عمان- يوشك مركز العمليات المشترك في ولاية "شانلي أورفة" التركية جنوب شرق البلاد، على بدء مهامه، بعد اتفاق أميركي-تركي بشأن ما تسميه أنقرة "المنطقة الآمنة" في شمال وشرق سوريا. إذ أعلن وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، خلال زيارته للمركز يوم الجمعة الماضي، أن العمل بموجب الاتفاق سيتم بعد أسبوع.

ويمثل تفعيل مركز العمليات الخطوة الثانية في الاتفاق التركي-الأميركي، بعد تنفيذ طائرات تركية "مسيرة"، في 14 آب/أغسطس الحالي، طلعات جوية في المنطقة التي يفترض أن تشكل "المنطقة الآمنة".

الاتفاق الذي تم الإعلان عنه، وما تزال تفاصيله وحدوده غير واضحة بشكل نهائي، تعتزم أنقرة تطبيقه رغم مخالفته لطموحاتها. إذ كانت تسعى إلى تحقيق مصالح أكبر، لكن بنود الاتفاق تشير إلى أن واشنطن عملت على مراعاة مصالح الحليف التركي، وهو دولة إقليمية مهمة وعضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، كما مصالح الحليف الكردي، الذي شكل العمود الفقري للقوات العسكرية التي تمكنت من هزيمة "تنظيم الدولة" (داعش) بدعم من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة.

وقد ولد الاتفاق بعد مخاض عسير، إذ انخرطت واشنطن في جولات من المفاوضات مع حليفيها اللذين يتشاركان في الوقت نفسه العداء فيما بينهما. وجاء لنزع فتيل الحرب التي كانت تهدد أنقرة بشنها ضد منطقة شرق الفرات، لاستئصال ما تعتبره تهديداً كردياً للأمن الوطني التركي.

الإدارة الذاتية، والتي تمثل السلطة الحاكمة في شمال وشرق سوريا، تراهن على أن ذراعها العسكرية "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، "لم تسجل أي انتهاك يهدد الأمن التركي"، بحسب ما ذكرت لـ"سوريا على طول" فوزة اليوسف، القيادية في حركة المجتمع الديمقراطي، والتي تشكل أحد مكونات الإدارة الذاتية. معتبرة أن تحرك تركيا ضد "شمال وشرق سوريا، وهي من أكثر المناطق أمناً في سوريا، [جاء] لمنع حصول الكرد على حقوقهم المشروعة".

في المقابل، تحاجج تركيا بأن حزب الاتحاد الديمقراطي في سوريا، المهيمن على "الإدارة الذاتية"، تابع لحزب العمل الكردستاني التركي، المدرج على قوائم المنظمات الإرهابية، وأن وجوده في شرق الفرات يشكل خطراً على أمن تركيا القومي وحدودها.

أما بالنسبة لدمشق، فإن اتفاق "المنطقة الآمنة" مرفوض بشكل "قاطع ومطلق"، بحسب ما جاء في تصريح لوزارة الخارجية السورية نشرته وكالة الأنباء الرسمية "سانا" في الثامن من الشهر الحالي، كونه يمثل "اعتداء على سيادة الأراضي السورية وانتهاك سافر لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة".

وهو الأمر الذي أكدت عليه إيران، أحد أهم حلفاء الحكومة السورية. إذ اعتبرت "سلوك الأميركيين في شمال شرق سورية اعتداء صارخاً على سيادة ووحدة الأراضي السورية وانتهاكاً لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة".

حدود غير واضحة

رغم الحديث عن اتفاق، فإن نقاطاً مهمة لم تتضمنها بنوده المعلنة، لا سيما امتداد المنطقة الآمنة وعمقها، ومن سيتحكم فيها. 

فقد نص الاتفاق بحسب بيان السفارة الأميركية في أنقرة، نشرته في السابع من الشهر الحالي، على اتخاذ تدابير سريعة لمعالجة المخاوف الأمنية التركية، وتشكيل مركز عمليات لتنسيق وإدارة إنشاء المنطقة الأمنة، وأن تكون المنطقة المتفق عليها ممراً للسلام تمكن السوريين المشردين العودة إلى بلدهم.

