عمان- إلى جانب الخطاب الشعبوي وتحريك الشارع قسراً في مناطق سيطرته، رداً على قانون "قيصر" الأميركي الذي يفرض عقوبات على المتعاملين مع دمشق، يتذرع النظام السوري بهذه العقوبات غير المسبوقة، والتي تدخل حيز النفاذ يوم غد، 17 حزيران/يونيو الحالي، لحرف الأنظار عن الأسباب الحقيقية وراء عجزه الاقتصادي، كما ترى مصادر عدة تحدثت إليها "سوريا على طول".

فقبل أيام، اعتبر وزير الصحة في حكومة دمشق، نزار يازجي، أن العقوبات الأميركية تطال "المواطن السوري حتى بالدواء". ورغم إقراره بأن قانون قيصر "لا يشمل وزارة الصحة ولكن يشمل وزارة الاقتصاد.. [فإن] وزارة الاقتصاد هي المعنية باستجرار الأدوية المزمنة واستيرادها من أجل تقديمها للمواطنين". 

لكن مثل هذه التصريحات تمثل "دريئة يتخذها النظام"، برأي المهندس أيمن عبد النور، مدير منظمة سوريون مسيحيون من أجل السلام، كون قانون العقوبات الجديد ينص أيضاً على "استثناءات تشمل المواد الغذائية والأدوية والتجهيزات الطبية". مشدداًَ في حديثه إلى "سوريا على طول" على أن السوريين الأميركيين والمنظمات السورية التي ساهمت في سنّ "قيصر"، ومنها "سوريون مسيحيون من أجل السلام"، حرصوا على "عدم مساس القانون سلباً بأهلهم في الداخل السوري".

تداعيات "قيصر" 

استثناء "قيصر" للمدنيين لا يبدد مخاوف شخصيات سورية معارضة لدمشق من انعكاس العقوبات المتضمنة فيه على المواطنين العاديين. 

في هذا السياق، اعتبر الاقتصادي السوري د.عارف دليلة، أن نصوص القانون الأميركي التفصيلية "لم تترك متنفسا، لا للسلطة ورجالها فقط، بل وللاقتصاد الوطني ككل، مما يشمل، رغم استثنائها بصريح العبارة في نص القانون، الحاجات الانتاجية، والأسمدة والآلات التي تلزم الزراعة والصناعة للقطاع الخاص ولا تلزم السلطة ولا تخدمها ابدا، وكذلك للحاجات الاستهلاكية وحتى الدوائية".

لكن خلافاً لذلك، يرى الباحث في مركز جسور للدراسات بتركيا، خالد تركاوي، أن "القانون يستهدف القضايا العسكرية ولا يستهدف الأغذية والأدوية". مضيفاً في حديثه إلى"سوريا على طول" أن "القانون يمكن أن يُلغى إذا التزم النظام بالبنود [المطالبات] المتضمنة فيه، من مثل وقف القصف وإخراج المعتقلين، إضافة إلى مطالبات أخرى".

أيضاً، وعدا عن "استثناء بعض المنظمات الدولية التي تقوم بتوريد المواد الغذائية والطبية إلى داخل سوريا وتوزيعها من العقوبات الأميركية، فإن المساعدات الأميركية والأممية لا تميز بين المواطنين السوريين وفقاً لأهوائهم وآرائهم السياسية" بحسب عبد النور، مشدداً على ضرورة "أن يعرف الموالون ذلك. كما إن النظام هو من يمنع دخول المساعدات من معابر العراق وتركيا إلى شمال شرق وشمال غرب سوريا، ويحصر مرورها عبر مناطق سيطرته ويشرف على توزيعها بعد سرقة جزء كبير منها".

على الرغم من ذلك، لا تنفي الاستثناءات تأثير قيصر بشكل غير مباشر على الوضع الإنساني في سوريا، لأن تفعيله "سيدفع رجال أعمال عرب إلى عدم عقد شراكات مع دمشق والتوقف عن تنفيذ استثمارات في سوريا" كما يقول تركاوي. مستشهداً على ذلك "برغبة تجار أردنيين وإماراتيين في الاستثمار في سوريا في الأشهر الماضية، لكنهم تراجعوا عن ذلك بعد تحذيرات أميركية من خطورة هكذا استثمار". وهو ما يعني أن "عموم السوريين سيتأثرون بالقرار عند تطبيقه عملياً، خاصة وأن النظام عاجز عن تقديم أي شيء إلا مزيداً من التضييق"، بحسب تركاوي. 

