اللاجئون السوريون "يعيشون يوماً بيوم" وسط تهديد السياسات الصارمة في الدنمارك

 

Embed from Getty Images

 

احتجاج الناس ضد سياسات اللاجئين الجديدة المقترحة في كوبنهاغن في كانون الأول. الصورة من Anadolu Agency/Getty Images.

عندما جاء أحمد ليلى إلى الدنمارك في عام 2014، قام بكل ما كان متوقعاً منه.

وبعد مرور أربع سنوات على حياته في أوروبا، كان المقيم السابق في دمشق، البالغ من العمر 25 عاماً، يجيد اللغة الدانماركية تقريباً، ويتلقى دورات استعداداً للعودة إلى الجامعة، وحصل أيضاً على وظيفة بدوام جزئي في أحد الفنادق، كما أنه متطوع مع مختلف مجموعات المجتمع المدني في أوقات فراغه، وفي العام الماضي، ترشح للانتخابات المحلية في بلديّته.

وبعبارة أخرى، فإن ليلى هو مثال للاجئين المندمجين بشكل جيد.

وقال ليلى "سوريا هي أمي، حيث كبرت، والدنمارك هي زوجتي، التي اخترتها لأعيش معها  حياتي".

وأكمل "أنت لا تختار أمك، لكنك تختار زوجتك".

ورغم التزام ليلى بالاندماج في الحياة الدنماركية، إلا أن الاتفاق السياسي الأخير الذي تبنته الحكومة الائتلافية اليمينية في البلاد، تركته الآن وآلاف اللاجئين الآخرين في الدنمارك قلقين حول آحلامهم طويلة الأمد في إنشاء حياة هناك.

وفي ما يسمى بقانون المالية، الذي يحدد ميزانية الدولة الدنماركية لكل عام جديد، أعلنت حكومة الائتلاف اليميني في الدنمارك في أواخر الشهر الماضي ما سمته "تحولاً نموذجياً" في سياسات اللجوء الوطنية، والذي أدى إلى تحويل التركيز بالكامل بعيداً عن فكرة الاندماج على المدى الطويل، نحو مفهوم وجود اللاجئين في البلاد بصفة مؤقتة فقط.

يتضمن الاتفاق سلسلة من الإجراءات، التي تتراوح بين خفض الدعم المالي للاجئين إلى تعزيز جهود إعادتهم إلى وطنهم، كل ذلك بهدف توضيح فكرة أن "إقامة اللاجئين في الدنمارك مؤقتة، وأن عليهم العودة إلى ديارهم بمجرد أن تسمح الظروف".

وبعبارة أخرى، لم يعد الاندماج على المدى الطويل في المجتمع هو الهدف.

ومن المتوقع أن يصدر قانون المالية في البرلمان في 20 كانون الأول، بتصويت يعتبر إلى حد كبير إجراءاً شكلياً، على الرغم من أنه لا يزال من غير الواضح كيف سيتم تنفيذ التدابير المقترحة.

ومع ذلك، فإن هذه الأخبار كانت كافية لترك اللاجئين في الدنمارك يعيشون في خوف من المستقبل.

وفي الوقت نفسه، بعد أربع سنوات من الحياة في الدنمارك، كان الليلى "مصدوماً".

وقال "إنهم يضيقون علينا من جميع الجوانب".

على حافة الاتفاقيات

عندما تم تقديم قانون المالية لهذا العام في 30 تشرين الثاني، أثار أحد الاقتراحات بشكل خاص احتجاجات وغضباً محلياً ودولياً، حيث سيتم نقل حوالي 100 شخص من الرعايا الأجانب "الغير مرغوب فيهم" إلى جزيرة مهجورة تبعد حوالي 75 كيلومتراً جنوب العاصمة كوبنهاغن.

وخلال الثمانين سنة الماضية، كانت جزيرة ليندهولم بمثابة منشأة بحوث، حيث استخدمت المباني القليلة المنتشر على الجزر الرملية  للقيام بتجارب على الحيوانات في الماضي.

وهذا هو المكان الذي تريد فيه الحكومة الدنماركية أن تحتجز الأشخاص "غير المرغوب فيهم" بما في ذلك اللاجئين وطالبي اللجوء المرفوضين الذين ارتكبوا جرائم جنائية في الدنمارك ولكن لا يمكن ترحيلهم.

وسرعان ما تصدرت خطط ليندهولم عناوين أخبار الصحف الدولية، وقوبلت "بقلق" من الأمم المتحدة و المعهد الدنماركي لحقوق الإنسان.

