ضمن مجموعة من مخيمات النزوح العشوائية على طول الحدود الشمالية لسوريا، يطرح طفل صغير سؤالاً واحداً على والده مرارا وتكرارا.

"هل سيضربنا بشار بالسارين هنا؟" يسأل هاشم البالغ من العمر ثماني سنوات والده بقلق، في إشارة إلى الرئيس السوري وأحد أخطر الغازات السامة.

يقول والده، سعد الجابر، إنه لا يعرف طريقة جيدة للإجابة، "ألتزم الصمت. لا أعرف ما أقول، لا أحد يضمن ما يفعله بشار".

قبل عام واحد، نجا ابنا الجابر من هجوم بغاز السارين على مدينة خان شيخون، وسط إدلب، والتي تسيطر عليها المعارضة. وأسفر الهجوم حينها عن مقتل ٩٠ شخصا بينهم زوجة الجابر. وأثناء الهجوم كان الجابر، البالغ من العمر ٣٠ عاماً، في طريقه إلى المزرعة التي يعمل بها ولم يصب بأذى.

وأصبحت ذكريات هجوم العام الماضي حاضرة بشكل خاص في ذهن الجابر وأبنائه، بعد أن استخدمت الحكومة السورية غازا شبيها بالسارين في هجوم جوي على مدينة دوما شرق دمشق، في وقت سابق من هذا الشهر، مما أسفر عن مقتل العشرات من الأشخاص.

سكان خان شيخون يتظاهرون في المدينة يوم ٤ نيسان. تصوير: شبكة بلدي الإعلامية

وبعد أسبوعين من الهجوم على دوما، والذي أدى إلى ضربات صاروخية بقيادة الولايات المتحدة، دخل فريق من المحققين مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية إلى المدينة، يوم السبت، لجمع عينات للتحليل.

ومع التحقيق في الهجوم على دوما، يعاني سكان خان شيخون الذين عاشوا التجربة ذاتها العام الماضي من مخاوف بأن الإدانة الدولية لن تفعل الكثير لوقف استخدام الأسلحة الكيماوية في سوريا.

يقول الجابر "كل ذلك كان دون جدوى".

"لم أكن أتوقع أن أعيش أبدا"

يقول عبد الحميد اليوسف، الذي نجا من الهجوم الكيماوي قبل عام واحد فقط ليعرف أن ٢٥ من أقاربه، بمن فيهم زوجته وتوأمهما البالغ من العمر تسعة أشهر، قضوا في الهجوم "كل شيء في خان شيخون يذكرني بيوم المجزرة".

يقول الشاب البالغ من العمر ٢٩ عاما "لم أكن أتوقع أن أعيش أبدا...لكن هذا ما أراده الله لي، عام من الألم والحزن".

وبعد دفن أحبائه في مقبرة جماعية قبل عام، غادر اليوسف إدلب متوجهاً إلى تركيا. وفي أعقاب الهجوم مباشرة، قام معظم سكان خان شيخون بالشيء ذاته، بحثاً عن الأمان في مكان آخر في المحافظة أو في تركيا.

ولم يعد ٢٥ ألف مواطن تقريبا إلى البلدة، بحسب رئيس المجلس المحلي لخان شيخون مأمون معراتي، أما البعض "فعادوا تدريجيا" خلال العام الماضي.

يقول اليوسف أنه لم يستطع البقاء بعيدا عن خان شيخون لفترة طويلة. فبعد شهر واحد من مغادرته، عاد ليكون مع عائلته.

حيث يقول "لم أستطع أن أترك قبورهم".

ويضيف إن الزيارات المنتظمة إلى المقبرة الجماعية التي دفن فيها أطفال اليوسف وزوجته وأشقاءه تساعده على تقبل خسارته. حيث يتحدث إليهم، ويخبرهم عن الحياة في غيابهم.

وينتظر ما سيحدث في النهاية.

أضاف اليوسف " أنا أعيش فقط من أجل رؤية  بشار الأسد في المحكمة لنأخذ حقوق جميع الناس".

