وليد النوفل وروهان أدفاني

عمان - على امتداد السنوات الثماني الماضية، ارتفع سعر الدولار الأميركي مقابل الليرة السورية من 47 ليرة عشية اندلاع الثورة في آذار/مارس 2011 إلى أكثر من 700 ليرة حالياً. وهو تدهور تسبب في انتشار المضاربة بالعملات الأجنبية واقتناء الدولار، وأهم من ذلك مفاقمة سوء معيشة المواطنين، بحكم ارتفاع تكاليف الواردات، لاسيما من السلع الأساسية.

في جلسة لمجلس الشعب السوري، في أيلول/ سبتمبر الماضي، أنحى أعضاء في المجلس باللوم على الحكومة في التراجع المستمر في سعر العملة الوطنية. إذ اعتبر النائب بسيم الناعمة أن "تخبط الفريق الاقتصادي هو السبب في عدم استقرار سعر الصرف". فيما أشار زميله محمد خير العكام إلى أن "الواقع الضريبي في البلاد بات مزرياً؛ بمعنى وجود ثبات ضريبي ولا تعديل في القوانين".

لكن إلى جانب الفشل الحكومي، تؤدي مجموعة من العوامل الداخلية الأخرى، من بينها هيكلية الاقتصاد السوري، إضافة إلى عوامل خارجية، دوراً أساسياً في انهيار الليرة السورية.

في هذا السياق، أرجع حاكم مصرف سورية المركزي، حازم قرفول، ارتفاع سعر صرف الدولار إلى ما اعتبره "حملة ممنهجة لإضعاف الليرة والاقتصاد وزعزعة الثقة بالمصرف المركزي، ودفع المواطنين إلى الخوف والتخلي عن عملتهم الوطنية". معتبراً في اتصال هاتفي مع قناة "الإخبارية" السورية الرسمية، في حزيران/ يونيو الماضي، أن الارتفاع في سعر الصرف "وهمي وليس له أي مبررات اقتصادية وليس له أي مستند على الأرض إطلاقاً".

لكن هذه التبريرات ووجهت بانتقادات واسعة من أعضاء مجلس الشعب السوري ذاته، إذ اعتبرها الناعمة "غير متناسبة، بل بعيدة كل البعد عن الواقع".

ويظل العامل الأساس وراء تدهور سعر العملة السورية متمثلاً في الاختلالات الهيكلية في بنية الاقتصاد السوري، وفقاً للباحث الاقتصادي السوري يونس الكريم، في حديث إلى "سوريا على طول". 

اختلالات هيكلية

بين العامين 2010 و 2016، انخفض الناتج المحلي الإجمالي في سوريا من 60.2 مليار دولار إلى 12.4 مليار دولار. وبالتالي، اعتمدت الحكومة بشكل متزايد على البنك المركزي لتغطية نفقاتها، ما أدى إلى انخفاض احتياطي العملة الصعبة من 20 مليار دولار في العام 2010 إلى 0.7 مليار دولار في عام 2015، بحسب تقرير للبنك الدولي.

هذا "الانكشاف المالي" دفع، بدوره، التجار السوريين إلى الاستحواذ على الدولار بشتى الطرق، بحسب الكريم، لاسيما "عند استيراد النظام لأي سلعة. إذ يعمل التجار على الاستحواذ على الدولار والسلعة، من دون إعادة طرح [الدولار] في السوق لإنعاش دورة رأس المال". وهو ما تسبب في إدخال رأس المال في "حالة سبات وشلل"، وأدى بالنتيجة إلى "تدمير الاحتياطي السوري الذي أصبح الآن في مستودعات التجار والمتنفذين وأمراء الحرب".

وحتى قبل العام 2011، بحسب الكريم، كانت سوريا قد شهدت تراجعاً في القطاعات الإنتاجية للاقتصاد، مثل التصنيع والتعدين والنفط والزراعة. الأمر الذي تفاقم خلال الحرب، فيما استفاد التجار والمهربون والمضاربون من الهيكل الاقتصادي المتغير للبلاد.

