رجل يبيع السمك في مدينة درعا في تشرين الثاني، الصورة من محمد أبازيد

يمضي أحمد أيامه جالساً في منزل من غير نوافذ، تعرض للقصف خلال الهجوم الساحق للحكومة السورية على الجنوب السوري، كان يقع تحت سيطرة المعارضة في وقت سابق من هذا العام.

وكان أحمد، البالغ من العمر 26 عاماً، يعمل في الدفاع المدني السوري، وهو مجموعة من المستجيبين الأوائل المعروفين باسم الخوذ البيضاء، ومع اقتراب القوات الموالية للحكومة من مسقط رأسه في فصل الصيف، قرر أحمد البقاء في المدينة ورفض تسوية وضعه مع دمشق، وركوب حافلات الإجلاء الحكومية المتوجهة شمالاً إلى محافظة إدلب تحت سيطرة المعارضة.

ولا يغادر أحمد منزله الآن، خوفاً من الانتقام الحكومي بسبب عمله السابق، وعدم وجود وظيفة يذهب إليها.

وقال أحمد لسوريا على طول "أجلس في المنزل دون أي عمل، والمنزل مدمر جزئياً ونحاول إعادة ترميمه بالمال الذي نملكه".

وأضاف متحدثاً عن قطعة الأرض التي يملكها في الريف خارج مدينته، كوسيلة للخروج من الأزمة المالية "لديّ قطعة أرض أحاول استصلاحها، ربما تكون مصدر دخل صغير لي".

وأشار بعض سكان درعا إلى الحدود السورية الأردنية والتي تبعد بضعة كيلو مترات جنوب منزل أحمد، كوسيلة للخروج من الجمود الاقتصادي.

وفي الشهر الماضي، وافقت سوريا والأردن على إعادة فتح معبر جابر – نصيب، للمرة الأولى منذ ثلاث سنوات، ورغم انتشار قصص رحلات التسوق في فترة ما بعد الظهر، بسوق الحميدية في دمشق عبر وسائل التواصل الاجتماعية الأردنية، إلا أن السوريين على الجانب الآخر من الحدود يرون القصة مختلفة عن العودة المفترضة للحياة الطبيعية.

وذكر عبدلله، أحد السكان المحليين في العشرينيات من عمره، لسوريا على طول  "في بعض الأحيان أشعر بأن معبر نصيب قد تحول إلى موقف للسيارات الأردنية" واصفاً التغيير الذي حدث في المنطقة بعد فتح المعبر.

ويقع نصيب على امتداد الطريق السوري الدولي السريع، الذي كان يمتد من تركيا إلى اليمن، وعاد إلى العمل بشكل جزئي.

وأضاف عبدلله " هناك حركة مستمرة للسيارات الأردنية كل يوم في نصيب، والكثير من الناس يأتون إلى هنا للتسوق".

وتم الترحيب بهذه الخطوة من قبل الأردنيين الذين يعيشون على الجانب الآخر من الحدود، بعد أن تركت سنوات الركود الاقتصادي التي خلفتها الحرب السورية  أثراً سيئاً عليهم، وقال أصحاب العمل المحليون في شمال الأردن" يبدو أن الأوضاع في طريقها للتحسن".

الجدار الحدودي الذي يرسم نهاية الأراضي الأردنية وبداية المنطقة الحرة على الحدود السورية – الأردنية. تصوير وليد النوفل.

وفتحت المخازن والمحلات التجارية المنتشرة بين المدن في شمال الأردن على طول الطريق السريع الشمالي المؤدي إلى دمشق أبوابها من جديد، وملئت رفوف المحلات بالسجائر اللبنانية الرخيصة، والمنتجات سورية الصنع التي كانت مقطوعة لسنوات، ووجد مالكو المتاجر والموظفون على حد سواء فرص عمل مرة أخرى، كما رحب المسؤولون الأردنيون والسوريون بافتتاح الحدود كعلامة رئيسية على تحسن العلاقات، بالإضافة إلى زيارة الوفد البرلماني الأردني للرئيس بشار الأسد في دمشق الأسبوع الماضي، لمناقشة العلاقات التجارية والنقل المزدوج.

ومع ذلك، فإن الوعود التي ترافقت مع افتتاح معبر نصيب تركت العديد من السوريين المرهقين بسبب الحرب في محافظة درعا الجنوبية، يعانون من ضائقة مالية كبيرة، وغارقين في التضخم المالي السريع وارتفاع الأسعار بشكل كبير.

