عمان - مثلت جولة الإعادة للانتخابات البلدية في اسطنبول، نهاية الشهر الماضي، الحلقة الأحدث ضمن التطورات السياسية التي تشهدها تركيا منذ سنوات، وتنطوي على تأثير عميق على ملايين السوريين المقيمين هناك منذ اندلاع الثورة السورية في آذار/مارس 2011.

فحزب العدالة والتنمية الحاكم الذي ينظر إليه باعتباره داعماً للسوريين ومتعاطفاً مع اللاجئين في تركيا، خسر لأول مرة منذ ربع قرن المدينة التي لخص الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أهميتها الحاسمة بقوله "من يحكم اسطنبول يحكم تركيا".

أهم من ذلك أن السوريين في تركيا كانوا أحد أهم موضوعات الحملة الانتخابية لكل من مرشح حزب الشعب الجمهوري الفائز، أكرم إمام أوغلو، ومنافسه عن "العدالة والتنمية" بن علي يلدرم، مع ما رافق ذلك وتبعه من خطابات محرضة على السوريين، تمت ترجمتها إلى اعتداءات على محال تجارية لهم في إسطنبول .

ففي مناظرة انتخابية قبيل الاقتراع الأخير، اعتبر إمام أوغلو – متهماً "العدالة والتنمية" - بأن ملف اللاجئين السوريين لم تتم إدارته بشكل سليم، ولا يمكن إدارته بالعواطف فقط. فيما ردّ يلدريم بأن "اللاجئين السوريين موجودون تحت بند الحماية المؤقتة، وسيعودون عقب انتهاء الحرب. مشدداً على الترحيل الفوري لمن يخلّ بالأمن والسلام". 

ورغم استغلال الملف السوري مراراً في الصراعات السياسية التركية، إلا أن الاستقطاب السياسي الأخير بين مؤيدي مرشحي "الشعب الجمهوري" و"العدالة والتنمية" فاقم مخاوف 3.5 مليون لاجئ سوري، يشكلون ما نسبته 64 بالمائة من إجمالي عدد اللاجئين السوريين في العالم، بحسب أحدث إحصائية للأمم المتحدة.

لكن بحسب الصحفي التركي حمزة تكين، المقرب من الحكومة التركية، فإن "من المنطق أن يخوض الحزب الحاكم والمعارضة على حد سواء في الملف السوري، لأنه ليس صغيراً ولا بسيطاً. أما غير الطبيعي فهو التعامل مع هذا الملف بطريقة عنصرية ترفض الآخر". معتبراً في حديث إلى "سوريا على طول" أن "السوريين جزء من المجتمع التركي حالياً، ويخوضون في كل ميادينه، ولديهم مؤسسات ومدارس ومراكز".

تنامي الكراهية.. من يتحمل المسؤولية؟

في كانون الثاني/يناير الماضي، أظهر استطلاع لمركز الدراسات الميدانية الاجتماعية والسياسية في تركيا، شارك فيه 300 مواطن تركي و120 لاجئاً سورياً، أن 77% من المواطنين الأتراك يرفضون السوريين ويريدون عودتهم إلى بلادهم.

ويرى لاجئون سوريون، كما مواطنون أتراك، تحدثوا إلى "سوريا على طول"، أن أصوات الكراهية أصبحت جليّة في الأوساط التركية، معتبرين أن "النقطة الفاصلة" كانت الانتخابات البلدية الأخيرة في إسطنبول، لكنها لم تكن البداية التي ترتبط بعوامل أخرى متعددة، تظهر على المستويات الأمنية والاقتصادية والسياسية في تركيا.

أول هذه العوامل، من ناحية الزمنية على الأقل، يتمثل في التفجيرات الإرهابية التي طالت مناطق تركية على الحدود السورية. كان أكثرها دموية تفجير الريحانية في 11 أيار/مايو 2013، الذي أودى بحياة 51 شخصاً، واتهمت السلطات التركية المخابرات السورية بالمسؤولية عنه. وكذلك الاعتداء الذي تبناه "تنظيم الدولة" (داعش) على مطعم في اسطنبول في ليلة رأس السنة 2017، وأفضى إلى مقتل 39 شخصاً وإصابة عشرات آخرين بجراح.  

أهم من ذلك، تنامي النشاط الكردي المناهض للدولة التركية، سواء من حزب العمال الكردستاني ( PKK) في تركيا، أو حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) في سوريا.

ورغم أن تركيا، على المستوى الرسمي، لم تُحمّل الثورة السورية المسؤولية عن تنامي النشاط الكردي المناهض، فإن ثمة شعور يسود بين عدد غير قليل من المواطنين الأتراك بأن اللجوء السوري ساهم في انخفاض مستوى الأمن الداخلي، وازدياد نشاط عمليات "تنظيم الدولة" و"العمال الكردستاني" المدرج على لائحة الإرهاب التركية.