إذ تحتاج البلدان التي ترغب في المشاركة في الاقتصاد العالمي إلى الوصول إلى العملات الأجنبية بشكل عام، لاسيما الدولار الأميركي. ومع التراجع الحاد في نشاط القطاعات المولدة لاحتياطات العملة الأجنبية، مثل السياحة وإنتاج النفط، تزايد الضغط على العملة السورية.

ويعتبر الباحث في الاقتصاد السياسي بجامعة لوزان في سويسرا، جوزيف ضاهر، أن "صعود اقتصاد التجارة والخدمات على حساب التصنيع والزراعة، تفاقم خلال الحرب، نتيجة الدمار الهائل الذي لحق بالمصنّعين، وهروب رؤوس الأموال".

مضيفاً في حديثه إلى "سوريا على طول"، أن سوريا "تحتاج استثمارات مهمة طويلة الأجل، لكننا شاهدنا فقط الاستثمار في القطاعات ذات العوائد القصيرة [الأجل]".

تخبط نقدي وفساد اقتصادي

منذ العام 2011، بدا التخبط واضحاً في أداء مصرف سوريا المركزي، رغم تعاقب ثلاث شخصيات على إدارته. وفيما حاول حاكما المصرف السابقين؛ أديب ميالة ودريد درغام، "جعل المصرف أحد المضاربين في السوق، والمحرك الأساسي له، اتخذ [المصرف] في عهد الحاكم الحالي قرفول وضعية السكون، وعدم التدخل أو بث تطمينات للجمهور"، كما قال يونس الكريم، ما تسبب في "حالات اضطراب شديدة وعشوائية للسوق السورية، وترك المجال لتجار وأفراد [آخرين] للتدخل والتلاعب بسعر الصرف بناءً على [مصالحهم] الشخصية".

كذلك، كما أوضح الكريم، فإن إدارات وزارة المالية السورية وقراراتها العشوائية التي تستند إلى "تعليمات الأجهزة الأمنية والمتنفذين وكبار التجار الذين يملكون الضغط على وزير المالية، ومسؤولين آخرين"، لعبت دوراً بارزاً في السياسة المالية، وذلك عبر "تحريك أذرع الجمارك، وإصدار قرارات حجز احتياطي اعتباطية، كأداة نكاية ووسيلة ضغط لتجميد نشاط بعض التجار وتشويه سمعتهم". كما صدرت مجموعة من القرارات العشوائية من وزير المالية ورئاسة الوزراء بالسماح باستيراد سلع معينة وإيقاف أخرى، ما يوحي بأن "السياسة المالية السورية منحازة، ليس لها هدف واضح".

نتيجة لذلك، أصبح كثير من التجار "في حالة خوف كبير من ضخ الأموال في السوق". ما تسبب في فقدان السلع، وقاد إلى تضخم كبير في الأسعار، وانخفاض سعر صرف الليرة، "نتيجة زيادة الطلب على الاستيراد والدولار، ليشكل عامل ضغط آخر بانخفاض قيمة الدخل وانخفاض قيمة النقد مقابل ارتفاع سعر صرف الدولار"، وفقاً للكريم.

في الأثناء، تحاول الحكومة السورية، كما أشار المحلل الاقتصادي والسياسي في معهد تشاتام هاوس، في لندن، ديفيد بوتير، إقامة سوق جديدة بين السوق الرسمي والسوق السوداء للدولار الأميركي، "من أجل تأمين العملة الأجنبية للمستوردين"، إضافة إلى إجراءات أخرى تستهدف مراقبة الأسعار وتقييد الواردات.

