سكان مدينة اللاذقية يصوتون، يوم الأحد. تصوير: حزب البعث العربي الاشتراكي - فرع اللاذقية.

قالت وكالة الأنباء السورية سانا أن إقبال السوريين على صناديق الاقتراع كان "جيدا" في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، هذا الأسبوع، حيث توجهوا "لممارسة حقهم الدستوري"، في إشارة إلى الانتخابات المحلية الأولى في البلاد منذ بداية الحرب.

وفي تسجيلات الفيديو التي نشرتها وسائل الإعلام الحكومية، ظهر المواطنون وهم يملؤون أوراق الاقتراع ويضعونها في صناديق بلاستيكية، ملفوفة بأعلام الحكومة السورية من كافة الجوانب. وكتب على أحد الملصقات الانتخابية عبارة: "مشاركتكم- حق وواجب".

وبحسب سانا كانت نسبة المشاركة مرتفعة للغاية يوم الأحد، حيث تم تمديد فترة التصويت لمدة خمس ساعات.

إلا أن الأهالي الذين تحدثوا إلى سوريا على طول، هذا الأسبوع، أبدوا عدم تفاؤلهم عند الحديث عن أهمية الانتخابات المحلية.

وقال عضو سابق في المجلس المحلي لمدينة إنخل في درعا، كانت تديره المعارضة، لسوريا على طول، في وقت سابق من هذا الأسبوع، شريطة عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية "قاموا بوضع ٢٥ اسم أمام الناس، وقالوا لهم: خذوا هذه الأسماء وصوِتوا لها".

كما أشار أبو أيهم الحوراني، موظف في بلدية تديرها الحكومة الآن في ريف درعا، إلى أن الانتخابات كانت شكلية إلى حد كبير. وطلب الحوراني عدم ذكر اسمه الحقيقي لأسباب أمنية.

وأضاف "إن القائمة لا تضم أسماء معارضة، والفائزين كانوا معروفين حتى قبل أن تنتهي الانتخابات".

ومع ذلك، فإن نتائج الانتخابات يمكن أن تشكل رؤية جوهرية للمشهد السياسي السوري المستقبلي، حيث يوطد جيل جديد من النخبة السياسية والاقتصادية سلطته، وتستعد الحكومة السورية لإعادة الإعمار في المناطق الخاضعة لسيطرتها.

"حلقة وصل بين المواطنين والدولة"؟

منذ أن وصل حزب البعث للسلطة في عام ١٩٦٣، اشتهرت الحكومة السورية بهيكلها الإدارة المركزي. وعندما تولى حافظ الأسد والد الرئيس السوري بشار الأسد الحكم عام ١٩٧٠، عمل على إشراك قادة المجتمع المحلي والنخب في الجهاز الإداري للحكومة من خلال المجالس المحلية.

وبعبارة أخرى، كانت المجالس المحلية في سوريا وسيلة لنقل توجيهات السلطة للشعب، وليس العكس.

وقال فابريس بلانش، وهو خبير في الشأن السوري وزميل في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأوسط، لسوريا على طول "لم تكن الانتخابات المحلية في سوريا ذات أهمية".

"معظم العاملين في البلدية هم موظفون مدنيون يعملون لصالح الدولة".

وعندما اندلعت الثورة في جميع أنحاء البلاد في عام ٢٠١١، اعتمدت الحكومة السورية قانون اللامركزية- والمعروف باسم المرسوم التشريعي ١٠٧- والذي ينص على نقل المسؤوليات السياسية من الحكومة المركزية إلى المجالس المنتخبة محليا. ومع أن القانون يحظى بتأييد واسع من الحكومة والمعارضة ويشكل عنصرا أساسيا في محادثات السلام التي تقودها الأمم المتحدة، إلا أنه لم يتم التوصل إلى اتفاق بشأن تنفيذه بعد.

لكن الآن، وبينما تفرض الحكومة السورية سيطرتها على جزء كبير من البلاد بعد سبع سنوات من الحرب، يمكن أن تعكس انتخابات عام ٢٠١٨ محاولة من دمشق "لتوحيد شبكات قوتها... على أدنى مستوى"، بحسب ما قاله المؤلف والأكاديمي جوزيف ضاهر، الذي درس جهود إعادة الإعمار وشبكات الأعمال الموالية للحكومة في سوريا، يوم الاربعاء.

