شعر أبو ممدوح على مدار أشهر بأنه ممزق إلى نصفين، فكانت تصله رسائل يومياً من أقاربه في سوريا تحثّه على العودة إلى الوطن. وبعد عدة سنوات من العيش في بلد مجاور، سئم العسكري السابق، والذي انشق بعد فترة قصيرة من بدء الثورة، الحياة في المنفى، وأصبح لديه رغبة بالعودة الى منزله.

وقال أبو ممدوح لمراسلة سوريا على طول آلاء نصار، في الأشهر السابقة، "أشتاق للجميع هناك، أفتقد إخواني وعائلتي، وأفتقد حيّنا".

ورغم أن أصدقاءه حذروه من فكرة العودة، لا سيما المنشقين الذين كانت تربطهم به علاقة صداقة أثناء فترة وجودة في سوريا، ونصحوه بالبقاء في مكانه، إلا أنه عاد رغم كل التحذيرات. وقال أقاربه بأنه تم فصله عن عائلته واختفى فور عودته، ولم يسمع أحد عنه داخل سوريا أو خارجها.

وفي الأشهر الأخيرة، تحدث أبو ممدوح مع سوريا على طول عن سبب رغبته في العودة إلى وطنه رغم المخاطر، وما أوردناه هنا هو حديثه عن الحياة في الجيش السوري خلال اندلاع الثورة عام ٢٠١١، وتجربته كمنشق ولاجئ يتطلع للعودة إلى منزله.

وتم حجب أسماء وتواريخ وأماكن ومعلومات أخرى محددة لحماية أبو ممدوح وعائلته.

من أين جاءتك فكرة الانشقاق في البداية؟ هل كنت تشاهد ما كان يحدث في سوريا في ذلك الوقت؟

في بداية الثورة كنت أشاهد ما يحدث بدقة. وعندما خرجت المظاهرات الأولى في درعا، وقمعها النظام، كنت أشاهدها. وعندما انتقلت الشرارة إلى حمص، كنت أيضا أشاهد ما كان يحدث في صمت. وبما أنني كنت أخدم في الجيش السوري، فقد كنت أعلم أن النظام كان يرد على الإنسانية بالعنف. وكنت أعلم أيضا أن الناس لن يتخلوا بسهولة عما خرجوا من أجله، خاصة وأن ثورات الربيع العربي امتدت إلى العديد من الدول العربية وقتل الكثير من المدنيين في الاحتجاجات المتزايدة في سوريا وأماكن أخرى.

وخلال هذا الوقت، كنت أشاهد المظاهرات على شاشات التلفزيون دون أن يعرف أحد- حتى أسرتي- كي لا يتحدث أطفالي عن ذلك خارج المنزل. كنت أعيش في المساكن العسكرية، وكان حولي الكثير من الشرطة السرية. قبل أسبوعين من الفرار، تعرض اثنان من زملائي المسلمين السنة الذين كانوا يعيشون في نفس المنطقة للإهانة واتُهموا بالخيانة من قبل الضباط العلويين الذين كانوا يعيشون معنا في نفس السكن.

[بالرغم من البداية السلمية وغير الطائفية للثورة السورية عام ٢٠١١، اشتعلت التوترات بين الأقليات الدينية في البلاد والغالبية المسلمة السنية.

وفي الفروع العسكرية والاستخباراتية، حيث غالباً ما كانت حكومة بشار الأسد تعطي المناصب العليا للضباط العلويين، بدأت الشكوك والشبهات على أسس طائفية].

شعرت بالخوف على نفسي وعائلتي، خاصة بعد حالات الانشقاق الأخرى. وبدأ العديد من الضباط العلويين ينظرون إلينا على أننا خونة، وأننا سننشق في أي وقت.

وفي ذلك الوقت، كنت معزولا عن أصدقائي العلويين. كنا نلتقي معا كل أسبوع في أحد منازلهم، لكن بعد الانشقاقات والانتشار الكبير للمظاهرات، توقفوا عن دعوتي إلى تجمعاتهم.

كنت مشوشا. لم يكن قرار الانشقاق والمغامرة إلى المجهول سهلاً بالنسبة لي، وفي الوقت نفسه، لم أتمكن من حماية نفسي من المحيطين بي في المساكن العسكرية.

ولن يثق الجيش السوري الحر بي، حتى لو كنت أفكر في الانشقاق في ذلك الوقت. لذا كنت مهددا من كلا الجانبين، وكان هذا حال معظم الضباط السنة في ذلك الوقت، كانوا يعيشون حالة من التردد والخوف تجاه النظام والمعارضة.