واعتبر بوتير أن "المصرف المركزي لم يتدخل بشكل رسمي في سوق الصرف، لأنه في وضع ضعيف". موضحاً أنه "إذا قام بتغيير سعر الصرف الرسمي، فسيكون هناك خطر من خلق حلقة مفرغة [عبر انخفاض متواصل لليرة]". لذلك "يحاول الابقاء على الوضع القائم وينتظر التطورات السياسية والعسكرية. وعلى سبيل المثال، فإن السيطرة على بعض المناطق النفطية شمال شرق سوريا، أو [نجاح] العملية السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة، قد تجلب مساعدات وأموالاً لمشاريع تنموية. ومن وجهة نظر الحكومة، فإن الحفاظ على سعر الصرف الرسمي [الحالي] قد يكون مفيداً على المديين المتوسط والطويل".

ومنذ السنوات الأولى لبدء انهيار الليرة، يحاول مصرف سوريا المركزي تحديد سعر صرف الدولار عند قيم أقل من تلك المطروحة في السوق السوداء، بحيث قد يصل الفارق بين السعرين أحياناً نحو 50%.

صراع على الاقتصاد السوري

يُظهر تتبع القرارات العشوائية الصادرة عن مؤسسات الحكومة السورية صراعاً جلياً بين مكونات النظام السوري، لاسيما مع توغل الحلفاء الروس والإيرانيين أكثر في مفاصل الدولة السورية. بحيث يمكن التمييز، بحسب الباحث يونس الكريم، بين ثلاثة أجنحة رئيسة، هي: جناح محسوب على إيران، وآخر على روسيا، وثالث محسوب على النظام نفسه "يرى أن الروس والإيرانيين حلفاء فقط، يجب أن لا يتجاوزوا ذلك، فلا يسمح لهم بأن يسيطروا على المؤسسات السيادية للدولة".

وقد أدى هذا الصراع إلى "إضعاف القدرة الاقتصادية للنظام، وخلق بنية اقتصادية هشة وغير مستقرة"، حيث تمكن الروس والإيرانيين من الاستيلاء على كثير من مفاصل الدولة وثرواتها.

في هذا السياق، وكما أوضح تقرير سابق لـ"سوريا على طول" (هبات "الأسد" الاقتصادية لروسيا وإيران تضمن مستقبله وتهدد سوريا)، يعتمد الروس "أسلوباً مافيوياً"، عبر الاستحواذ على مشاريع جاهزة وتحميل الدولة السورية أعباء تشغيلها، كما في حالة ميناء طرطوس، على سبيل المثال، والذي بات خاضعاً لعقد استثمار لمدة 49 سنة من قبل شركة "ستروي ترانس غاز" (CTG) الروسية الخاصة. في المقابل، تعتمد إيران على التغلغل في المشاريع الصغيرة التي تمس الطبقات الفقيرة لشراء ولائهم.

وبينما يحاول الجناح الثالث التخلص من الطرفين الروسي والإيراني، أو الحد من دورهما الاقتصادي، فقد وجد أصحابه أنفسهم في حالة صراع مع "الحجز الاحتياطي" و"محاولة لملمة الأموال الشخصية التي أصبحت عرضة للمصادرة".

أما من وجهة نظر الباحث جوزيف ضاهر، فإن "القضية الحقيقية هي التهريب الذي انفجر منذ اندلاع الحرب. إذ تصدر عن الحكومة بشكل دائم تصريحات بشأن معالجة هذه المشكلة، لكن لا يتم فعل شيء ضد الاحتكارات التجارية وعمليات التهريب التي يشارك فيها رجال الأعمال الجدد. يضاف إلى ذلك وجود تناقضات عميقة بين المكونات المختلفة للبرجوازية السورية".

استعجال الحسم العسكري

أدى التدخل العسكري الروسي منذ العام 2015، إلى جانب التدخل الإيراني، إلى تمكين الحكم في دمشق من السيطرة على مساحات واسعة من الجغرافيا السورية. لكن ذلك عنى، في الوقت ذاته، أعباء جديدة على الحكومة، نتيجة ارتفاع أعداد السوريين الخاضعين لها ضمن مناطق تعاني بنيتها التحتية من دمار كلي أو جزئي، ومن دون أن يوازن ذلك زيادة في المردود الاقتصادي.