ومن المتوقع أن تتولى المجالس المحلية المنتخبة حديثا مسؤوليات أكثر من السابق. ويفوض المرسوم ٦٦ والقانون ١٠- المثيرين للجدل واللذان تم إدخالهما منذ عام ٢٠١١ للسماح للحكومة بمصادرة وإعادة تأهيل المناطق- الكثير من المسؤولية عن إعادة الإعمار والتنمية في مرحلة ما بعد الحرب إلى السلطات المحلية.

وتسمح المراسيم للسلطات المحلية بتأسيس شركاتها القابضة لتحمل مسؤولية إعادة الإعمار. حيث قامت السلطات المحلية في دمشق وحمص وحلب بتفويض مسؤولية إعادة الإعمار والشؤون العقارية إلى الشركات القابضة.

ووفقا لمسؤول حكومي مسؤول عن تنظيم الانتخابات في درعا، تحدث إلى سوريا على طول شريطة عدم الكشف عن هويته لأنه غير مخول بالتحدث إلى وسائل الإعلام، ستتولى المجالس المحلية مسؤولية إعادة الإعمار، لكنها ستعمل "بموجب قواعد وزارة الإدارة المحلية"، مشيرا إلى الهيئة الحكومية التي تشرف على أعمال المجالس المحلية في سوريا.

وأضاف "هناك تنسيق بين الوزارة والمرشحين أنفسهم"، مشيرا إلى أن أعضاء المجلس سيكونون "حلقة وصل بين المواطنين والدولة".

ووفقا لضاهر، فإن عملية إعادة الإعمار أصبحت مرتبطة على نحو متزايد بشبكات محسوبية تابعة للحكومة والتي تتكون من النخب السياسية والاقتصادية- القديمة منها والجديدة.

وبالرغم من تشريد الملايين من المناطق وتدمير مناطق بأكملها في البلاد، إلا أن الحرب السورية كانت أخف وطأة على البعض. حيث ظهرت طبقة جديدة من الشخصيات القوية- بما في ذلك رجال الأعمال وقادة الميليشيات والسياسيين- في السنوات الأخيرة، واستفادوا بطريقة أو بأخرى من الوضع الاقتصادي  الرسمي وغير الرسمي فترة الحرب.

وربما يكون أشهر من استغلوا الحرب في سوريا هو محي الدين أبو أيمن المنفوش، تاجر ألبان من ضواحي دمشق، حيث وردت أنباء تقول بأنه قام باتصالات رفيعة المستوى داخل الحكومة السورية ليعين نفسه كوسيط رئيسي للتجارة الرسمية وغير الرسمية، بين طرفي النزاع في الغوطة الشرقية والذي دام لسنوات.

وقال ضاهر إن الانتخابات الأخيرة تمثل أكثر من مجرد العودة إلى النظام القديم، حيث ستتيح المنافسة هذا العام الفرصة للحكومة السورية لإضفاء صفة رسمية على علاقتها بالنخبة الجديدة التي أثبتت ولاءها للحكومة طوال فترة الحرب. في حين أن حزب البعث، كجزء من هذه الشبكات والأدوات المختلفة للنظام، سيؤكد مرة أخرى هيمنته على المؤسسات الرسمية كما فعل في الانتخابات البرلمانية الأخيرة.

وقال "إن القضية الأساسية هي الولاء للنظام".

"لا أحد يستطيع أن يبدي معارضته"

بالرغم من الحديث عن انتقال الحكومة من حالة الحرب إلى السلم، قال السوريون إن كل ما يريدونه هو أن يوفر المسؤولون لهم الخدمات الأساسية، بعد أن دمرت سنوات الحرب البنية التحتية للبلاد وتركتها في حالة يرثى لها.

وقال أبو مازن، أحد سكان حلب البالغ من العمر ٣٦ عاما والذي يعمل خياطا "أنا متأكد من أنه لن يحدث أي شيء جديد".

وأضاف "آمل أن يهتموا بالطرقات والصرف الصحي والكهرباء"، مشيرا إلى الأمور التي يود رؤيتها من أعضاء المجلس المنتخب حديثا. وطلب أبو مازن استخدام اسم مستعار خوفا من الملاحقة الأمنية.

وفي درعا، شكك رئيس سابق لمجلس محلي كانت تديره المعارضة بتأثير المجالس المنتخبة حديثا على حياة المدنيين. كما عبر عن قلقه من عودة قوات الأمن و"تشديد قبضة" الحكومة السورية.

وقال "لا أحد يستطيع أن يبدي معارضته أو يقول أي شيئا على الإطلاق".

 

ترجمة: سما محمد