"الهروب أشبه بالمستحيل".. عائلة تفرّ من عقيربات الواقعة تحت سيطرة تنظيم الدولة قبل حصار النظام

بعد أن أمضى أكثر من ثلاث سنوات تحت حكم تنظيم الدولة الوحشي، سئم محمد عز الدين، 40 عاماً، الحياة هناك. حيث يشن  الطيران الحربي الروسي والسوري حملة قصف عنيفة منذ شهور على مدينة عقيربات، مسقط رأس عز الدين في ريف حماة الشرقي.

ولكن وتيرة الهجوم ازادت حدةً في أواخر الأسبوع الماضي، حين سيطر النظام على مساحات واسعة، ما أدى إلى فصل مناطق سيطرة تنظيم الدولة إلى جزأين متجاورين. ونظراً للمعطيات الجديدة على الأرض، رأى عز الدين أن البقاء في عقيربات وسط صحراء سوريا، هو أخطر بكثير من المجازفة بالهروب.

وكان ما يمنع عز الدين من محاولة الهروب، أن الطريق الصحراوي الذي يخرج بك من مناطق تنظيم الدولة مزروعٌ بالألغام البرية، وانتشار مقاتلي تنظيم الدولة للحيلولة دون هروب الأهالي، ورغم ذلك قبل تطويق المنطقة، هرب عز الدين وزوجه وأطفاله الثلاثة بسيارتين نحو الشرقي، إلى مناطق تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تدعمها أمريكا.

اليوم، يعيش عز الدين وعائلته في مخيم بمحافظة إدلب التي يحكمها الثوار، ويقول لمراسلة سوريا على طول، نورا الحوراني "إن الوضع هنا غير جيد ولكن نسبياً أفضل بكثير من جحيم داعش ومناطق قسد".

الهروب من مناطق تنظيم الدولة خطر جداً، ولاسيما مع اقتراب النظام. فلماذا اخترت الهرب والمجازفة بحياتك؟

قررت النزوح في هذا الوقت بسبب القصف العنيف لطائرات النظام والروس، حيث قاموا بارتكاب العديد من المجازر بحق المدنيين في المنطقة.

وصحيح أن هناك مخاطر عديدة في طريق النزوح، أهمها عناصر التنظيم الذين يمنعوننا من مغادرة مناطق سيطرتهم، وتغريمنا بمبالغ مالية أو فرض عقوبات بالسجن، ولم يبق في المنطقة سوى الناس المعدمة التي لم تجد سبيلاً للنزوح بسبب فقرها.

أطراف عقيربات. حقوق نشر الصورة لـ عقيربات وقراها المحيطة

كما أن الطريق مزروع بالألغام، و النظام لم يكن يبعد كثيراً عن المنطقة التي دخلنا منها لمناطق سيطرة قسد بسبب تقدمه، والأخطر من ذلك كله رصد الطريق من الطيران، حيث يتم استهداف أي سيارة دون التمييز فيما إذا كانت لمدنيين أو لعناصر التنظيم.

وطالب النشطاء والمجلس المحلي بفتح ممرات آمنة للمدنيين، وعدم استخدامهم كدروع بشرية، إلا أنه لم يتم الاستجابة من أي جهة، وكل يوم يستشهد المدنيون داخل القرى بسبب القصف أو على طريق النزوح.

الآن أطبق النظام الحصار على ناحية عقيربات وأصبح الهروب شبه مستحيل، مما يجعل آلاف المدنيين المحاصرين عرضة للمجازر التي ستشهدها المنطقة قريباً بسبب استمرار القصف، وللأسف ذنبنا أننا نقطن في مناطق التنظيم لذلك يعتبروننا جميعاً "دواعش" ويجب قتلنا.

صف لي رحلة خروجك؟

خرجنا من قرية عقيربات عبر طريق صحراوي قاصدين قرى الرقة التي تخضع لسيطرة قوات قسد بسيارتي، وسلكنا طرقاً وعرة لتفادي حواجز تنظيم داعش.

كان الطريق وعراً وطويلاً، بطول 900 كيلو متر تقريباً، ومزروعاً بالألغام ببعض أجزائه، تعرضنا لعدد من الغارات من طائرات النظام، ولكن شاء الله أن هذه الغارات أتت بعيدة نسبياً عن طريقنا.

[تبعد عقيربات نحو 110 كم إلى الجنوب الغربي من أقرب البلدات والقرى التي تسيطر عليها قسد في محافظة الرقة].

 وصلنا إلى مناطق سيطرة قسد، حيث قام عناصرهم بالتدقيق بهوياتنا واستجوابنا من أين أتينا، وتم تفتيش السيارات التي كانت تقلنا بغية البحث عن عناصر داعش، بعدها ذهبوا بنا إلى مخيم كان مخصصاً لمثل حالاتنا وأشبه بسجن، بقينا فيه مدة 15 يوماً، وكان ممنوعاً علينا المغادرة قبل هذه المدة.

وضع المخيم سيء للغاية، ومهما وصفت ذلك لن أصل لما هو على أرض الواقع، حيث أن الناس أصبحت تطلق عليها اسم "مخيمات الموت".

بعد مرور 15 يوماً  سمح لنا القائمون على المخيم بالمغادرة إلى الشمال المحرر، وأعطونا ورقة للعبور، وأخذو منا رسوم العبور لكل شخص 2000 ل.س.

بعدها وصلنا إلى مخيم قريب من مدينة الدانا بريف إدلب الشمالي، وأعيش مع عائلتي في المخيمات مثلي مثل باقي النازحين، فالوضع هنا غير جيد ولكن نسبياً أفضل بكثير من جحيم داعش ومناطق قسد.

صف لنا الحياة في ظل تنظيم الدولة؟

إن الحياة في ظل تنظيم داعش أشبه بالجحيم، حيث أن المواد الغذائية غير متوفرة كما أن المستشفيات أو المراكز الصحية معدومة بالمطلق، عدا عن ممارسات عناصر التنظيم بحقنا من جلد وسجن وتعذيب، لأسباب واهية من تدخين وتأخر عن الصلاة وعدم ارتداء اللباس الشرعي المفروض من قبلهم.

معاملتهم كانت سيئة للناس، وهم يصنفوننا على أننا من الدرجة الثانية أو الثالثة بالنسبة لعناصرهم الذين يتمتعون بمزايا كثيرة، ويعتبروننا من الفاسقين، وأننا السبب الرئيسي في خسارتهم للمناطق التي كانوا يسيطرون عليها بسبب ذنوبنا، حسب زعمهم.

لا مجال للمقارنة بين وضعي الآن ووضعي سابقاً في ظل التنظيم، وكأنني هنا ولدت من جديد، و بالرغم من أنني نازح وأفتقر للمساعدات، لكنني أشعر أنني إنسان، ولي كرامة، وأعيش حريتي التي سلبها التنظيم مني.

ترجمة: فاطمة عاشور

نورا حوراني

حصلت نورا على شهادة البكالوريوس في الأدب الإنجليزي من جامعة تشرين. عملت كصحفية في "سوريا على طول" منذ عام 2015. حصلت على شهادة في صحافة البيانات لتعزيز الكتابة الصحفية المتخصصة بحقوق النسان من "مركز حماية وحرية الصحفيين في الأردن"، وشاركت في العديد من الندوات المتعلقة بتطوير المجتمع المدني. حازت على جائزة "النساء الرائدات في التحرير وأخبار الصحف" في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لعام 2018 من الرابطة العالمية للصحف وناشر الأخبار (WAN-IFRA).