ومن ثم، ذهب الباحث يونس الكريم إلى أن روسيا استعجلت الحل السياسي في سوريا بالسيطرة على مناطق المعارضة؛ إذ لم يمنح الروس النظام السوري وقتاً لإعادة ترتيب أوراقه، بحيث يضغط على منظمات الأمم المتحدة والدولية لنقل مراكزها من الأردن ولبنان إلى سوريا، وبما قد يعوض عن خسارة الأموال التي كانت تأتي إلى مناطق المعارضة على شكل منح ومساعدات إنسانية، وتصب في النهاية في المصرف المركزي رافدة احتياطيه من العملة الصعبة.

أيضاً، خلق الصراع بين حلفاء النظام على المؤسسات والمشاريع السيادية في سوريا، حالة من الخوف لدى المستثمرين من عدم وجود ضمانات لاستثماراتهم. إذ يحاول كل طرف الاستحواذ على مشاريع الطرف الآخر، كما يظهر من انتقال السيطرة على "المؤسسات السيادية، أكثر من مرة، من مستثمر إيراني إلى روسي، أو العكس"، بحسب الكريم. وبالنتيجة، صار النظام "لا يملك القرار السياسي والسيادي بمنح أو إقامة المشاريع، ما أوقف عودة المستثمرين السوريين أو العرب".

العقوبات الدولية

كذلك، لعبت العقوبات الاقتصادية الأميركية والأوروبية ضد حكومة دمشق وحلفائها الإيرانيين كما الروس، دوراً أساسياً في انخفاض الليرة. 

إذ حالت هذه العقوبات دون وصول النفط الإيراني بشكل كاف إلى مناطق سيطرة القوات الحكومية، ما فرض الاعتماد على النفط المستورد عن طريق لبنان، بكميات محدودة، متسبباً في استنزاف احتياطي العملة الصعبة، ومن ثم انخفاض سعر صرف الليرة، وتدهور النشاط الاقتصادي.

هذا الأمر "جعل جميع الاستثمارات والصناعات عالة على النظام"، كما وضح الكريم، لأن "الكل يريد منه توفير احتياجاته من المحروقات مقابل الليرة، ومن دون وجود قطع أجنبي لاستيراد النفط. ما تسبب في ارتفاع مستوى التضخم".

كما شملت العقوبات القطاع المصرفي، بحيث "لم يعد يستطيع التجار القيام بعمليات الشراء بشكل سلس، من دون وسطاء. وهو ما أدى إلى رفع سعر المواد الأولية مع قلة كمياتها، بما أدى إلى ارتفاع التضخم"، بحسب الكريم.

وقد "حاول النظام السوري التخلص من العقوبات من خلال خلق مؤسسات وأشخاص تتم من خلالهم المعاملات الاقتصادية في السوق الدولية، ارتبط كثير منهم بالحكومة الإيرانية، من مثل سامر فوز الذي كان له دور كبير في نشاطات اقتصادية لصالح النظام، وخاصة في عقد اتفاقات تجارية مع عدد من الشركات العالمية" قبل أن تفرض عليه عقوبات اقتصادية، كما قال أستاذ العلاقات الاقتصادية الدولية، حسن الشاغل، لـ"سوريا على طول". 

وأضاف الشاغل أن "أي عقوبات على مثل هؤلاء الشخصيات (سامر فوز) سوف تؤثر على الاقتصاد السوري، كون هؤلاء يملكون تأثيراً فيه".

