للعودة إليها.. "ما الذي ستعود إليه؟ لقد سوي المخيم بالأرض"، حيث أنه بعد سنوات من الحصار من قبل القوات الموالية للحكومة، تم تدمير ما بين 70 و 80 في المئة من المباني في اليرموك، عندما أدى هجوم مؤيد للحكومة إلى إعادة المخيم لسيطرة دمشق، حسب تقديرات وكالات الأمم المتحدة وجماعات حقوق الإنسان.

"كانت هذه هي الخطة دائمًا"

مثل كل الرجال السوريين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و 42 عامًا، لدى زوج عائشة "خوفًا مبررا من الاضطهاد" لأنه مطلوب للتجنيد العسكري. وعلى خلافها، فأن زوجها مؤهل للحماية بموجب اتفاقية اللاجئين لعام 1951 - المعروفة في قانون اللجوء الدنماركي باسم "الاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين"، أو الحالة 7.1.

ومن ناحية أخرى، اضطرت عائشة إلى تسوية "وضع الحماية المؤقتة" أو الحالة 7.3 عند وصولها، وهذا يعني الحصول على تصريح إقامة لمدة أقصر، ولا حق لها في التعليم الجامعي المجاني وكذلك تقييد الوصول إلى لم شمل الأسرة.

وتم تقديم وضع الحماية المؤقتة لأول مرة في عام 2015 من قبل الحكومة الاشتراكية الديمقراطية السابقة بالدنمارك - وتحديداً مع وضع السوريين، والغرض الصريح المتمثل في هذا الوضع، تسهيل سحب التصاريح فور تحسن الوضع، حتى لو استمر الوضع "خطيرًا وهشًا و لا يمكن التنبؤ به".

وبعبارة أخرى، فإن تغيير ممارسات دائرة الهجرة هو ببساطة تنفيذ سياسة تم تقديمها لأول مرة منذ سنوات.

ووفقًا لما قالته ميكالا بنديكسن، مؤسسة ورئيسة حملة "أهلا باللاجئين"، وهي منظمة محلية غير حكومية تقدم المشورة القانونية المجانية للاجئين وطالبي اللجوء، فإن الإعلان "بالكاد يشكل مفاجأة" لأي شخص.

وقالت "تم تصميم الحالة 7.3 لهذا الغرض، لذلك كانت هذه هي الخطة دائمًا".

وجاء قرار دائرة الهجرة بعد أن أقر البرلمان الدنماركي مجموعة من قوانين اللجوء والاندماج الجديدة، والتي تقيد حقوق اللاجئين وتحول التركيز من الاندماج إلى العودة - التي تم تقديمها أولاً باعتبارها "تحولاً نموذجياً" من قبل الحكومة أواخر العام الماضي.

وأحد التدابير الجديدة على وجه الخصوص الذي يجعل إعادة اللاجئين أكثر سهولة، هو درجة "الارتباط" بالمجتمع الدنماركي، والتي ستحظى بأقل قدر من الاعتبار عند تقييم تمديد تصريح الإقامة للاجئين.

وبالنسبة للاجئين الذين قاموا بتربية أطفال في بلد جديد، تبدو فكرة انتزاعهم من العيش في الدنمارك مثيرة للقلق.

وقالت مريم البالغة من العمر 35 عاماً، وهي لاجئة سورية من أصول دمشقية "أطفالي يتحدثون اللغة الدنماركية أفضل من العربية، وجميع أصدقائهم دنماركيون، ومدرستهم لا تستخدم إلا اللغة الدنماركية".

وتدرس مريم حاليًا فصول المدارس الثانوية التي تؤهلها للجامعة، رغم أن وضع الحماية المؤقت لديها لا يسمح لها بالاستمرار في المرحلة الثانوية السابقة.

وقالت "لقد بدأت للتو في فهم الدنمارك، حياتي هنا".

الدنمارك رائدة في إشكاليات سياسات اللاجئين

في الوقت الحالي، تعد الدنمارك الدولة الوحيدة في أوروبا التي اتخذت خطوات ملموسة نحو إعادة اللاجئين إلى سوريا. ولكن في بيئة سياسية تتميز بزيادة التركيز على عودة اللاجئين، يخشى الخبراء من أن الدول الأعضاء الأخرى في الاتحاد الأوروبي "يمكنها" استخدام القضية الدنماركية لتبرير إجراءات مماثلة.

ووفقًا لبندكسين، ظلت الدنمارك "لسنوات طويلة" تبني صورة كونها أول المتفاعلين، وأسرعهم، وأشجعهم، وأكثرهم تشددا عن غيرهم من الدول، وبعد ذلك تحذو بقية الدول حذوها".

كما قالت كاثرين وولارد، الأمينة العامة للمجلس الأوروبي للاجئين والمنفيين، وهو تحالف من المنظمات غير الحكومية التي تدافع عن حقوق اللاجئين وطالبي اللجوء، إنها ليست المرة الأولى التي تتخذ فيها الدنمارك "إجراءات رائدة تقيد حقوق اللاجئين". مضيفة أن هناك "خطر لا يمكن إنكاره" بأن تضع الدنمارك سوابق على الدول الأوروبية الأخرى لكي تتبعها.

ومع ذلك، فهي لا تزال تأمل في أن "بعض هذه التدابير، من غير المرجح أن تجذب الدول الأخرى".

وفي الوقت الحالي، لا يزال برنامج العودة الطوعية الوحيد في ألمانيا، ففي عام 2018 عاد أكثر من 400 لاجئ إلى سوريا بدعم مالي من الحكومة الألمانية. وفي الوقت نفسه، تؤكد سلطات الهجرة في الدول المجاورة الإسكندنافية في الدنمارك، أنه من السابق لأوانه إعادة السوريين إلى بلادهم، على الرغم من أن مديرية الهجرة النرويجية تقول إنها "تقيّم الوضع باستمرار".