وقال عبد الله، لسوريا على طول، من الجانب السوري للحدود "هناك ارتفاع واضح في الأسعار، الخضراوات واللحوم وزيت الزيتون والسجائر، بالنسبة للناس العاديين هنا، أصبح الوضع صعباً للغاية".

"لا أحد يفكر في المواطن العادي"

في تموز، شنت القوات الموالية للحكومة هجوماً جوياً وبرّياً مكثفاً - بدعم من القوة الجوية الروسية - وسيطرت من خلاله على كامل محافظة درعا، جنوب غرب سوريا، ومحافظة القنيطرة المجاورة.

وأدى هجوم الجيش السوري والقوات المتحالفة معه إلى السيطرة على الجنوب، بلدة تلو بلدة، من خلال مزيج من القوة العسكرية وسلسلة من اتفاقيات المصالحة، التي هدفت إلى إعادة فرض سيطرة دمشق على السكان ومقاتلي المعارضة.

وتم إجلاء الآلاف، بما فيهم مقاتلي المعارضة والمسؤولين والعاملين بالمنظمات الإغاثية، شمالاً  لتجنب الحياة تحت سيطرة الحكومة.

ولكن خروج البنية التحتية للمعارضة، التي تضم المنظمات غير الحكومية ومنظمات المجتمع المدني ومانحي الخدمات المحليين وداعمي المعونات الدولية، ترك الاقتصاد المحلي في حالة يرثى لها، بعد أشهر من توقف القتال، فقد تم حل المنظمات غير الحكومية التي كانت تعمل سابقاً في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، عندما استعادت الحكومة سيطرتها على المنطقة، ونتيجة لذلك، اتسمت الحياة في الجنوب بعد المصالحة بانتشار البطالة ونقص الخدمات العامة الحيوية.

وقال أحمد، عنصر سابق في الدفاع المدني "في البداية، كنت فرحاً بفتح المعبر لأن ذلك يعني أننا سنرى مجدداً أشخاصاً آخرين من بلد آخر بعد انقطاعنا عن العالم أثناء الحرب".

وتابع قائلاً "لكن بالنسبة للمدنيين، لم يتغير شيء بخلاف ارتفاع الأسعار، معظم الشبان في درعا، عاطلون عن العمل ولا يفعلون أي شيء بسبب تضخم البطالة في المنطقة".

ووصف العديد من سكان درعا، الذين تحدثوا إلى سوريا على طول، ارتفاع الأسعار بأنه مصدر قلق رئيسي بالنسبة لهم من الناحية الاقتصادية، وفي الوقت الذي يتدفق فيه المتسوقون الأردنيون إلى نصيب والمدن المجاورة الأخرى للحصول على السلع بأسعار أرخص مقارنة مع الأسعار المرتفعة في موطنهم، قال السكان على طول الحدود الجنوبية لسوريا، إن أسعار السلع الأساسية زادت بشكل لا يمكن تحمله.

وقال عمار، وهو أب لخمسة أطفال من ريف درعا يمتلك متجراً صغيراً في مدينته "كان كيس الطحين بـ٨٣٠٠ ليرة (١٦ دولاراً)، والآن أصبح بـ١١ ألف ليرة (٢١ دولارا)".

وأضاف، أن أسعار زيت الطهي والسكر زادت أيضاً، في حين يشكو آخرون من ارتفاع أسعار البطاطا وغيرها من المنتجات، بما في ذلك تلك المنتجة محليا.

وتابع عمار "كصاحب متجر، أنا أستفيد من ذلك"، لكنه أشار إلى أنه فقد عدداً "كبيراً" من زبائنه السوريين السابقين.

"معظم زبائني هم من الأردنيين منذ إعادة فتح الحدود".

ووصلت زيادة الأسعار إلى المناطق المجاورة في الجنوب، والتي لم تطالها هجمات هذا الصيف، ففي محافظة السويداء المجاورة، وحتى في مناطق بعيدة مثل دمشق، ألقى السكان وأصحاب المتاجر باللوم على كل من الحدود التي أعيد فتحها، وكذلك الانخفاض المفاجئ لقيمة الليرة الشهر الماضي، وهو ما جعل شريحة من السوريين عاجزة حتى عن تأمين الاحتياجات الأساسية.

