بالرغم من تأكيدات الحكومة.. المخاوف من التجنيد الإجباري تخيب آمال شباب الغوطة الشرقية في العودة إلى الجامعة

صورة لوسط دمشق، تموز. لؤي بشارة/ AFP.

كان ناصر قد بدأ عامه الثالث في كلية الاقتصاد في جامعة دمشق، في عام ٢٠١٢، عندما اندلعت المعارك بين المعارضة والقوات الموالية للحكومة حول العاصمة السورية دمشق.

وقبل عام واحد فقط على تخرجه، لم يعد ناصر- الذي يعيش في ضواحي دمشق الشرقية التي كانت خاضعة لسيطرة المعارضة في السابق- قادرا على الذهاب إلى المحاضرات خوفا من القصف أو الاشتباكات في الشوارع.

وفي عام ٢٠١٣، تخلى ناصر عن كل آماله في العودة إلى الجامعة لإنهاء دراسته بعد أن حاصرت القوات الموالية للحكومة الغوطة الشرقية التي تسيطر عليها المعارضة، حيث عاش ناصر ومئات الآلاف من السكان الآخرين تحت حصار خانق استمر لمدة خمس سنوات. وطلب عدم ذكر اسمه بالكامل في هذا التقرير بسبب المخاوف من الملاحقة الأمنية.

وبموجب القانون السوري، يصبح طلاب الجامعات الذين ينقطعون عن المحاضرات لأكثر من عام واحد غير مؤهلين للتخرج من الجامعات الحكومية التي تديرها الدولة. إلا أن مرسوما حكوميا صدر في حزيران أعطى الطلاب فرصة جديدة لإكمال تعليمهم، مبينا أن بإمكان هؤلاء الذين "تم تحريرهم حديثا من المناطق المحاصرة" أن ينهوا دراستهم- على الرغم من انقطاعهم لعدة سنوات.

وذكرت سوريا على طول في ذلك الوقت أن المرسوم أعطى أملاً لشباب الغوطة الشرقية الذين أرادوا الحصول على شهاداتهم الجامعية ومتابعة تعليمهم بعد سنوات الحصار.

لكن ناصر، البالغ من العمر الآن ٢٧ عاما، قال إن المرسوم لا يساعد كثيرا في إعادته إلى الجامعة. ووفقا لناصر وأربعة طلاب آخرين من الغوطة الشرقية، فإن أحد الضمانات الأساسية غير موجود في هذا القرار- فليس هناك أي نوع من الأحكام يتيح لهم تأجيل الخدمة الإلزامية.

وتسبب ذلك في إثارة المخاوف والشائعات المتزايدة بأن السلطات في دمشق قد تبدأ ببساطة في سوق شباب الغوطة الشرقية من أجل الالتحاق بالخدمة العسكرية بحلول نهاية أيلول، بغض النظر عما إذا كانوا مسجلين بالجامعة فعليا أم لا.

وبالرغم من الأحاديث المتداولة عن دمشق التي تمر بمرحلة انتقالية من الحرب إلى السلام، إلا أن عدم وضوح المرسوم يمثل إحدى التعقيدات القانونية المتعددة التي أعقبت المصالحة في ضواحي الغوطة الشرقية التي كانت تحت سيطرة المعارضة سابقاً، حيث يحاول السكان المضي قدما في حياتهم، في حين يتجنبون المخاطر والتهديدات الأمنية في الوقت ذاته.

وقال ناصر لسوريا على طول من مسقط رأسه في دوما "من المستحيل أن أخرج من الغوطة الشرقية دون أي نوع من الأحكام كضمان لنا. من المحتمل أن يتم سحبي للجيش عند أول حاجز أمر به".

ووفقا لعدد من الطلاب في الغوطة الشرقية، هناك "أخبار انتشرت" في الأسابيع الأخيرة مفادها أن الحكومة السورية لا تصدر أوراق تأجيل رسمية للشباب الذين يرغبون في الالتحاق بالجامعة في دمشق للمرة الأولى، ناهيك عن أولئك الذين أنهوا عددا من السنوات الدراسية إلا أن الحصار قطعهم عن العالم الخارجي وعن فرصتهم في التعلم.

وبعد خمس سنوات من الحصار الخانق والقصف من قبل القوات الموالية للحكومة والميليشيات المتحالفة معها، ومع استعداد الجيش السوري لشن هجوم شمال غرب البلاد الواقع تحت سيطرة المعارضة، ازداد يأس الشبان في الغوطة الشرقية من امكانية تجنب الخدمة العسكرية الحكومية.