ووسط الاحتجاجات الدولية التي أعقبت هجوم خان شيخون في 4 نيسان 2017، والذي نفت الحكومة السورية مسؤوليتها عنه، أمر رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب بضرب 59 صاروخ موجه من طراز توماهوك استهدفوا مطار عسكري في محافظة حمص السورية، مما أدى إلى تدمير ما يقارب من 20 طائرة.

وقال الدكتور حازم، المدير الطبي في مدينة خان شيخون الذي عالج ضحايا الهجوم "كان الوضع مهزلة،في اليوم الثاني عادت الطائرات لتقصفنا"، وطلب حازم عدم نشر اسمه بالكامل خوفاً من العواقب المحتملة على الأقارب في الأراضي التي تسيطر عليها الحكومة.

واستهدفت الغارات الجوية خان شيخون بعد أقل من ٢٤ ساعة من الضربات الأمريكية، وعلى مدار العام التالي، استمر القصف بالرغم من اتفاقية خفض التصعيد المدعومة من قبل تركيا وروسيا والتي تم تنفيذها في المنطقة الشمالية الغربية الواقعة تحت سيطرة المعارضة.

وبعد ذلك، عادت التقارير حول استخدام الأسلحة الكيماوية كسلسة من الضربات الكيماوية المشتبه بأنها استهدفت معقل المعارضة في الغوطة الشرقية، تلاها الهجوم الكيماوي في ٧ نيسان الذي أدى إلى مقتل العشرات.

وذكر جمال معروف، أحد سكان خان شيخون الذي عاد إلى المدينة في تموز ٢٠١٧ بعد فراره منها باتجاه الشمال "بالرغم من تهديد جميع الدول إلا أن بشار الأسد مازال يقصف بجميع أنواع الأسلحة، ويبدو الأمر وكأنه يقول لن يحاسبني أحد الكل يراقب فقط".

Embed from Getty Images

عبد الحميد اليوسف يزورقبر زوجته وأطفاله في خان شيخون في ٣١ آذار. تصوير: عمر حاج قدور.

وتنفي حكومة الأسد وحليفتها روسيا الاتهامات الموجهة ضدهم باستخدام الأسلحة الكيماوية، زاعمين أن هجوم دوما عملية تم تمثيلها.

وأثار هجوم دوما جولة أخرى من الضربات الانتقامية في ١٣ نيسان التي استهدفت ثلاثة أهداف للحكومة السورية نفذت من قبل الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة.

وصرح الرئيس ترامب في صباح اليوم التالي عبر تويتر أن "المهمة أنجزت".

"الجميع تأثر"

ومع تداول أخبار الهجوم على دوما في وقت سابق من هذا الشهر، انتشرت صور وأشرطة فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي تظهر جثث لرجال ونساء وأطفال متناثرة بين الطوابق ويملأ الزبد أفواههم.

وبالنسبة لسكان خان شيخون تلك الصور كانت كفيلة بإثارة ذكرياتهم حول ما عاشوه، منذ عام مضى.

وقال اليوسف، الذي سمع عن الهجوم الكيماوي أثناء تواجده في مخيم النازحين حيث يعيش مع أبنائه "لم أستطع النوم في تلك الليلة، وشعرت وكأنني كنت متواجد معهم وأعيش معاناتهم".

وعلى الرغم من تلاشي بعض الأعراض الجسدية لهجوم خان شيخون، مثل الشلل المؤقت وصعوبة التنفس وعدم وضوح الرؤية، إلا أن التأثير النفسي ما زال قائماً، وفقاً لما قاله المسؤول الطبي حازم.

وأضاف "يعاني الناس من صدمة نفسية شديدة مصحوبة باليأس وفقدان الأمل".

وتابع لا يوجد أطباء نفسيون مدربون في خان شيخون، ولا يوجد توثيق دقيق لعدد الأشخاص الذين يعانون من الصدمات النفسية، ولكن "الجميع تأثر بطريقة أو بأخرى".

وقال الجابر "إلى اليوم يستيقظ أطفالي في الليل ويقولون نشعر وكأننا نختنق".

 

ترجمة: سما محمد.