عمان- "واشنطن: عامودا معاكِ للموت..!!"، كانت اللافتة التي رفعها الناشط الإعلامي من مدينة عامودا شمال شرق سوريا، معصوم محمد، صيف العام 2017، ترحيباً بالقوات الأميركية التي انتشرت على الشريط الحدودي مع تركيا، عقب اشتباكات عنيفة بين الجيش التركي ووحدات حماية الشعب الكردية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي الذي تعتبره تركيا امتداداً لحزب العمال الكردستاني المدرج على قوائم الإرهاب التركية والأميركية.

طبعاً، لم يكن يقصد محمد، وغيره من سكان شمال شرق سوريا الذين خرجوا مرحبين بالجنود الأميركيين آنذاك، أن تتخلى عنهم واشنطن عندما تحين ساعة الموت مجازاً، كما حصل فعلاً بداية الشهر الحالي، بإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، سحب قوات بلاده من شمال سوريا. وهو ما مكن تركيا من تنفيذ عمليتها العسكرية "نبع السلام" في شرق الفرات، معتمدة على فصائل المعارضة السورية المنضوية في ما سمي "الجيش الوطني السوري"، بدعوى محاربة الإرهاب المتمثل في وحدات حماية الشعب الكردية.

ومع ما مثلته العملية التركية من نقطة تحول في مصير منطقة شرق الفرات برمتها، يقول محمد اليوم لـ"سوريا على طول": "لو رأيت العربات العسكرية [الأميركية] وهي تنسحب، سأقول: عامودا لن تسامحكم". مضيفاً أن "الشعب الكردي كان ينظر إلى الأميركيين كداعم وحليف الدائم، خاصة بعد القضاء على [تنظيم الدولة] داعش. لكن بعد السماح لتركيا بالحرب ضدنا، تحولت نظرتنا إلى الكره والاستياء منهم، وأنهم خانوا الكرد وقوات [سوريا الديمقراطية] التي ضحت بشبابها في سبيل الخلاص من داعش".

ومنذ العام 2012، تسيطر "الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا"، التي أعلن حزب الإتحاد الديمقراطي (PYD) تأسيسها لاحقاً  في عام 2013، على مناطق شرق الفرات. فيما أدت شراكة الإدارة الذاتية مع الولايات المتحدة، منذ تشرين الأول/أكتوبر 2015، لمواجهة "تنظيم الدولة" (داعش) إلى توسيع نفوذ هذه الإدارة سياسياً وإدارياً وعسكرياً، عبر جناحها العسكري المتمثل منذئذ في قوات سوريا الديمقراطية (قسد). لتتوسع سيطرتها من محافظة الحسكة إلى ما نسبته حوالي 30% من الأراضي السورية في شمال وشرق البلاد.

هذه الشراكة نأت بالمنطقة عن الصراعات المحتدمة بين القوات الحكومية والمعارضة في كافة الأراضي السورية، بحيث بدت الأكثر أمناً واستقراراً مقارنة بكثير من المناطق الأخرى في سوريا.

لكن مع تقدم الجيش التركي والجيش الوطني السوري إلى مدينة تل أبيض الحدودية شمال محافظة الرقة، لجأت "قسد" إلى عقد اتفاقية مع حكومة دمشق برعاية روسية، سمحت للقوات الحكومية بالانتشار والتوغل في مناطق شمال وشرق سوريا. 

بالنتيجة، صارت مناطق شمال وشرق سوريا التي كانت خاضعة لـ"قسد" مقسمة بينها وبين كل من فصائل المعارضة المدعومة من تركيا والقوات الحكومية والروسية. الأمر الذي بعث القلق والخوف في نفوس المواطنين، الذين يخشون القوات المدعومة تركياً، أو القوات الحكومية المدعومة عسكرياً، أو كليهما.

هكذا، وبعد أن كانت "أي منطقة تابعة للنفوذ الأميركي في أمان"،  برأي شفان عمر (اسم مستعار) من مدينة القامشلي، فإنه اليوم يشعر كما كثيرون من أبناء المنطقة "بالإهانة"، وأهم من ذلك "الخوف من المجهول الذي ينتظر المنطقة؛ فلم نعد بحالة من الاستقرار، بل نتهيأ للنزوح في أي لحظة". 

ويشدد عمر في حديثه إلى "سوريا على طول" أن "دخول قوات النظام يعني أنه لن يبقى شاب في المنطقة خوفاً من الملاحقة الأمنية أو الإجبار على الالتحاق بالجيش". متسائلاً: "هل يدرك الأميركيون ماذا فعلوا بنا؟ هل كنا نستحق منهم كل هذا؟".

وقد انتشرت قوات الهجانة التابعة للقوات الحكومية على الشريط الحدودي بين سوريا وتركيا في مدينتي عاموداً والدرباسية اللتين انسحبت منهما قوات "قسد" بغطاء جوي روسي. لكن "قسد" أصدرت بياناً اليوم الأحد 27 تشرين الأول/ أكتوبر، تؤكد فيه أن "المؤسسات ستبقى تحت إشراف الإدارة الذاتية".

كذلك، عادت دفعة من القوات الأميركية إلى الأراضي السورية بعد أيام من انسحابها نحو العراق، للتمركز في ريف دير الزور الشرقي.

ويذكر أن القوات الأميركية انسحب من الشمال السوري في عين عيسى شمال الرقة ومطار الطبقة في جنوب الرقة، وقاعدة "خراب عشك" بريف مدينة عين العرب (كوباني)، وحافظت على تواجدها في محافظة الحسكة وريف دير الزور الشرقي. 

وبحسب أحد مقاتلي "قسد" من الذين عملوا مع القوات الأميركية، فقد "أصبحنا مع الأسف حراساً للنفط"، في إشارة إلى تغريدة للرئيس ترامب في 24 تشرين الأول/ أكتوبر الحالي بأنه "ربما حان الوقت للأكراد لبدء التوجه إلى منطقة حقول النفط"، للحيلولة دون سيطرة مقاتلي داعش عليها. مضيفاً في حديث إلى "سوريا على طول" أن جنوداً من القوات الأميركية "حزينون لأجلنا، ولكن قرار [الانسحاب] سياسي".

لكن الناشط معصوم محمد رأى أن الناس فقدت ثقتها بالقوات الأميركية، ولا يغير ذلك عودتها إلى المنطقة.