عمان- بعد مخاض عسير استمر سنوات، توشك "اللجنة الدستورية" السورية مباشرة عملها، بعد إعلان الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، اليوم الإثنين، نجاح تشكيلها.

وجاء الإعلان بعيد ساعات من وصول مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى سوريا، غير بيدرسون، إلى دمشق، حيث التقى وزير الخارجية السوري وليد المعلم، كما أجرى عقب ذلك اتصالاً هاتفياً مع رئيس اللجنة العليا للمفاوضات نصر الحريري.

وكان زعماء الدول الضامنة لـ"محادثات أستانة"، روسيا وتركيا وإيران، أعلنوا في ختام اجتماعهم في العاصمة التركية أنقرة، في 16 أيلول/سبتمبر الحالي، قرب انطلاق عمل لجنة صياغة الدستور في سوريا، على أن يعقد اجتماع في أستانة، عاصمة كازاخستان، الشهر المقبل، يضم "خبراء من روسيا وتركيا وإيران والأمم المتحدة، والجانب السوري، وممثلين عن الدول المراقبة"، بحسب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

الرحلة الطويلة إلى التشكيل

رغم نص قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254، والصادر في كانون الأول/ديسمبر 2015، على وضع دستور جديد لسوريا، إلا أن الحديث عن العملية تأخر إلى محادثات جنيف (4) التي عقدت في آذار/مارس 2017، وقدم خلالها المبعوث الأممي إلى سوريا آنذاك، ستافان دي ميستورا، ما عُرف بـ"السلال الأربع" لإنهاء الصراع، وتتعلق بالإضافة إلى صوغ دستور جديد، لإنشاء حكومة ذات مصداقية غير طائفية، وإجراء انتخابات حرة نزيهة، واستراتيجية مكافحة الإرهاب.

لكن "الدستور الجديد"، وتحديداً اللجنة المعنية بوضعه، سريعاً ما انتقلا إلى عهدة "الدول الضامنة"، بعد أن شكلت اللجنة أحد البنود المتفق عليها في ما سمي "مؤتمر الحوار الوطني السوري" الذي عقد بدعوة روسية، في مدينة سوتشي، أواخر كانون الأول/ديسمبر 2018.

بالتوازي مع إعلان جنيف (4) عن السلال الأربع، تم الإعلان عن إنشاء أربع مناطق لخفض التصعيد، ثلاث منها أعلنتها الدول الضامنة لمحادثات أستانة، في جولتها الرابعة في آذار/مارس 2017، فيما أنشئت المنطقة الرابعة بموجب اتفاق أميركي-روسي منفصل.

وفيما انتقلت السيطرة على ثلاث من مناطق خفض التصعيد من فصائل المعارضة إلى القوات الحكومية والمليشيات المتحالفة معها، يبدو تشكيل "اللجنة الدستورية" آخر ما تبقى من "السلال الأربع"، عدا عن الغموض بشأن إمكانية تحقيق اللجنة أي نتائج فعلية تؤدي إلى المساهمة في إيجاد حل دائم للصراع في سوريا.

تبعات "اللجنة الدستورية"

رغم تفاؤل الأمين العام للأمم المتحدة بأن يمثل تشكيل اللجنة الدستورية "خطوة مهمة للغاية في تهيئة الظروف لحل سياسي لهذا الصراع المأساوي"، تشكك شخصيات سورية تحدثت إلى "سوريا على طول" في أن تتمكن هذه اللجنة من أداء المهمة المأمولة منها. بل ويذهب الحقوقي المعارض أنور البني إلى اعتبار هذه اللجنة "ذريعة لتمرير الأجندات العسكرية على أرض الواقع".

إذ حتى في حال باشرت اللجنة مهامها، فإنها ستكون، برأي البني، بمثابة محاولة "لإلغاء القرار الأممي 2254، والقفز عن المرحلة الانتقالية، [عدا عن] تجاوز محاكمة المجرمين". إذ دعا قرار مجلس الأمن 2254، إلى تشكيل حكومة انتقالية، وإجراء انتخابات برعاية أممية. كما أعرب القرار عن دعم المسار السياسي لتشكيل هيئة حكم ذات مصداقية، واعتماد مسار صياغة دستور جديد لسوريا.