إذن في النهاية، ما الذي جعلك تنشق فعليا؟ ما الذي تغير؟

طلب مني المشاركة في هجوم بري على منطقة تسيطر عليها المعارضة. في ذلك الوقت كنت خائفا للغاية، لم أرد أن تتلطخ يداي بدماء شخص آخر. لم أستطع النوم لمدة يومين بسبب هذا. صليت، وأنا واثق من أن الله لن يتخلى عني وأنه سيحمي عائلتي. وفي اليوم الثاني، أخذت إجازة بحجة أنني سأذهب إلى المستشفى، لكن بدلا من ذلك التقيت برجل كان يهرب السوريين خارج البلاد.

كيف اعتنيت بأسرتك في البداية بعد أن هربت من سوريا؟

 

غادرت سوريا دون أن أحمل شيء، مع أطفالي فقط وما كانوا يرتدونه. دفعت إيجاراً لمدة شهرين على منزل مجهز بالأساسيات فقط، وبدأت البحث عن عمل.

مارست مختلف الأعمال اليدوية وعانيت كثيرا. تنقلت من عمل لآخر لمدة عامين، وعملت بشكل غير رسمي حتى أتمكن من العثور على وظيفة مستقرة. لم يكن لدي أي مشكلة بالقيام بأي عمل، والشيء المهم هو أن أطفالي وعائلتي لم يحتاجوا أحداً.

و كل ما فعلته في الجيش لبناء مستقبل أطفالي، ذهب سدى – ولكنني أحمد الله دائما.

كيف هو وضع الضباط المنشقين خارج سوريا؟

معظم المنشقين الذين فروا من سوريا لا يحصلون على حق اللجوء السياسي، ولا يحصلون على أي مساعدة لأنهم كانوا عسكريين. لقد فقدنا كل شيء- حتى وظائفنا- لمجرد أننا اخترنا عدم المشاركة في قتل المدنيين. لا أحد يعتبرنا بشر. حتى المعارضة لم تتقبلنا: ينظرون إلينا على أننا خونة، لأننا لم نبق في سوريا لنقاتل.

كل الأبواب أغلقت في وجهي. وكنت أعرف أن الهجرة أمر مستحيل، وأنني سأبقى هنا أعمل لإطعام أسرتي. لا يوجد الكثير من العمل، وبالرغم من أن الوظيفة كانت نعمة بالنسبة لنا- والحمد لله، لكن لا يوجد حتى الآن أي استقرار أو راحة.

ما الذي يجعلك ترغب في العودة إلى سوريا، بالرغم من الظروف السيئة هناك؟ ما نوع الضمانات التي تحتاجها لتضمن سلامتك؟

كنت أشاهد السياسة الدولية، وكيف أن هذه البلدان تقوم بالتطبيع مع النظام. ومؤخرا، خفضت بلدان أخرى مساعداتها للاجئين، وعملي هنا متقطع ويتوقف لفترات زمنية، حيث أعمل شهرا وأجلس في البيت شهرا آخر.

علينا ديون لا يمكنني سدادها حتى بعد أن بعت كل شيء في المنزل، وقررت العودة إلى سوريا والمصالحة.

إن خيارات الحياة محدودة للغاية بالنسبة لي هنا. كما أن تكاليف المعيشة غالية، خاصة مع العائلة والأطفال. سقطت سوريا بالكامل في أيدي النظام، والعالم كله يتفرج.

 

شجعني أقاربي على العودة إلى سوريا، وأولئك الذين يخدمون في الاحتياط هناك يعرفون أشخاصا يعملون مع الدولة. أخبروني، حرفيا، أن أولئك الذين لم يلطخوا أيديهم بدم السوريين ليس لديهم ما يدعو للقلق، وسيتم العفو عنهم.

ما يدفعني للعودة هو الرغبة في أن يشملني العفو الأخير، وكان لدي أمل بالعودة إلى سوريا جديدة، لكننا عائدون إلى نفس النظام.

ما شجعني أكثر هو أن منزلي في سوريا ما يزال قائما، ولم يلحق به أي ضرر على الإطلاق. لا أريد أن أخسره، أريد أن أثبت ملكيته - ذلك أفضل من دفع الإيجار.

كيف تعتقد أن المجتمع سينظر إليك بعد العودة؟ ماذا عن عائلتك وأقاربك؟

بالنسبة لي، لا توجد ضمانات حقيقة سوى أن أقاربي شجعوني. أخبروني أنه كان هناك الكثير من الضباط مثلي الذين عادوا وقاموا بالمصالحة ولم يحدث شيء لهم.

أشتاق للجميع هناك. أفتقد إخواني وعائلتي، وأفتقد حينا، ومن يقول إن الحياة في الغربة جميلة هو كاذب. لقد عشت لسنوات خارج سوريا، ولم أستقر هنا اجتماعيا أو ماديا. أعتقد أيضا أن إخوتي وأهلي يفتقدوني، ولن يتخلوا عني، وهم الذين شجعوني على العودة في المقام الأول.

 

ترجمة: سما محمد