عمان - بعد القضاء على وجوده في آخر الجيوب التي تحصّن فيها بقرية "الباغوز" شرق دير الزور في سوريا، أواخر آذار/مارس الماضي، تحطمت تماماً "دولة الخلافة" التي كان "تنظيم الدولة" (داعش) قد أعلنها على مساحات واسعة من الأراضي السورية والعراقية في تموز/ يوليو 2014. 

لكن نهاية "التنظيم" ودولته المزعومة لم تخل من مفارقات وجدل. إذ فيما كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يعلن في 22 آذار/مارس الماضي، هزيمة التنظيم "بنسبة 100 بالمئة في سوريا"، كان "التحالف الدولي ضد داعش"، والذي تقوده الولايات المتحدة، يوضح تصريحات ترامب بأنها "تشديد" على مواصلة العمل للتأكد من القضاء التام على "داعش"، الذي لم يكن قد هزم في "الباغوز" بعد.

أما الجدل الأهم، والمتواصل حتى اللحظة، فهو مدى خطورة التنظيم رغم تفرق فلول عناصره في الأراضي الصحراوية الشاسعة شرق سوريا وصحراء الأنبار العراقية. وتالياً، ربما، إعادة تجميع صفوفه بشكل مماثل، لكن أكثر تهديداً مما أظهره التنظيم منذ اجتياحه مدينة الموصل شمال العراق في حزيران/يونيو 2014  وحتى هزيمته قبل أشهر.

وهو ما كان قد حذر منه مبكراً القائد العام لـ"قوات سوريا الديمقراطية"، مظلوم عبدي، غداة سيطرة قواته على الباغوز. منبهاً في مقال نُشر أواخر آذار/ مارس، إلى خطر "الخلايا النائمة التي زرعتها المجموعة الإرهابية"، وظهور تمرد "يستخدم تكتيكات لأعمال إرهابية فردية مثل التفجيرات والاغتيالات".

أما أحدث التحذيرات، فكانت يوم الإثنين الماضي، من رئيس هيئة الأركان الأميركية، الجنرال جوزيف دانفورد، عبر تصريح صحفي وزعته وزارة الدفاع الأميركية "البنتاغون". إذ اعتبر أن "داعش" انهزم، لكنه يظل خطراً. ما يستدعي "ضرورة استمرار التحالف بين القوات الأميركية وقوات التحالف الدولي لمنع عودة التنظيم".

إذ على امتداد الأشهر الماضية، واصل التنظيم تنفيذ عمليات عسكرية وتفجيرات على كامل الأراضي السورية، بحيث شملت المناطق الواقعة تحت سيطرة أطراف الصراع كافة؛ القوات الحكومية، و"قوات سوريا الديمقراطية"، وفصائل المعارضة.

وفي حالة القوات الحكومية والروسية والمليشيات المتحالفة معها، فقد وثق المرصد السوري لحقوق الإنسان خلال الفترة بين 24 آذار/ مارس و30 حزيران/ يونيو من العام الحالي، مقتل ما لا يقل عن 172 عنصراً من قوات النظام والمسلحين الموالين لها من جنسيات غير سورية، على يد "داعش"، بينهم اثنان من الروس على الأقل، إلى جانب 12 من المليشيات الموالية لإيران.

أيضاً، أطلق التنظيم في نيسان/أبريل الماضي ما سماه "غزوة الثأر لولاية الشام"، والتي نفذ خلالها سلسلة من العمليات ضد "قوات سوريا الديمقراطية" في الرقة والحسكة ودير الزور.

تكتيك جديد 

مع خسارته لمجمل الأراضي التي يسيطر عليها، لجأ "داعش" إلى اعتماد أسلوب الكر والفر في هجماته. ورغم أن الانتقال إلى هذه التكتيكات لا يبدو مفاجئاً، فإن ما يثير التساؤل في الوقت ذاته هو حجم العمليات التي يعلن عنها التنظيم أو تُنسب إليه.