العامل الآخر، ولربما الأبرز، في تنامي الفجوة بين المواطنين الأتراك واللاجئين السوريين هو الأزمة التي دخلها الاقتصاد التركي منذ العام 2016، ورافقها تحميل اللاجئين المسؤولية عنها، ولو جزئياً، من قبل مواطنين أتراك وأحزاب وشخصيات معارضة لحزب العدالة والتنمية.

وذهب عمران عبد الحق، المحاضر الاقتصادي في جامعات تركية، في حديثه إلى "سوريا على طول"، إلى أن "تدهور قيمة الليرة التركية كان سبباً في ارتفاع الأصوات المعادية للسوريين، لا سيما مع إيحاء المعارضة التركية بأن السوريين عبء على الاقتصاد التركي". مؤكداً في المقابل أن "السوريين ساهموا في الاقتصاد التركي، فضلاً عن تنفيذ مشاريع بنية تحتية [في تركيا] بفضل الدعم الأوروبي المقدم لصالح السوريين".

الأمر ذاته يلفت إليه خبراء، بأن اقتصاد تركيا تأثر فعلياً مع بدء العمليات الإرهابية، ومن ثم محاولة الانقلاب الفاشلة في العام 2016، والتوتر بين الحكومة ممثلة بالحزب الحاكم والأحزاب التركية المعارضة، فضلاً عن الانتخابات الرئاسية الأميركية العام 2016، وما تبعها من سياسات أميركية وأوروبية تجاه تركيا. رغم ذلك، كان اتهام السوريين باضطراب الاقتصاد موجوداً في أوساط المعارضة التركية، رغم وجود دراسات تفنّد ذلك.

وأقرت آيلا مصطفى، المواطنة التركية من مدينة إسطنبول، بوجود مؤشرات على العنصرية بين أتراك تجاه السوريين، عازية بعض هذه المؤشرات إلى أسباب غير سياسية، من قبيل شعور "المواطن التركي بالعبء على الخدمات الأساسية، وازدياد أعداد المراجعين في المستشفيات ودوائر الدولة".

أتراك يتجمهرون أمام محلات للسوريين في منطقة "أكتيلي"، في 30/6/2019 (sendika)

في المقابل، كانت دراسة أجرتها المؤسسة الدولية للتكنولوجيا والبحوث الاقتصادية والاجتماعية (UTESAV) بالشراكة مع جامعة "إسطنبول ميديبول"، العام الماضي، أظهرت وجود مساهمة إيجابية للاجئين السوريين في الاقتصاد التركي. إذ بحسب الدراسة –التي تهدف إلى القضاء على أحد مصادر التحامل التمييزية ضد السوريين– فإن عدد الشركات السورية التي سجلت في مدينة غازي عنتاب في العامين 2016 و2017 تجاوز 200 ألف شركة. فيما يحتل السوريون 25 بالمائة من الأنشطة الاقتصادية للشركات الأجنبية في إسطنبول.

وقود صراع سياسي داخلي

تبنت تركيا حزب العدالة والتنمية، رسمياً، ملف اللجوء السوري. وقدّمت تسهيلات خدمية وإنسانية لم تشهدها دول اللجوء الأخرى. أيضاً، استخدمت الحكومة التركية (كما المعارضة) الملف السوري في السجالات السياسية، ما دفع الشارع التركي، بشكل عام، إلى اعتبار السوريين محسوبين على طرف ضد آخر.

وكما أوضحت آيلا مصطفى، فإذا كان الرئيس أردوغان قد "استغل ورقة اللاجئين لصالحه، فإن معارضيه يعتقدون أن السوريين في صف الحزب الحاكم، وساهموا في تأجيج الشارع ضدهم".

فيما اتهم الصحفي تكين المعارضة التركية "باستخدام لهجة عنصرية ضد السوريين، وتلفيق أكاذيب لا صحة لها لاستقطاب الشارع، منها استيلاء [السوريين] على وظائف كانت مخصصة للأتراك، وإضرارهم بالاقتصاد". 

لكن خالد العلي، وهو لاجئ سوري مقيم في إسطنبول، الذي تحدث إلى "سوريا على طول" طالباً عدم ذكر اسمه الحقيقي لدواع أمنية، يرى أن ما يجري في الشارع التركي هو "[انعكاس] للخطابات الرسمية والمعارضة على حد سواء". معتبراً في حديثه لـ"سوريا على طول" أن "تعبير الشارع [التركي الرافض] للسوريين إنما جاء بضوء أخضر من الطرفين".