ويضاف إلى خشية التجار ورجال الأعمال والمؤسسات، بما في ذلك المالية والمصرفية اللبنانية التي تمثل شريان الحياة لدمشق منذ العام 2012، فإن "هناك مخاوف أيضاً من إغلاق منافذ التهريب بين لبنان وسوريا"، وفقاً لتركاوي، و"التي خلقت ذعراً في الأسواق، وأسهمت في كشف العجز الاقتصادي والسياسي للنظام رغم محاولته إخفاءها".

استغلال "قيصر"

تشهد قيمة الليرة السورية اضطراباً غير مسبوق في مقابل الدولار الأميركي. فبعد تجاوزها حاجز 3,000 ليرة للدولار قبل أيام قليلة، ثم تحسنها تالياً لفترة وجيزة، عاد سعر الصرف في السوق السوداء إلى التراجع اليوم بحيث يتراوح بين 2,650 و2,800 ليرة للدولار.

ومع تدهور قيمة الليرة الذي ينعكس مزيداً من التردي في أوضاع السوريين المعيشية، اكتفت دمشق بتوصية المواطنين السوريين بـ"الصمود"، كما جاء على لسان المستشارة السياسية والإعلامية لبشار الأسد، بثينة شعبان، التي اعتبرت أن "لا خيار لنا سوى الصبر والصمود. وهذا الصمود سيؤتي أكله قريباً". لكن سرعان ما اندلعت الاحتجاجات في مدينة السويداء، جنوب سوريا، تنديداً بتردي الأوضاع المعيشية والفساد، وصولاً إلى المطالبة برحيل الأسد.

وفيما كان يتوجب على الأسد "مخاطبة مواطنيه والتخفيف عنهم، وأن يكشف للناس ما هو الواقع الحالي وإلى أين تسير الأمور وما هي الحلول لمشكلة الأزمة الغذائية وانخفاض الأجور والرواتب"، كما يرى عبد النور، فإن ردّ النظام كان الاكتفاء بتنظيم وقفات مؤيدة في عدد من المحافظات السورية، آخرها في درعا، أول أمس الأحد، تنديداً بقانون قيصر وتمسكاً بما وُصف "بالثوابت الوطنية" والدعوة إلى "الوقوف صفاً واحداً في مواجهة الحرب الاقتصادية"، بحسب الإعلام الرسمي السوري.

فوق ذلك، يبدو أن دمشق تستغل "قيصر" لتخفيف أعباء دعم الليرة السورية ومنع انهيارها، الأمر الذي يفسر انخفاض قيمتها الحالية إلى النصف مقارنة بمطلع العام الحالي، حين بلغ سعر صرفها 1,230 ليرة للدولار الواحد. 

هذا الانهيار الكبير كان مرجحاً حصوله منذ أيلول/سبتمبر الماضي، بحسب استقراء المدير التنفيذي للمركز السوري للدراسات السياسية والاستراتيجية بواشنطن، د. رضوان زيادة، للواقع الاقتصادي في سوريا. وتفسير ذلك، كما يوضح لـ"سوريا على طول"، أن هذا الانهيار هو نتيجة "سياسات مالية واقتصادية وسياسية أدت إلى العجز الحالي، من قبيل عدم وجود مخزون احتياطي [من العملة الصعبة] لدى النظام لدعم الليرة، وتحوّل سوريا إلى مستورد صافٍ للنفط، وانعدام الدورة الانتاجية". وبالتالي، فإن "تحميل هذا العجز على [قانون] قيصر هو حرف للأنظار عن الأسباب الحقيقية"، كما يقول.