ويؤكد على ذلك أيضاً مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فضل عبد الغني، معتبراً أن "اللجنة الدستورية تنتهك كل القوانين الأممية وتلتف عليها". لافتاً إلى أن المسار الصحيح في سوريا هو "الإعلان عن هيئة حكم انتقالي، تنبثق عنها لجنة دستورية. وبعد ذلك تُجرى انتخابات رئاسية".

بناء على ذلك، فإن البداية العكسية للجنة الدستورية، وفقاً لعبد الغني، لا تقفز عن القرارات الأممية فحسب، وإنما تضع شرعيتها على المحك، عدا عن مخاوف ارتهانها للخارج. ذلك أن بدء مهام اللجنة وفق الواقع الحالي، يضع استفسارات عن "من سيتحكم بها؟ ما مرجعيتها؟ من أين مصدر شرعيتها". وذلك على النقيض مما لو انبثقت اللجنة عن هيئة حكم انتقالي، إذ إن "هذه الهيئة هي من يتحكم باللجنة".

وعدا عن حرف "اللجنة الدستورية" بصورتها الحالية لمسار الحل السياسي في سوريا، فإنها تهدد ملفات حقوق الإنسان في سوريا، في ظل بقاء بشار الأسد في سدّة الحكم.

وبحسب البني، يعني بدء مهام اللجنة ضمن المعطيات الحالية "إبقاء شرعية النظام رغم ما فعله، وشرعنة دستوره، وبالتالي حجب أي إمكانية لملاحقة المجرمين". معتبراً أن "هدف اللجنة الدستورية هو حماية المجرمين".

ورغم تأييد هيئة التفاوض السورية لمسألة أن "الشيء المنطقي هو وجود جسد سياسي انتقالي، يهيئ البيئة الآمنة لبناء لجنة صياغة الدستور"، إلا أن "مقاربات المسألة بالنسبة لكلّ الأطراف مختلفة، وخاصة إذا ما أخذ بعين الاعتبار أن النظام لا يريد الدخول في العملية السياسية"، بحسب المتحدث الرسمي باسم هيئة التفاوض، د. يحيى العريضي.

ومن ثم، يعتبر العريضي، في حديثه إلى "سوريا على طول" أن مسار "اللجنة الدستورية" سيكون انعطافة مهمة في مسار الحل السياسي، مشدداً في الوقت ذاته على أن نجاح اللجنة وما يلي ذلك من خطوات إنما "يعتمد على المسؤولين عن إبقاء النظام على قيد الحياة. وهنا أقصد الروس. فإذا كانوا يريدون جني [ثمار] سياسية، فإن عليهم أن يسحبوا هذا النظام إلى العملية السياسية".

كذلك، وفيما تمثل "اللجنة الدستورية" "بوابة الدخول إلى الحل السياسي" بالنسبة لهيئة التفاوض، فإن الأخيرة "تتمترس عند حقوق السوريين المنصوص عليها في القرارات الدولية، بما فيها القرار 2254"، بحسب العريضي.

وفيما عبر وزير الخارجية السوري وليد المعلم، عقب لقائه المبعوث الأممي في دمشق، اليوم الإثنين، عن "التزام دمشق بالعملية السياسية، واستعدادها مواصلة التعاون مع المبعوث الخاص لإنجاح مهمته"، فإن العريضي لا يستبعد "عرقلة النظام لعمل اللجنة مستقبلاً". متهماً حكومة دمشق بأنها "ذات منهج حربي عسكري، يقمع كل من يقول لا".

مختتماً بالقول إن "العملية السياسية للنظام ضارة جداً، ويريد مقاومتها، وخلق العراقيل في وجهها. [إذ] نهايته مرتبطة بالدخول فيها".