الحراكات الشعبية في بلدان الحلفاء

تمثل العاصمة اللبنانية بيروت المنفذ الأهم للمستوردين السوريين الذين يستخدمون النظام المصرفي اللبناني. لذلك، فإن الأزمة المالية المتفاقمة في لبنان، والتي أدت إلى اندلاع احتجاجات شعبية منذ منتصف الشهر الماضي، تلعب دوراً مؤثراً في انخفاض قيمة الليرة السورية.

فمع بدء الاحتجاجات الشعبية، أغلقت البنوك اللبنانية أبوابها لمدة أسبوعين تقريباً، أعقبه فرض قيود غير رسمية على عمليات سحب الدولار الأميركي مع استئناف البنوك عملها. وهو ما يعني ارتفاع سعر الدولار للمستوردين السوريين الذين يعملون من بيروت، وتالياً ارتفاع تكلفة وارداتهم. 

وبحسب يونس الكريم، فإن "انخفاض الليرة اللبنانية، جاء نتيجة ارتباط الليرة السورية مع اللبنانية، والمضاربات على سعر صرف الدولار في لبنان لصالح النظام السوري". لكن مع عدم توفر الدولار في لبنان، فقد توقف الأخير "عن استيراد السلع والخدمات للنظام السوري".

يضاف إلى ذلك الاحتجاجات الشعبية في العراق منذ أسابيع، ومؤخراً في إيران، والتي ستؤدي حتماً إلى زيادة تكلفة وصول مواد أولية أو منتجات من البلدين إلى سوريا.

عبء الاستيراد 

يرجع العديد من مسؤولي النظام السوري أسباب انهيار العملة الوطنية إلى تزايد الاستيراد من السوق الدولية التي تعتمد، بدورها، على العملات الأجنبية، لاسيما الدولار. وقد وصل الحد برجل الأعمال السوري، أمين سر اتحاد غرف التجارة السورية، محمد حمشو، إلى القول بأن "الوضع وصل إلى درجة السرقة الموصوفة"، مطالباً بوقف تمويل الاستيراد "بشكل كامل".

وأوضح حمشو، وفقاً لما نقل موقع "الاقتصادي"، أن "غالبية المستوردين الممولين بسعر الدولار المدعوم [المحدد من قبل مصرف سوريا المركزي بقيمة 436 ليرة]، حققوا أرباحاً ضخمة من خلال فرق سعر القطع الأجنبي". 

وقال أستاذ العلاقات الدولية حسن الشاغل إنه "عندما يقوم النظام بالاستيراد بالدولار سوف يؤدي ذلك إلى انخفاض كمية قطع الدولار، لاسيما مع توقف عمليات التصدير إلى السوق الدولية التي تجعل الدولار يتدفق إلى سوريا، أي لا يوجد هناك موازنة في الميزان التجاري".

فيما توقع المحلل الاقتصادي والسياسي ديفيد بوتير المزيد من الانهيارات الاقتصادية لاسيما مع دخول فصل الشتاء وزيادة الطلب على الواردات النفطية في بداية السنة الجديدة، كون "انخفاض قيمة الليرة مرتبط بشكل وثيق بالطلب على واردات الوقود".

في هذا السياق، لفت يونس الكريم إلى أن مبلغ "700 مليون دولار من الاحتياطي الأجنبي الذي يملكه البنك المركزي السوري، والذي تحدث عنه البنك الدولي، أصبح مشكوكاً فيه حالياً، وهو أقل بكثير من ذلك". مضيفاً أن "الاحتياطي الذي كان لا يكفي الاستيراد لمدة ثلاثة أشهر، قد لا يكفي اليوم شهراً من الاستيراد"، كونه "لا يتجاوز 200 مليون دولار بأفضل حالاته".

نحو الانهيار

في موازنة العام 2019، قدرت الحكومة السورية سعر صرف الدولار بـ435 ليرة. وهو ما يعني، وفقاً للباحث يونس الكريم، أن بلوغ  سعر السوق 650 ليرة للدولار الواحد يعني انخفاضاً في الموازنة بمقدار 49.5%، وبالتالي "تعطيل كل نشاطات مؤسسات الدولة الاستثمارية والإنفاق، ما دفع دمشق للحديث عن رفع الدعم عن العديد من المواد".