وفيما تتصدر سوريا قائمة الدول الأكثر فقراً في العالم، إذ يقبع 83% من سكانها تحت خط الفقر، بحسب أرقام صادرة عن منظمة "اليونيسيف" في آذار/ مارس 2019، فإن النظام "لا يبالي إن وصلت نسبة الفقر إلى 100% أو حصلت مجاعة"، بحسب زيادة، "بل وربما يفكر في إمكانية الاستفادة من قانون قيصر مستقبلاً، إضافة إلى لجوئه للخطاب التعبوي والشعبوي". مستدركاً أنه "في النهاية يحتاج المواطن إلى إطعام نفسه وأهله، ولن تشبعه الخطابات والشعارات الرنانة".

الخروج من "قيصر"

لا تعدّ العقوبات الأميركية المتضمنة في قانون "قيصر"، وهو الاسم الحركي للمصور الجنائي الذي انشق عن النظام السوري في آب/أغسطس 2013 مسرباً معه 50 ألف صورة لـ11 ألف معتقل قضوا تحت التعذيب في سجون النظام، غير مسبوقة من حيث المبدأ. إذ منذ العام 2012، فُرضت عقوبات أميركية وأوروبية على شخصيات ومؤسسات حكومية سورية أو رجال أعمال محسوبين على النظام السوري.

لكن حقيقة أن العقوبات الاقتصادية المفروضة على دمشق محصورة بالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وليست ملزمة بقرار أممي، فقد "اعتمدت روسيا وإيران على التجارة والاستفادة من نظام الأسد باعتباره ليس خاضعاً لعقوبات أممية"، كما يوضح زيادة، وقد "جاء قانون قيصر ليسدّ هذه الثغرة، ويضع الشركات التي تتعامل مع الأسد، بما في ذلك الروسية والإيرانية، ضمن العقوبات الأميركية".

لذلك، فإن من شأن "ٌقيصر" زيادة عزلة النظام السوري الاقتصادية، خصوصاً وأنه يقلل حظوظه في الاستفادة من حلفائه الروس والإيرانيين، أو التحايل على القانون الجديد. وهو ما من شأنه، بحسب زيادة، أن يؤدي إلى "سقوط حرّ لليرة السورية، ولن يكون لأحد القدرة على وقف انهيارها"، وبالتالي خلق مزيد من "الضغط على [النظام] من حاضنته الشعبية" لتحسين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية.

وعليه، كما يضيف زيادة، فإنه "يتعين على نظام الأسد تغيير سلوكه وإبداء مزيد المرونة في مفاوضات جنيف، وصولاً إلى تحقيق حل السياسي، للاستفادة من النقاط الستة" التي تسمح بتعليق أو إلغاء عقوبات "قيصر"، وهي: توقف الطائرات السورية والروسية عن قصف المدنيين، وتوقف القوات الحكومية وحلفائها عن تقييد وصول المساعدات الإنسانية، وإطلاق سراح السجناء السياسيين، وتوقف قصف المنشآت الطبية والسكنية والمدارس، وتحقق إمكانية العودة الآمنة للاجئين والنازحين، وتحقق العدالة لضحايا جرائم الحرب، ومحاسبة مرتكبي هذه الجرائم. 

لكن رغم أهمية اعتماد العقوبات الاقتصادية لتحقيق أهداف سياسية، فإن "معظم الدول الحديثة تقاوم الضغط الخارجي. وغالباً ما يجعلها على استعداد لتحمل عقوبات كبيرة بدلاً من التخلي عما يعتبر بنظرها مصالح الأمة"، كما يرى الأستاذ بكلية دارتموث، روبرت باب. مضيفاً أنه "حتى إن كانت السلطة الحاكمة لا تحظى بشعبية، فيمكنها حماية نفسها ومؤيديها من خلال تحويل العبء الاقتصادي للعقوبات إلى الخصوم".

في المقابل، يرى عبد النور أن "على المجتمع الدولي إلغاء العدالة والقوانين الدولية كاملة"، في حال قبول تعليق العقوبات على النظام السوري من دون تنفيذه المطالب المنصوص عليها في قانون قيصر، وعدم قبوله قرار مجلس الأمن الدولي 2254 المتعلق بإيجاد حل سياسي في سوريا.