ولكن ليندهولم هي مجرد واحدة من سلسلة الإجراءات الجديدة التي تهدف إلى الحيلولة دون اندماج اللاجئين على المدى الطويل. وتصفها الحكومة بأنها "تحولاً نموذجياً" تضع العودة في قلب سياسة اللجوء التي تنتهجها.

 

وزير الهجرة والاندماج الدنماركي إنغر ستوبيرغ في عام 2016. الصورة من John Thys/AFP.

قالت ميشالا بنديكسن، مؤسسة ومديرة منظمة Welcome Refugees، وهي منظمة قدمت المشورة القانونية المجانية لطالبي اللجوء في الدنمارك منذ عام 2010 "لقد انقلب التركيز تمامًا عن الاندماج إلى العودة والمؤقتة". 

ولهجة قانون المالية صارمة، حيث يقترح نص الاتفاقية بأن تقوم السلطات في المستقبل "بالحد من المسؤوليات المنصوص عليها في اتفاقيات حقوق الإنسان الدولية" عند تقييم إمكانية تمديد تصاريح الإقامة للاجئين. 

ووفقاً للاتفاق، فإن القرار المتعلق بتمديد التصريح أو عدمه ينبغي أن يعتمد فقط على حاجة الشخص إلى الحماية ولا يُعطى مستوى اندماجه سوى الحد الأدنى من الأهمية.

الشيء الذي ترك اللاجئين مثل الليلى يتساءلون عمّا إذا كانت جهودهم بالاندماج مجدية أم ليس لها جدوى.

وقال الليلى "لماذا تعلمت اللغة ولماذا اندمجت في المجتمع إذا كانوا في النهاية يريدون إعادتي؟".

وكانت سلافة علي، وهي معلمة لغة إنجليزية سابقة من مدينة القامشلي في شمال شرق سوريا، والتي كانت في الدنمارك لأكثر من ثلاث سنوات، تناقش قانون المالية مع زوجها في أحد الأيام عندما جاء ابنها البالغ من العمر 10 سنوات إليهم وقال "ماما، أنا لا أريد العودة إلى سوريا، أنا أحب الدنمارك".

وأكدت العلي أنن أطفالها، الذين هم الآن في الصف الثاني والثالث، مندمجون بالكامل في المجتمع الدنماركي.

و أضافت "إنهم يعبرون عن أنفسهم بشكل أفضل باللغة الدنماركية أكثر من لغتهم الأم".

لقد أصبح واضحاً وضوح الشمس

لم يأت التحول في السياسة من العدم.

وأصبحت الدنمارك بيئة تقييدية بشكل متزايد وأقل ضيافة للاجئين منذ عام 2014، عندما بدأ وصول اللاجئين من أوروبا -ومعظمهم من سوريا-  يتضاعف بشكل كبير. 

وعلى غرار الاتحاد الأوروبي، كانت الدنمارك تتعامل في ذلك الوقت مع نوعين مختلفين لأوضاع اللاجئين: حالة الاتفاقية، والممنوحة للأشخاص الذين يندرجون تحت تعريف اتفاقية اللاجئين لعام 1951 المتعلقة باللاجئين، وحالة الحماية - أو "الحماية الفرعية" التي تُمنح للأشخاص غير المؤهلين كلاجئين وفقًا للاتفاقية، ولكنهم  في حاجة إلى حماية دولية.

وقبل عام 2015، كان كلا الوضعين يعني تصريح إقامة لمدة خمس سنوات. وكان احتمال تجديد هذا التصريح كبيراً نسبياً أيضاً.

وقالت بنديكسن، مؤسسة ومديرة منظمة Welcome Refugees  "إذا كنت قد حصلت في البداية على وضع اللاجئ الحقيقي في الدنمارك، فلم تخسرها إلا عند قيامك بنشاط فعلي يجعلك تفقدها مرة أخرى".

ولكن في عام 2015 قامت الحكومة، والتي كان يقودها في ذلك الوقت الحزب الديمقراطي الاجتماعي اليساري الأوسط وهو أكبر الأحزاب الدنماركية، بتنفيذ مجموعة جديدة من القوانين التي خفّضت الإقامة للاجئين إلى سنتين كحد أقصى، مع إدخال وضع قانوني جديد تماماً.

وتم تقديم الوضع الجديد- "وضع الحماية المؤقتة" أو الحالة 7.3 - للاجئين الذين اعتبرت حاجتهم إلى الحماية الدولية نابعة من "عدم الاستقرار والعنف العشوائي ضد المدنيين في بلدهم الأصلي"، مما يعني أن هؤلاء الناس ستتم إعادتهم بمجرد انتهاء حالة عدم الاستقرار والعنف هذه في بلدهم.