وكان معاون رئيس هيئة التخطيط والتعاون الدولي في الحكومة السورية، فضل الله غرز الدين، أكد أن دعم المشتقات النفطية قد انخفض من 343 مليار ليرة في العام الحالي، إلى 11 مليار ليرة في موازنة العام المقبل، أو ما نسبته 96.8%.

لكن "رفع الدعم الآن عن العديد من المواد"، بحسب الكريم، "يخفض القدرة الشرائية، ويجعل جميع الاستثمارات غير مجدية. وهو ما يؤدي إلى عزوف المستثمرين الدوليين". مشيراً إلى أن النظام سوف يدخل في عملية المضاربة على سعر الصرف، لاسيما "مع وجود المضاربة اللبنانية على الليرة السورية، في ظل احتباس الأموال السورية في البنوك اللبنانية، وعدم توفر الدولار في لبنان، كما أن الكمية الموجودة في السوق محتبسة لدى التجار والمواطنين".

ونتيجة لذلك، فإنه "سنرى خلال 2020 أن الناتج المحلي الإجمالي أو المؤشرات الاقتصادية الكلية كلها دخلت في مرحلة الانكماش، أي المرحلة السالبة". لافتاً إلى أن "هذه هي نقطة انهيار الناتج المحلي الإجمالي؛ أي أن الأفراد لم يعودوا يستطيعون إنتاج السلع والخدمات التي يمكن بيعها، والاعتماد بالتالي بشكل كلي على اقتصاد الظل لدعم المواطنين لحياتهم. وهو ما يقود إلى انهيار مؤسسات الدولة". 

مبادرة دعم الليرة

أواخر أيلول/ سبتمبر الماضي، اجتمع حاكم مصرف سوريا المركزي، حازم قرفول، مع عدد من رجال الأعمال السوريين في فندق الشيراتون بدمشق، في مبادرة لدعم الليرة السورية التي بدأت تشهد انخفاضاً أمام الدولار هو الأسوأ منذ العام 2016.

وتقضي المبادرة بقيام رجال الأعمال بإيداع أموالهم بالقطع الأجنبي في حساب خاص، على أن يستردوا ما يعادل قيمة إيداعاتهم بالليرة السورية وفق سعر صرف يحدده مصرف سوريا المركزي، بعد شهر من تاريخ الإيداع.

وبحسب ما أعلن عضو غرفة تجارة دمشق، حسان عزقول، منتصف تشرين الأول/أكتوبر الماضي، بلغت قيمة الأموال المودعة في صندوق المبادرة مليار دولار. كما شهد سعر صرف الدولار تحسناً طفيفاً، إذ انخفض من 660 إلى 623 ليرة للدولار الواحد، قبل أن يعود إلى الارتفاع تدريجياً كاسراً حاجز 700 ليرة مؤخراً.

لكن "رقم المليار دولار" من وجهة نظر المحلل بوتير، "لا يبدو ذو مصداقية". موضحاً أن "انطباعي هو أن المبالغ لم تكن بهذا الحجم، وهناك خطر من أن الأشخاص الأقوياء الحقيقيين الذين لديهم أموال في الخارج لا يميلون إلى إعادة الأموال. لقد تمكنت الحكومة من الحصول على بعض الأموال، لكن لم نر أي تغيير حقيقي في سعر السوق السوداء، وهو مؤشر على أن المبالغ ليست كبيرة".

وهو ما أكد عليه الباحث ضاهر، معتبراً أنه حتى "حملة المليار دولار، لن تساعد في القضية الرئيسة، خصوصاً وأن سوريا تحتاج شهرياً لواردات معينة ودفع ثمنها بالعملات الأجنبية"، فيما "لا نعرف حتى مقدار العملات الأجنبية في البنك المركزي".