حيث لا تزال هناك بعض العقبات لأن الحكومة السورية لم تفتح في الغوطة الشرقية حتى الآن أي مكتب للتعامل مع مواضيع  تأجيل الخدمة العسكرية، حتى وإن أراد الشبان تجهيز أوراق التأجيل فهم لا يستطيعون ذلك.

وقال مسؤول عسكري سوري لسوريا على طول هذا الأسبوع "بالنسبة للغوطة الشرقية حتى الآن لم تعد دوائر الدولة العسكرية (أي شعب التجنيد)، وكل شيء يتعلق بالتأجيل الدراسي والتسوية العسكرية لا يمكن حلّه دون هذه الدوائر"، وطلب المسؤول عدم الكشف عن هويته الحقيقية لأنه كان غير مخول بالتحدث إلى الصحافة.

وقال مصدر مقرب من الحكومة في دوما لسوريا على طول "حتى الآن لم يكن هناك تأجيل لطلبة الغوطة الشرقية" وطلب المصدر عدم ذكر اسمه لأسباب أمنية.

ولم يستجب مسؤولون من وزارة التعليم والدفاع السورية على طلب التعليق حول الموضوع.

ويؤكد ثائر حجازي، ناشط حقوقي إداري في مركز بضواحي دمشق لتوثيق الانتهاكات في سوريا، أن عدم وجود مكتب للتجنيد يعني أنه "لا يوجد أي طالب من الغوطة الشرقية" منح حتى الآن وثائق لتأجيل الخدمة العسكرية منذ أن أصدرت الحكومة مرسومها في حزيران.

وبحسب حجازي فإن ذلك يشمل الشباب "الذين تمكنوا من التسجيل في الجامعة ولكن لم يتم منحهم تأجيلاً عسكرياً".

وأدرك سامر ياسين، وهو شاب من سكان الغوطة الشرقية، صعوبات الموضوع. وفي تقرير سابق لسوريا على طول حول طلبة الغوطة الشرقية، كان الياسين أحد الطلاب الذين تمت مقابلتهم والذين أعربوا عن شكوكهم الواضحة حول عملية التسجيل والمخاطر الكامنة التي يواجهها شبان مثله.

وحصل الياسين، البالغ من العمر 27 عاماً من مدينة دوما، على شهادة المدرسة الثانوية عام 2012، وهو العام الذي سبق حصار الحكومة السورية الخانق على الغوطة الشرقية.

وفي الواقع  لم يستطع ياسين الخروج من الحصار الذي فرضته الحكومة للحصول على شهادة جامعية في دمشق، على الرغم من أنه يعيش على بعد 12 كيلومتراً فقط من وسط العاصمة. وبدلاً من ذلك تابع الياسين دراسته في جامعة افتراضية عبر الإنترنت غير معتمدة، في أوقات التوقف عن القصف والتمكن من الاتصال بالإنترنت.

وعلى الرغم من أن ياسين لديه الآن فرصة للتسجيل رسمياً والعودة إلى الدراسة، إلا أنه يشعر أن المخاطر التي تنطوي عليها تفوق الفوائد.

كما هو الحال بالنسبة لعبد الناصر الذي يشعر بالقلق من عبور عدد كبير من الحواجز الحكومية المنتشرة على الطريق المؤدي إلى وسط دمشق أثناء الذهاب للتسجيل في إحدى الجامعات التي تديرها الحكومة.

وقال الياسين "لا شيء واضح" حيال تعامل الحكومة مع سكان الغوطة الشرقية الذين يأملون في الالتحاق بالجامعة.

ويخطط البالغ من العمر 27 عاماً الانتظار في دوما إلى أن يحصل على أي إشارة تبدد شكوكه وتؤكد على أنه سيكون بأمان في حال خروجه للالتحاق بالجامعة.

وأضاف الياسين "كل هؤلاء الشباب يربطهم عامل مشترك وهو الخدمة العسكرية".

 

عمار حمو

عمار من مدينة دوما، في غوطة دمشق الشرقية، درس الصحافة في جامعة دمشق. بدأ عمله الصحفي مع "سوريا على طول" عام 2014، ويعمل حالياً كمحرر ومراسل. شارك في عدد من الدورات الإعلامية في الأردن وإسبانيا، أشرف على مشروع "الصوت السوري" وهو موقع شريك لـ"سوريا على طول".

مادلين إدواردز

تخرجت مادلين إدواردز من كلية تشارلستون في عام 2016 ونشرت تقاريرها سابقاً في صحيفة ديلي ستار في بيروت.