كما تم تخفيض المدة المقررة لسحب الإقامة، بسبب تحسن الأوضاع الأمنية للبلدان الأصلية للاجئين.

وبالنظر إلى هذه التطورات في سياسات اللجوء في الدنمارك، تقول إيفا سينغر، رئيسة قسم اللجوء في مجلس اللاجئين الدنماركي، إنه من "غير الواضح" ما إذا كان التركيز المتزايد على الوضع المؤقت الوارد في قانون التمويل ينطوي على أي تغييرات كبيرة في الممارسات الحالية أو أنه "يصف ببساطة الأشياء بوضعها الفعلي".

لكن بينديكسن، من Refugees Welcome، يعترف إنه كان هناك "خطوات قليلة في هذا الاتجاه" مسبقاً، ولم يكن هناك "تغيير واضح وصريح كما هو الحال الآن".

وأضافت "الآن، أصبح الأمر واضحا تماما".

بعض تصاريح الإقامة للسوريين "معلقة بخيط" 

على مدار العام الماضي، استعادت الحكومة السورية مساحات كبيرة من الأراضي التي كانت تسيطر عليها المعارضة سابقاً.

وقامت الحكومة السورية وحلفاؤها الروس على نحو متزايد بالترويج لرواية أن سوريا تدخل مرحلة إعادة إعمار أكثر أمناً واستقراراً، داعية اللاجئين السوريين إلى العودة- وهو ما راق لبعض صانعي السياسة، والأحزاب اليمينية المتطرفة، في أوروبا.

وفي الشهر الماضي، أعلن وزير الداخلية في ألمانيا أن المسؤولين "يدرسون" فرصة إزالة حظر شامل على ترحيل اللاجئين السوريين- رغم أن إفادة من الوزارة خلصت إلى أنه ما زال الوضع غير آمن للقيام بذلك.

وتؤكد المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة أن سوريا ليست آمنة بما فيه الكفاية حتى يبدأ اللاجئون بالعودة.

إلا أن أحدث مقترحات الدنمارك تضع العودة في المقدمة.

ووفقا لبنديكسن، يمكن أن يكون السوريون في الدنمارك الذين يتمتعون بوضع الحماية المؤقتة، معرضين بشكل خاص للخطر نظرا لأن إقامتهم تعتمد على الوضع العام في بلدهم الأصلي.

حيث قالت "لقد كنت دائما على قناعة بأن الوضع 7.3 معلق بخيط رفيع جداً، وأن الأمر مسألة وقت فقط قبل أن يبدأوا بإعادة الناس إلى بعض المناطق الأكثر أمنا في سوريا".

وأضافت "كانت تلك هي الخطة منذ البداية".

ومنذ وقت تقديمه وحتى نهاية العام الماضي، حصل حوالي 30٪ من السوريين الذين لجأوا إلى الدنمارك على وضع حماية مؤقت، وفقا لأرقام دائرة الهجرة الدنماركية.

وقد تم طرح حالة الحماية المؤقتة في الأصل مع وضع السوريين بعين الاعتبار، كما قال الخبراء، وحتى الآن كان السوريون هم الوحيدون الذين حصلوا عليها.

والكثير منهم من النساء وكبار السن وأسرهم- لأن الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و 42 سنة مؤهلون للحصول على اللجوء بسبب مخاطر التجنيد العسكري في سوريا.

وكانت عائلة اللاجئة السورية هند مارق من بين أول العائلات التي حصلت على الحماية المؤقتة، حيث لجأوا إلى الدنمارك في عام 2015، كما أن والدها فوق سن الخدمة العسكرية وبالتالي لا يحق له الحصول على وضع اللجوء. 

وقالت هند "قد يسحبون تصريح إقامتنا في أي لحظة"، وقالت إنها اعتادت على الشعور اليومي بعدم الأمان.

وتابعت هند "لقد دمرني هذا الوضع منذ زمن طويل".

ولكن هل ستبدأ الدنمارك بمحاولة تشجيع اللاجئين السوريين على العودة إلى ديارهم؟

في هذه المرحلة، من الصعب القول بأنها ستفعل.

واتفق الخبراء على أنه من الصعب تقييم الآثار العملية لقانون التمويل نظرا لعدم تنفيذ المقترحات حتى الآن.

ورفضت إدارة الهجرة الدنماركية التعليق بشأن الموضوع عندما تواصلت معها سوريا على طول.

ومن خلال قانون التمويل، أعلنت الحكومة الدنماركية عن نيتها لزيادة جهودها في إعادة اللاجئين إلى الوطن، وذلك جزئيا، بتعيين مستشارين في البلديات لتقديم المشورة للناس بشأن فرصة العودة، وفي حالة السوريين على وجه الخصوص- بتقديم الدعم المالي لأولئك الذين يرغبون في العودة إلى ديارهم طواعية.

