عمان- في نموذج مغاير للصورة السائدة في العالم العربي والشرق الأوسط عموماً، تحضر المرأة بشكل بارز في مؤسسات الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، منذ تأسيسها منتصف تشرين الثاني/نوفمبر 2013، من قبل حزب الاتحاد الديمقراطي. بل وسجلت النساء حضوراً فاعلاً حتى في المعارك ضد "تنظيم الدولة" (داعش)، لاسيما من خلال "وحدات حماية المرأة" التي تأسست العام 2012 كأحد أجنحة "وحدات حماية الشعب"، الجناح العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي، والتي أصبحت لاحقاً ركيزة قوات سوريا الديمقراطية (قسد).

وقد تم تأسيس هيئات خاصة بالنساء، ولجان نسائية في جميع الهيئات والمؤسسات الرسمية والمجتمعية، وفوق ذلك تطبيق نظام الرئاسة المشتركة في مؤسسات "الإدارة"، وبحيث حدد ما يسمى "العقد الاجتماعي"، الذي يعد بمثابة دستور محلي للإدارة الذاتية، تمثيل المرأة بنسبة 50% على الأقل. فيما زادت هذه النسبة في بعض المؤسسات لتصل إلى 70%، كما هي الحال في قطاع التربية مثلاً، بحسب ما ذكرت لـ"سوريا على طول" زينب محمد، رئيسة هيئة المرأة في إقليم الجزيرة، أحد الإقليمين الرئيسيين لمناطق الإدارة الذاتية.

إلا أن هذا الحضور الرسمي المكثف للنساء في مؤسسات الإدارة الذاتية، كما الحقوق والحماية التي يفترض أن تحميها القوانين والتشريعات المحلية، تبدو مناقضة، إلى حد ما على الأقل للممارسة على أرض الواقع. 

أحدث المؤشرات على ذلك أرقام العنف الأسري خلال فترة حظر التجول بسبب جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، والتي أعلنها مجلس عدالة المرأة التابع لمجلس العدالة الاجتماعية الذي يعد بمثابة وزارة العدل. 

إذ خلال فترة الحظر الذي استمر من 23 آذار/مارس ولغاية 16حزيران/يونيو، تم تسجيل ثماني حالات انتحار، و14 محاولة انتحار، و126 ضرب وإيذاء، و17 جريمة قتل بحق النساء. 

وفيما عزت محمد ذلك إلى "كون المجتمع ما يزال مرتبطاً بالعديد من عاداته وتقاليده". أضافت الإعلامية سولين أمين، في السياق ذاته، أن "الإدارة الذاتية جمعت بين الديمغرافيا العشائرية السائدة من خلال مكاتب الصلح، وإنشاء لجنة المرأة وإدارة المرأة ومجلس المرأة ضمن أقاليم شمال شرق سوريا"، كما "عززت في قوانينها حماية المرأة، في مواجهة جرائم مثل التحرش والاعتداء والاغتصاب والإساءة والتنمر وزواج القاصرات". وتعتمد الإدارة الذاتية في معالجة مثل هذه القضايا، بحسب أمين، على كل من "المحاكم المدنية والأعراف العشائرية، بينما تقوم لجان الصلح بإعادة ربط الأسرة وتوثيق أحكام الصلح في حال رغبت المرأة في العودة إلى الزوج أو طلب نفقة أو ضم الأطفال".

لكن "كون المجتمع عشائرياً، بطبيعته منغلق، ولا يرغب بتداول قضاياه بين عامة الشعب"، بحسب محمد، فإنه "يحاول نوعاً ما حل قضاياه بالتراضي بين العوائل أو الأشخاص المسيئين والذين تعرضوا للإساءة، بإشراف "الكومينات" التي تعتبر أصغر خلية مجتمعية وأكثرها قدرة على تنظيم المجتمع وتحتوي غالبيتها على لجان للصلح، سواء لجان للمرأة أو لجان عامة تحل العديد من القضايا".

في المقابل، رأى غاندي سفر، مدير مركز آريدو للمجتمع المدني والديمقراطية، بمدينة القامشلي شمال شرق سوريا، أن "القوانين منقوصة لغاية الآن؛ إذا لم يكن من ناحية النص فمن ناحية التنفيذ". موضحاً في حديثه لـ"سوريا على طول" أن "كثيراً من النساء يخفن من عرض مشاكلهن على القضاء". و"حين تخاف النساء من المجتمع ومن الفضيحة، تكون المشكلة في القانون ذاته"، كما قال.

حقيقة الحضور المؤسساتي 

يرتبط بما سبق سؤال ما إذا كان حضور النساء المكثف في مختلف مؤسسات الإدارة الذاتية، هو حضور حقيقي، بحيث يلعبن دوراً فاعلاً في اتخاذ القرارات، أم شكلي. 

وبرأي سفر، فإنه لا يمكن "تعميم أن وجود النساء في المؤسسات شكلي. إذ هناك نساء يقمن بدورهن بشكل حقيقي، فيما هناك بعض المؤسسات الشكلية". مشيراً في الوقت نفسه إلى أن طريقة الإدارة الذاتية في تمثيل النساء "لم تأت نتيجة توعية معينة أو جهد مجتمعي، وإنما بالفرض عن طريق القانون".

ومن خلال تجربتها الشخصية، رأت أمين أن "هناك دوراً حقيقياً للمرأة في مؤسسات الإدارة الذاتية بعكس ما كنت أتوقع أنا شخصياً". مستشهدة على ذلك بمثال أنه "قبل فترة، وخلال تغطية أحد الاجتماعات في ريف دير الزور [الخاضع لسيطرة "قسد"] تم تأجيل الاجتماع بسبب غياب إحدى القياديات".

من جانبها، اعتبرت فوزة اليوسف، عضو هيئة الرئاسة المشتركة في حزب الاتحاد الديمقراطي، أنه في "بداية الإدارة الذاتية، ونتيجة ضعف التجربة، كانت هناك مقاربات جنسوية. لكن مع الزمن تم تجاوز هذه الحالة إلى حد كبير". لكنها أقرت في الوقت ذاته أنه "ما تزال هناك عقلية العشائرية سائدة كذهنية، والعادات والتقاليد، وهناك نظرة دونية للمرأة قبل كل ذلك، ما يؤثر سلباً على أن تكون المرأة ذات فعالية أكبر". 

وهو ما أكدت عليه أيضاً زينب محمد، بأن ما يحد من دور المرأة في مناطق شمال شرق سوريا هو "الذهنية السلطوية التي يتمتع بها الرجل، وعدم تقبله تلك المرأة الضعيفة التي لاحول لها ولاقوة".

لكن سفر رأى أيضاً أن "الإدارة الذاتية قيدت العمل في مجال مناصرة المرأة ضمن بعض مؤسسات تابعة للإدارة"، وأن "إقحام المرأة في بعض المؤسسات بالشكل الحالي، يشكل عاملاً سلبياً".