فمن بين حوالي 20 ألف سوري حصلوا على حق اللجوء في الدنمارك منذ عام 2011، هناك 4700 حالة حماية مؤقتة، أو لديها حالة 7.3، وبما أن معظم الرجال مؤهلون للحصول على "الاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين"، فإن معظم الحالات التي لم تحصل على حق اللجوء هي من النساء. ومع ذلك، تقول مصلحة الهجرة إنها لا تحتفظ بسجلات عن أصول اللاجئين داخل سوريا.

لا يزال من غير الواضح ما إذا كان هناك أول عودة للاجئين من الدنمارك، ومتى ستحدث. وفي الوقت الحالي، ستقوم دائرة الهجرة بمعالجة عدد قليل من "حالات الاختبار" للسوريين من دمشق بالحالة 7.3، والتي يجب بعد ذلك قبولها من خلال هيئة استئناف - وهو إجراء يقدر الخبراء بأنه قد يستغرق شهوراً.

وفي النهاية، ستعتمد جميع عمليات العودة على تقييم فردي لكل حالة.

"انهيار عقلي"

في الوقت نفسه، قالت بيندكسن، قد يكون لدى العديد من السوريين الذين لديهم وضع 7.3 أسباب مختلفة للبقاء - إما لأنهم مثل عائشة، تزوجوا بعد وصولهم إلى الدنمارك، أو بسبب ظهور مخاطر جديدة من الاضطهاد.

وعندما هربت مريم من سوريا في عام 2015، ووصلت إلى الدنمارك مع أطفالها في نهاية المطاف، حصلت هناك على الحالة 7.3.

ولكن منذ ذلك الحين، كما قالت، ضاعفت الحكومة السورية التهم الموجهة إليها لتركها وظيفتها في القطاع العام دون إذن، مما يجعلها عرضة لعقوبة السجن لمدة ثلاث سنوات.

وينتهي تصريح إقامة مريم في غضون بضعة أشهر، وقد تقدمت بالفعل بطلب للتمديد، وتأمل في أن يمنحها وضعها موقفاٌ أفضل، و سيتبين ذلك مع الوقت.

وقالت "أنا فقط أنتظر".

وبغض النظر عن عدد السوريين الذين سيتأثرون بقرار دائرة الهجرة في الممارسة العملية، فقد تركت القوانين الآلاف من السوريين في جميع أنحاء البلاد في حالة من الإحباط والارتباك والخوف من المستقبل.

وصدرت دراسة استقصائية لمتطوعي جمهورية الكونغو الديمقراطية، والتي نشرت الشهر الماضي إلى أن "الخوف" و "القلق" بين اللاجئين بسبب القوانين التقييدية العديدة، خنق قدرتهم على تعلم اللغة واتخاذ القرارات بشأن مستقبلهم.

وقالت أم علي، المقيمة سابقاً في دمشق، إنها تشعر "بالضياع"، وتكافح لتتمكن من النوم و "تبكي باستمرار وتفكر فيما قد يحدث".

وقالت لسوريا على طول "لم أعد أعرف أين أنا ولماذا، وماذا سيحدث".

في الوقت نفسه، يبدو أن هناك ارتباكًا متزايدًا بين السوريين في جميع أنحاء البلاد. وقالت كل من بينديكسين، و جمهورية الكونغو الديمقراطية، إنهم رأوا زيادة كبيرة في عدد الأشخاص الذين يسعون للحصول على مشورة قانونية - حتى أولئك الذين لا يتعرضون للخطر في ظل السياسات الجديدة.

وقالت طالبة الحقوق السابقة روز الفارس، أنها كانت "منهارة عقلياً" عند سماعها بالسياسات الجديدة، بعد أن أمضت السنوات الأربع الماضية تتعب نفسها  بدراسة اللغة والمدرسة.

ومع ذلك، فإن الفارس ليست في خطر مباشر، كونها كانت مقيمة في محافظة الحسكة في شمال شرق سوريا - وهذه الحقيقة تبدو مريحة بالنسبة إليها.

وأضافت "سيبدأون بالأشخاص من دمشق، لكنهم سيستمرون مع أي شخص آخر".

وقالت ليلى، البالغة من العمر 24 عامًا والتي مُنحت حق اللجوء قبل تطبيق 7.3 بفترة وجيزة، إنها ضائعة بين ماي 100 قانون التي تم تبنيها منذ عام 2015.

"بمجرد تنفيذ قرار واحد، يتم الإعلان عن قرار آخر يكون أكثر فظاعة".

لا تزال غير متأكدة تمامًا من نوع حالة اللجوء التي لديها. لكن في كلتا الحالتين، أضافت الأنباء إلى الجو السياسي العام المتراكم على مر السنين, جعلها تشعر بأنه غير مرحب بها، وتنهدت ثم قالت "أنا متعبة".

وعلى الرغم من اليأس والقلق بين السوريين الذين تحدثوا إلى سوريا على طول، إلا أن الجميع بدوا مصممين على شيء واحد، وهو عدم العودة إلى سوريا.

وقالت أم علي "ليس لدينا منزل أو عائلة في دمشق, إذن، أين يفترض بنا أن نذهب؟"، وأضافت إنها ستلجأ إلى بلد آخر، في حال تم ترحيلها.إنها ترفض العودة إلى الوطن.

وقالت "لم نقرر وجهتنا بعد، لكننا لن نعود إلى المجهول".

*كل السوريين الذين تمت مقابلتهم في هذا التقرير، باستثناء واحد، تحدثوا شريطة عدم الكشف عن هويتهم خشية أن تؤثر مشاركتهم على قضيتهم.

 

ترجمة بتول حجار