عمان- رغم إعلان الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في 23 أيلول/سبتمبر الماضي، تشكيل اللجنة الدستورية المكلفة وضع دستور سوري جديد يمهد للحل السياسي للصراع المحتدم منذ أكثر من ثماني سنوات، يظل المسلم به أن هذه اللجنة كانت في الحقيقة حصيلة تفاهمات ما يُعرف بـ"الدول الضامنة" الثلاث لـ"محادثات أستانة"؛ روسيا وإيران وتركيا.

مع ذلك، لاقى تشكيل اللجنة ترحيباً دولياً واسعاً، لا سيما من الدول التي تعتبر معارضة، ولو نظرياً، لسياسات الحكومة السورية وحليفتيها روسيا وإيران، خصوصاً الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وبريطانيا.

لكن في مقابل الترحيب الدولي، تبدو السمة الأبرز لمواقف للهيئات والشخصيات المعارضة لحكومة دمشق أو غير الخاضعة لسيطرة قواتها، هو رفض اللجنة الدستورية والتنديد بها، إلى حد اعتبار الدستور الذي قد يصدر عنها "دستور انتداب"، كما جاء في بيان صادر عن أكثر من 200 سياسي ومثقف وناشط يمثلون محافظة حمص، بينهم أول رئيس للمجلس الوطني برهان غليون، والعضو السابقة في كل من الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية والهيئة العليا للمفاوضات سهير الأتاسي.

مواقف مناقضة للتحالفات المعلنة

الأهم الذي كشف عنه تشكيل اللجنة الدستورية، هو التناقض الصريح بين مواقف بعض أهم مكونات المعارضة السورية وبين مواقف داعميها الإقليميين والدوليين.

ذلك أن الترحيب بحماس باللجنة الدستورية صدر خصوصاً عن هيئة التفاوض السورية التي تتخذ من المملكة العربية السعودية مقراً لها، وعلى الرغم من الدور الحاسم لتركيا وإيران في تشكيل اللجنة. إذ اعتبرت الهيئة أن تشكيل اللجنة "يلبي طموحات الشعب السوري، كخطوة في طريق تطبيق قرار مجلس الأمن رقم 2254". بل وذهب رئيس الهيئة ذاتها، نصر الحريري، إلى حد اعتبار أن اللجنة "انتصار للشعب السوري"، و"إنجاز حقيقي".

في المقابل، سارعت جماعة الإخوان المسلمين في سوريا، والتي يفترض أنها الحليف الأوثق لحزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، إلى رفض اللجنة الدستورية. 

فعلى الرغم من تمثيل الإخوان المسلمين في كل من الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية وهيئة التفاوض السورية اللذين رحبا بتشكيل اللجنة الدستورية، إلا أن الجماعة كتنظيم مستقل اعتبرت، في بيان صادر في 25 أيلول/سبتمبر الماضي، أن تشكيل اللجنة هو "فرض حلّ عسكري بلبوس سياسي". مشيرة إلى أن "الجماعة ليس لها أي اسم (رسمي أو غير رسمي) في قائمة اللجنة الدستورية المعلنة، ورفضت المشاركة بها منذ البداية".

الموقف ذاته يمكن إيجاده في العلاقة بين المكون الكردي الممثل في "الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا" وحليفها الأقوى الولايات المتحدة.

ففيما رحبت الولايات المتحدة، على لسان الناطقة باسم وزارة الخارجية "بإعلان أمين عام الأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، الانتهاء من تشكيل اللجنة الدستورية الخاصة بسوريا"، أعلنت "الإدارة الذاتية"، في بيان صحافي، أنها غير معنية "بأية مخرجات [للجنة الدستورية]"، بسبب غياب تمثيلها في اللجنة. 

كما تظاهر مئات من الأكراد، يوم الأربعاء الماضي، أمام كل من مقر الأمم المتحدة في مدينة القامشلي والقاعدة العسكرية الأميركية في قرية خراب عشك بريف مدينة كوباني (عين العرب) احتجاجاً على إقصاء ممثلي الإدارة الذاتية من اللجنة الدستورية.

واعتبر كمال عاكف، الناطق باسم العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية، أن "استبعاد الإدارة يعني أن الاتفاق حول اللجنة هو اتفاق دول وليس اتفاق الشعب السوري"، في إشارة إلى الدور التركي في إقصاء ممثلي الإدارة الذاتية. 

وكان وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، صرح سابقاً بأن بلاده "لن تسمح لوحدات حماية الشعب (الكردية) المشاركة في اللجنة الدستورية في سوريا". وتعتبر وحدات حماية الشعب أحد أبرز مكونات قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وتعتبرها تركيا الذراع السورية لحزب العمال الكردستاني في تركيا، المدرج على لوائح الإرهاب الدولية.

وتشكلت الإدارة الذاتية في تشرين الثاني/ نوفمبر 2013، على ما يعادل 30% من الأراضي السورية شرق وشمال البلاد، ويقودها الأكراد أساساً من خلال حزب الاتحاد الديمقراطي، بالتشارك مع مكونات المنطقة من العرب والسريان. 

بالنتيجة، فيما يفترض أن تبدأ اللجنة الدستورية اجتماعاتها في جنيف في 30 تشرين الأول/ أكتوبر الحالي، تزداد ضبابية المشهد السوري، لاسيما مع تقلب التحالفات وتضارب مصالح الحلفاء الدوليين والمحليين.