وتشير المعلومات المتوافرة عن اتفاق المنطقة الآمنة أو ما يطلق عليه "ممر السلام"، إلى أن امتداد هذه المنطقة من مدينة رأس العين غرب محافظة الحسكة إلى مدينة تل أبيض شرق محافظة الرقة، بطول 100 كيلومتر، وعمق 5 كيلومترات. 

لكن هذه الحدود تعارض مع الرواية الرسمية التركية. إذ كان صرّح وزير الدفاع التركي خلوصي أكار بأن عمق المنطقة الآمنة يتراوح بين 30 إلى 40 كيلومتراً، وتبعه تصريح لوزير الخارجية مولود جاويش أوغلو يؤكد على ضرورة سحب "وحدات حماية الشعب الكردية"، والتي تعتبر العمود الفقري لـ"قسد"، إلى هذا العمق.

أيضاً، يشدد الموقف الرسمي لـ"قسد" على أن المنطقة الآمنة ستكون تحت إدارة المجالس العسكرية التابعة لها، وأن عناصرها من أبناء هذه المنطقة، بحسب ما ذكر لـ"سوريا على طول" المحلل السياسي نور الدين عمر، من مكان إقامته في القامشلي. كما تشدد القيادية فوزة اليوسف بأن "المنطقة العازلة لن تشمل المدن الكبرى".

كذلك، وخلافاً للموقف التركي، تتمسك "قسد" بوجوب تطبيق المنطقة على الشريط الحدودي كاملاً، بحسب ما صرّح به القائد العام لـ"قسد" مظلوم عبدي، في 14 أب/أغسطس الحالي، لأن المنطقة الآمنة تحمي شمال شرق سوريا من "تهديدات وهجمات تركية قد تحدث [مستقبلاً]" بحسب قوله.

بالتزامن مع هذا الجدل، ما تزال الحشود العسكرية تتوافد إلى الحدود من كلا الطرفين، وكأن "حرباً قد تحدث"، بحسب ما وصف عبد الحليم سليمان، أحد سكان مدينة رأس العين لـ"سوريا على طول".

منطقة آمنة أم حزام عربي آخر!

الحديث عن "منطقة تركية آمنة" على طول الحدود التركية-السورية، يستدعي في ذهن كثير جداً من أكراد سوريا ما حدث في العام 1965، حين قررت الحكومة السورية آنذاك تطبيق مشروع "الحزام العربي"، بهدف تفريغ منطقة الجزيرة السورية من سكانها الكرد وتوطين أسر عربية بدلاً منهم.

فاليوم، يتخوف أبناء المنطقة من تكرار ذات السياسة  عبر إنشاء المنطقة الآمنة، لا سيما مع حديث أنقرة عن عودة مليون لاجئ سوري إلى هذه المنطقة، قد يكونون من غير سكانها الأصليين. وقد تعززت هذه المخاوف نتيجة ما حدث في عفرين بعد سيطرة فصائل في المعارضة السورية على المدينة بدعم تركي مطلع العام الماضي، فيما عرف بعملية "غصن الزيتون".

في هذا السياق، تذهب هورين حسن، وهي صحافية مستقلة من مدينة القامشلي، إلى اعتبار الاتفاق التركي-الأميركي بمثابة "احتلال للأراضي السورية، يهدف إلى عملية تغيير ديموغرافي في المنطقة كما حدث في عفرين". 

لكن القيادية اليوسف تعتقد أن "إنشاء المنطقة الآمنة يجنّب حدوث هجوم تركي وليس العكس". وهو ما يتفق معه المحلل السياسي نور الدين عمر، عتبراً أن المنطقة الآمنة "ستحمي شمال وشرق سوريا قبل أن تحمي الحدود التركية"، نافياً أن "تقلص [تلك المنطقة] دور قسد"، ومشدداً في الوقت ذاته على أن "يكون العائدون إلى هذه المنطقة من سكان مناطق شمال شرق سوريا حصراً".

كذلك، نشرت منظمة "سوريون من أجل الحقيقة والعدالة" تقريراً أوردت فيه توصيات لأجل المنطقة الآمنة، تحذّر فيه من وقوع انتهاكات في المنطقة.

وقال بسام الأحمد، عضو في المنظمة، لـ"سوريا على طول"، إن "التوصيات جاءت على خلفية مخاوف حقيقية حتى لا يتكرر ما حدث في عفرين من سلب ونهب، ومنعاً لوقوع تغيير ديمغرافي".