وهناك دعم مالي فعلي للعودة والاندماج بالنسبة للجنسيات الأخرى، لكن سوريا مستبعدة حاليا من البرنامج بسبب الوضع الأمني.

ووفقاً لسينغر، يتواصل السوريون الذين يأملون في العودة بشكل مستمر مع المجلس الدنماركي للاجئين للاستفسار عن الدعم المالي للقيام بذلك.

وأضافت "ولا مشكلة في ذلك طالما أنها لا تزال طوعية".

وتابعت "لكن يجب ألا تصل الأمور أبداً إلى النقطة التي يختار فيها الناس العودة إلى بلد مدمر مثل سوريا، لأن الوضع في الدنمارك صعب للغاية".

وقالت سينغر إن أحد الأسباب الرئيسية التي يقدمها السوريون في الدنمارك بشأن رغبتهم في العودة هو أنهم يجدون صعوبة في تغطية نفقاتهم.

وفي عام 2015، انتقدت مجموعات حقوق الإنسان تخفيض النفقات الشهرية للاجئين في الدنمارك كونها غير كافية لتأمين "أدنى المتطلبات الأساسية" كما أن ذلك يعني ترك الأطفال يكبرون في الفقر.

"ليس لي مستقبل هنا" 

مع وجود علامات استفهام وأمور تستوجب التوضيح، تبدو الرسالة الشاملة واضحة بما يكفي: يجب على اللاجئين البدء في النظر إلى الدنمارك كملجأ مؤقت.

وبدأت آثار ذلك بالفعل في الظهور.

وقالت سينغر "هناك العديد من اللاجئين في الدنمارك الذين يشعرون بالخوف الشديد مما سيحدث مع انتشار الكثير من الشائعات، والناس ... يعتقدون بأنهم يجب أن يحزموا حقائبهم على الفور".

ويعاني داروش من اضطرابات في النوم والتركيز منذ فترة طويلة، وكثيرا ما يشعر بالقلق تجاه أفراد العائلة الذين بقوا في مسقط رأسه في عفرين، في شمال غرب سوريا.

وهناك، يواجه أقاربه بانتظام تهديدات وأعمال انتقامية من الفصائل المحلية المدعومة من تركيا وتسيطر على المنطقة، كما يقول داروش، الذي طلب حجب اسمه الحقيقي في هذا التقرير خوفا على سلامة عائلته في سوريا.

ووفقاً لداروش، فإن خبر قانون التمويل يضيف ضغوطاً أخرى على حياة مشحونة بالضغوطات فعلياً في بلاد اللجوء.

وقال "ستشعر دائماً بأنك موجود هنا بشكل مؤقت، وأنك قد تضطر في أي يوم من الأيام إلى المغادرة".

وبالرغم من أنه لم يبق سوى عام واحد فقط على دورات معادلة الشهادة الثانوية، والتي ستمكنه في نهاية المطاف من الوصول إلى الجامعة، فقد قطع داروش دراسته في وقت سابق من هذا العام بسبب مشاكل التركيز، وبدأ العمل في وظيفة تكفي للحصول على المتطلبات الأساسية فقط.

وما بين مواصلة الدراسة أو العمل لتأمين المستلزمات، يجد داروش صعوبة في اتخاذ أي قرارات بشأن مستقبله.

وقال عبر الهاتف "كيف يفترض أن أفكر في أشياء أخرى؟ هذا يعني أنه ليس لي مستقبل هنا".

وختم قائلا "ذلك يعني أن أعيش يوماً بيوم".


هذا التقرير هو جزء من مشروع التدريب على الصحافة الاستقصائية في منظمة سوريا على طول بالتعاون مع مؤسسة كونراد أديناور.

محمد عبدالستار إبراهيم

من محافظة الحسكة، مدينة عامودا، انتقل محمد إلى الأردن في عام 2004 بعد الأنتفاضة الكردية آنذاك ضد نظام البعث. مع بداية الثورة في الداخل السوري عمل ناشطاً مع تنسيقية الثورة السورية في الأردن. وانتقل فيما بعد إلى النشاط الإغاثي والتعليمي والدعم النفسي. ويسعى إلى تعلم الصحافة لنقل الحقيقة كما هي. ومحمد كاتب قصصي وروائي.

أليس المالح، مراسلة ومترجمة

تحمل أليس شهادة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة كوبنهاجن. درست اللغة العربية بشكل مستقل منذ عام 2013، ومؤخرا مع معهد سيجال في 2017-2018.