عمان- ما إن تعرضت الأراضي التركية لقصف بقذيفة هاون، مصدرها المناطق الخاضعة لـ"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، شمال شرق سوريا، أمس الإثنين، حتى سارعت "قسد" إلى إصدار بيان تنفي فيه مسؤوليتها عن الحادث، معتبرة أنه "عملٌ استفزازيٌ لخلق الفتنة وإلحاق ضرر باستقرار المنطقة".

في البيان ذاته، والذي صدر بعد ساعات من القصف، أعلنت "قسد" أيضاً أن أجهزتها الأمنية تجري "التحقيقات اللازمة لكشف مصدر القذيفة والأشخاص [المسؤولين عن ذلك]". وبما يشير إلى محاولة احتواء أزمة تلوح في الأفق، في ظل تحشيد تركيا لقواتها على الحدود الجنوبية، لضرب من تسميهم "أوكار تنظيم حزب العمال الكردستاني (PKK) وذراعه السورية حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)"، رغم نفي الأخير الذي يشكل عماد قوات "قسد"، أي ارتباط تنظيمي بـ"العمال الكردستاني" المدرج على لائحة الإرهاب التركية.

تصريحات أنقرة حول اقتراب معركة "شرق الفرات" الخاضعة لـ"قسد"، تتزامن مع عودة الحديث عن "إنشاء منطقة آمنة" في شمال سوريا تتولى إدارتها تركيا، بالتنسيق مع الولايات المتحدة الداعمة للأكراد في شمال شرق سوريا. وهو ما يفسر عودة الحراك الأميركي بين الطرفين، على الصعيدين السياسي والعسكري.

إذ زار الممثل الأميركي الخاص لشؤون سوريا، جيمس جيفري، العاصمة التركية أنقرة، حيث التقى أمس الإثنين وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، لبحث مسألة إقامة منطقة آمنة شرقي الفرات. وبحسب بيان صادر عن وزارة الدفاع التركية عقب الاجتماع، فقد شدد أكار على ضرورة "إقامة المنطقة الآمنة بالتنسيق بين تركيا والولايات المتحدة، وإخراج عناصر تنظيم ي ب ك/ بي كا كا الإرهابي من تلك المنطقة وتدمير التحصينات فيها".

بالتزامن مع زيارة الدبلوماسي الأميركي، زار قائد المنطقة الوسطى للقيادة المركزية للجيش الأميركي، كينيث ماكينزي، منطقة شمال شرق سوريا (روجافا)، حيث التقى القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، الجنرال مظلوم عبدي.

وفي حديث لـ"سوريا على طول"، قال رئيس المركز الكردي للدراسات، نواف خليل، إن "جزءاً كبيراً من النقاشات الحالية بين الولايات المتحدة و"قسد" تتعلق بالتهديدات التركية، لا سيما وأن تركيا تعمل على نسف تجربة الإدارة الذاتية في المنطقة". مشيراً إلى أن "قسد"، كما جاء على لسان مظلوم عبدي، خلال لقائه ماكينزي، تشترط "انسحاب تركيا من عفرين، مقابل قبول "قسد" أن تكون تركيا جزءاً من القوات التي تدخل إلى ما يسمى المنطقة الآمنة".

تفاوض أم حرب؟

تستفيد "قسد" في موقفها الحالي من الخلاف الأميركي-التركي، وأحدث تجلياته ما يُشاع عن إمكانية فرض عقوبات أميركية على أنقرة بسبب شرائها منظومة صواريخ "S-400" الروسية. وبحسب خليل "تحاول تركيا [الذهاب] باتجاه التصعيد للتهرب من العقوبات والضغوطات الأميركية بما يخص صفقة الصواريخ"، معتبراً أنها "لن تنجح [في مسعاها]".

بدوره، رأى الباحث في مؤسسة "سيتا" عمر أوزكيزيليك، وهي مؤسسة بحثية مستقلة مقرها أنقرة، أن "تركيا تنظر إلى مفاوضات المنطقة الآمنة باعتبارها فرصة للحل. لكنها قد تتخذ [رغم ذلك] إجراءات عسكرية من جانب واحد".

وأشار أوزكيزيليك، في حديث لـ"سوريا على طول"، إلى وجود "عدد من القضايا تفسد المفاوضات، منها أنشطة قوات المنطقة الوسطى للقيادة المركزية للجيش الأميركي [في منطقة شمال شرق سوريا]، والتلويح بعقوبات [أميركية بسبب] شراء [أنقرة] صواريخ S-400". محذراً من أنه في حال "شعرت تركيا أن المفاوضات مضيعة للوقت، [فإنها] ستلجأ إلى الخيار العسكري من طرف واحد".

مدرعتان تركيتان تسيران في منطقة شانلي أورفة جنوب تركيا، 11/7/2019 (وكالة الأناضول)

التحركات العسكرية التركية الأخيرة على الحدود الجنوبية، وما رافقها من "تصعيد" في الخطاب الرسمي ضد وجود "قسد" شرق الفرات، تزامنا مع سياسات أنقرة الجديدة حيال اللاجئين السوريين (المخالفين)، في اسطنبول خصوصاً، بدعوى معالجة "ظاهرة انتشار العمل بشكل غير قانوني [في المدينة]"، كما قال وزير الداخلية التركي الأسبوع الماضي. 

ويبدو التشدد الحالي لحكومة حزب العدالة والتنمية مع اللاجئين السوريين، مرتبطاً بخسارة الحزب الانتخابات البلدية في اسطنبول الشهر الماضي، والسعي بالتالي إلى التصالح مع الشارع التركي، استعداداً لاستحقاقات سياسية مقبلة. 

وبحسب أوزكيزيليك، فإن "رغبة تركيا في إنشاء منطقة آمنة شمال شرق سوريا له عدة أسباب، منها ما يتعلق بالديناميات الاجتماعية [المرتبطة] بقضية اللاجئين السوريين". مضيفاً أنه "في حالة وجود منطقة آمنة، تتوقع [أنقرة] عودة مليون لاجئ، بما يخفف التوترات الاجتماعية في تركيا بشكل كبير".

على الرغم من كل ذلك، ما تزال تعقيدات الملف السوري، وما يرتبط به من تفاعلات دولية، ترجح عدم إقدام تركيا على خوض معركة شاملة، والاكتفاء، ربما، بجبهة واحدة، تتمثل في مدينة تل أبيض، وبعمق 5 كيلومترات داخل الأراضي السورية. إذ "ترصد "قسد" تحركات تركية في هذه المنطقة فعلياً" كما ذكر  لـ"سوريا على طول" عضو في المكتب الإعلامي لـ"قسد"، طلب عدم الكشف عن اسمه.

ويعتقد المصدر أن "الهدف من التعزيزات العسكرية التركية [هو] منطقة الصوامع في مدينة تل أبيض، نظراً لأهميتها الاستراتيجية كمكان مرتفع من جهة، [وهي] تقطع أوصال مناطق الإدارة الذاتية [الكردية] من جهة أخرى". مرجحاً أن "الأتراك لن يتقدمون أكثر من ذلك منعاً للاحتكاك مع القوات الأميركية".

وهو ما أيده المحلل السياسي الكردي نور الدين عمر، في حديثه لـ"سوريا على طول"، معتبراً أن "التحشيدات التركية [ما هي إلا] ورقة ضغط على الولايات المتحدة و"قسد" للقبول بشروط [أنقرة]، لكنها لن تطلق عملاً عسكرياً من دون موافقة أميركية".