وقال حسن، صاحب متجر صغير محلي في مدينة السويداء، لسوريا على طول "التجار يبيعون السلع بأسعار مرتفعة للأردنيين ولا يبيعونها للسوريين كما في السابق، الناس لا يستطيعون شراء ما نبيعه للأردنيين".

"ولا أحد يفكر في المواطن العادي".

"يستغرق الأمر وقتا"

لم تكن الحدود، التي تحدد الآن شكل الحياة الاقتصادية لجنوب سوريا، موجودة بشكل دائم، فأسماء العائلات واللهجات العربية والعلاقات القبلية التي تربط جنوب سوريا وشمال الأردن، تم فصلها رسمياً منذ قرن تقريباً عندما رسم المسؤولون في الحقبة الاستعمارية خطاً حدودياً عبر سهول حوران.

وقال آرون لوند، وهو محلل وزميل في مؤسسة Century "لديك نفس المجموعات القبلية أو العشائر على جانبي الحدود"، بينما يعمل المعبر "كشريان حياة للتجارة الأردنية، السورية ماراً عبر سوريا والأردن ".

وقال المحللون بأن الاقتصاد على جانبي الحدود لم يتحسن كثيراً، ولكن يمكن أن يتم ذلك في حال استمرار العلاقات الاقتصادية، وتعافي الجنوب السوري من فترة ما بعد الحرب.

وقال شادي الأحمد، وهو خبير اقتصادي من دمشق، لسوريا على طول "لقد حقق الأردن فوائد أكثر إيجابية من سوريا، نتيجة لإعادة فتح المعبر"، لأسباب منها، أنه يمكنه الوصول إلى "السلع والمنتجات السورية ذات الجودة الأعلى والأرخص" مقارنة بالدول المجاورة.

وأضاف "بعض السوريين يشعرون بأنهم ظلموا بسبب المعبر... بما في ذلك حقيقة، أن السوريين لا يملكون الحق في الدخول إلى الأردن دون الحصول على إذن من الجانب الأردني" في حين يمكن للأردنيين عبور الحدود بسهولة أكبر.

وفي أواخر تشرين الأول، اشتكى أعضاء مجلس الشعب السوري من غياب "المعاملة بالمثل" فيما يتعلق بترتيبات التنقل والتجارة عبر الحدود بين سوريا والأردن.

ونقلت صحيفة الوطن اليومية الموالية للحكومة، عن عضو مجلس الشعب رياض شتيوي قوله "الأردن يراهن كثيراً على سوريا، من خلال فتح معبر نصيب، على تنشيط وضعه الاقتصادي، لكن هذا لا ينبغي أن يكون على حساب المواطن السوري".

وقال الأحمد لا يمكن اعتبار إعادة فتح معبر نصيب "محفزاً أساسياً للاقتصاد السوري"، في الوقت الراهن على الأقل. لكن هذا قد يتغير.

وقال لوند "على العموم، أعتقد أن البلدين سوف يستفيدان اقتصادياً، ولكن من الذي يستفيد أكثر؟".

ومع عزل سوريا سياسياً واقتصادياً، قد تكون بعض المنافع أكثر وضوحاً من غيرها، بحسب لوند، "فهناك ثمن سياسي وهناك مكاسب سياسية أيضاً، لكن من الناحية الاقتصادية، إنه فوز".

وتابع لوند "يستغرق الأمر وقتاً للحصول على أي نوع من أنواع المنفعة الاقتصادية بعد الإغلاق".

ولا يزال أحمد، العامل السابق في الدفاع المدني، يبحث عن وظيفة في ظل اقتصاد درعا الراكد، ويعلق آماله في بعض الأحيان على قطعة الأرض هذه، في مكان ما خارج مسقط رأسه، وفي أحيان أخرى، يرغب ببساطة في مغادرة البلاد تماماً.

وقال "الناس هنا تعيش على الحظ، إذا تمكنا من تأمين الطعام... نأكل، وإن لم نتمكن لا نأكل".

 

* قامت سوريا على طول بتغيير أسماء جميع المدنيين وأصحاب المتاجر المذكورين في هذا التقرير لحماية هويات المصادر.

 

هذا التقرير هو الثاني في سلسلة من جزأين، لتقييم الأثر الاقتصادي لإعادة فتح معبر جابر-نصيب الحدودي في كل من الأردن وسوريا. اقرأ الجزء الأول المتعلق بالجانب الأردني من الحدود هنا.