مع ذلك، يظل صحيحاً أن بروبوغاندا فريق من المعارضة التركية، تلعب دوراً حاسماً في تأجيج "خطاب الكراهية" تجاه اللاجئين السوريين، لا سيما عبر الترويج لإشاعات في أوساط الشارع التركي "لا أصل لها". وهو ما دفع رئاسة حقوق الإنسان التابعة لحزب العدالة والتنمية (الحاكم) إلى نشر تقرير مفصل يتناول الإشاعات المنتشرة بين المواطنين الأتراك عن السوريين ويفندها بالأدلة.

من أهم هذه الإشاعات تضخيم نسبة الجرائم المرتكبة من قبل السوريين، رغم أنها لا تتجاوز 1.32% من إجمالي الجرائم في تركيا بين العامين 2014 و2017.

كما نفى التقرير ما يشاع عن منح بيوت مجانية للسوريين، أو امتناعهم عن دفع ضرائب المركبات، وتخصيص رواتب شهرية لهم، أو تمتّعهم بحق التصويت خلال الانتخابات من دون تمتعهم بالجنسية التركية.

هذا الخلاف بين الحزب الحاكم المحسوب على اليمين في سياساته، وأحزاب المعارضة اليسارية في تركيا، أوجد معادلة معكوسة إذا ما قورن مع الأحزاب الأوروبية، كما ذكر لـ"سوريا على طول" عمر أوزكيزيليك، المحلل في مؤسسة "سيتا"، وهي مؤسسة بحثية مستقلة مقرها في العاصمة التركية أنقرة. إذ "عادة ما تكون الأحزاب اليسارية أكثر [تعاطفاً مع] اللاجئين، لكن في تركيا الأمر مختلف. وأينما ضعف حزب العدالة والتنمية زاد الاستياء من اللاجئين، حتى إن بعض رؤساء البلديات المؤيدة لحزب الشعب الجمهوري منعت دخول السوريين إلى بعض المناطق".

مستقبل مجهول

رغم مكانته الاجتماعية والعلمية، عبر عمران عبد الحق عن تخوفه من "التغير [في التعامل مع السوريين] على المستوى الرسمي، من خلال تطبيق القوانين بحرفيتها [عليهم] بعد إعطائهم هامشاً من المرونة في السنوات الماضية".

إذ رغم تطمينات رسمية تركية على لسان وزير الداخلية إسماعيل تشاتاكلي، بأن "تركيا لن ترغم أحداً من السوريين على العودة إجبارياً إلى سوريا"، إلا أن تكرار لغة "التحذير" من الوزير التركي بترحيل مرتكبي الجرائم "الخطيرة"، إضافة إلى حوادث الاعتداءات، ربما تنبئ بمرحلة جديدة للاجئين السوريين، الذي تمتعوا في تركيا بظروف معيشية أفضل مما هو متاح لمواطنيهم من اللاجئين في دول جوار أخرى.

في المقابل، دعا أوزكيزيليك، إلى ضرورة وضع ملف اللاجئين السوريين في سياقه وحجمه الحقيقيين، مؤكداً أن "تركيا رغم مخاوف السوريين المشروعة هي الخيار الأفضل"، كون "الاتحاد الأوروبي أصبح مجنوناً" حسب تعبيره، بعد وصول نحو مليون لاجئ إليه، بينما تركيا تستضيف 3.5 مليون لاجئ منذ سنوات!

إذ رغم الأوساط المشحونة، كما قال أوزكيزيليك لـ"سوريا على طول"، فإن "السياسات التركية تجاه اللاجئين السوريين ستركز على الاندماج أكثر من ذي قبل"، مع "التشدد في منع تدفق لاجئين جدداً".

وهو ما ذهب إليه الصحفي تكين، معتبراً أن "السياسة التركية [تجاه اللاجئين السوريين] لم تتغير على المستوى الرسمي، ولا يوجد أي مؤشر لذلك".

أما على المستوى الشعبي، فقد شارك مواطنون أتراك، يوم السبت الماضي، في وقفة تضامن مع السوريين في إسطنبول، رداً على اعتداءات أتراك على محال تجارية لسوريين في منطقة "أكتيلي"، إثر مزاعم بأن طفلاً سورياً دون الثامنة عشرة اعتدى لفظياً على طفلة تركية، ما دفع الشرطة إلى التدخل لوقف الاعتداءات. 

ولفت رئيس الجمعية العربية متين توران، وهي إحدى الجهات المنظمة للوقفة، إلى أن "البعض يريدون لعب دور سلبي، [بأن] يثيروا اشتباكات مع السوريين".

لكن برأي خالد العلي، فإن "الخوف ليس في السياسات الداخلية فحسب، وإنما من إعادة السوريين إلى بلادهم أو تسليم تركيا ملف الشمال السوري للنظام، وهذا ما يزيد رهبتنا من مستقبل مجهول".