في هذا السياق، يقول إسماعيل عبدالرحمن أيوب، الخبير السوري في الشؤون العسكرية والاستراتيجية، لـ"سوريا على طول" إن "داعش تخلى عن طريقة التمسك بالأرض. الآن يعمل على طريقة العصابات المسلحة؛ [بحيث] يقوم بالتسلل ليلاً أو تحت جنح الظلام أو مستغلاً الطقس السيء، لتنفيذ هجمات على خطوط النفط أو قواعد عسكرية منفردة للمليشيات وغيرها".

وتعتمد خلايا التنظيم في البادية على "التحرك السريع بين مكان وآخر، لذلك لا يستطيع أحد تحديد مواقع [عناصره]"، كما يذكر مصدر إعلامي من قوات "مغاوير الثورة" العاملة في قاعدة التنف، لـ"سوريا على طول". مشيراً إلى أن "هذه العمليات ليست بحاجة إلى عدة وعتاد محمول، إنما سرعة في العمل".

أيضاً، تلعب الطبيعة الجغرافية للبادية السورية عاملاً أساسياً في عمليات التنظيم. وكما يوضح الباحث سام هيلر، من "مجموعة الأزمات الدولية"، في حديثه إلى "سوريا على طول"، فإن "البادية [تضم] مساحات واسعة ومناطق وعرة يمكن لمجاميع التنظيم أن تختبئ فيها، ثم تشن هجمات على حواجز وثكنات على الطرق وأطراف المدن". مضيفاً أيضاً أن "التنظيم قد يستفيد من العامل البشري في تلك المنطقة، [لاسيما] بعض البدو الرحل، من أجل [تأمين] الإمدادات والغطاء على تحركاته".

يتضافر مع كل ذلك، استفادة النظام السوري من وجود "داعش"، حتى مع استهداف التنظيم للقوات الحكومية.

إذ يرى أحمد حمادة، المحلل السوري العسكري والاستراتيجي، أن "النظام يحاول الاستفادة من الدعاية بأنه لا يزال في صراع مع الإرهاب، مع أنه من حمى ونقل وساعد "داعش" في النشأة والبقاء". ويُسهم إظهار النظام بأنه مستهدف من الإرهاب، كما يضيف حمادة، في "التغطية على جرائم النظام الفظيعة بحق الشعب السوري".

وفي تموز/ يوليو الماضي، شن مقاتلو "داعش" هجوماً على عدة قرى في ريف السويداء الشرقي، أعقبه ما لا يقل عن تفجيرين نفذهما انتحاريان في مركز مدينة السويداء، ما أدى إلى مقتل أكثر من 200 شخص، وإصابة 300 آخرين، بين مدنيين وعسكريين، إضافة إلى اختطاف قرابة 40 امرأة وطفلاً، وفقاً لتقارير نشرها المرصد السوري لحقوق الإنسان وشبكة السويداء 24.

لكن فصائل عسكرية محلية في المحافظة ووجهاء منها اتهموا الحكومة السورية بالمسؤولية عمّا حدث، مدللين على ذلك بقيام الحكومة بسحب قواتها العسكرية من شرق السويداء قبل ساعات من "الهجوم الدموي".

وإذ صارت هذه الحادثة تشكل هاجساً لمحافظة السويداء التي يشكل المواطنون الدروز أغلبية سكانها، فإن قيادياً عسكرياً من قوات "شهبا الكرامة" العاملة في السويداء، لم يستبعد وقوع "هجوم جديد على السويداء". مضيفاً: "رصدنا تحركات لداعش كانت تحاول قطع طريق السويداء-دمشق للضغط على السويداء".

واتهم القيادي الذي تحدث إلى "سوريا على طول" شريطة عدم الكشف عن اسمه لأسباب أمنية،  الحكومة السورية باستخدام "داعش ورقة ضغط". موضحاً أن "النظام لا يستطيع الضغط على أهل الجبل والسهل (السويداء ودرعا) في كثير من الملفات، لذلك يستخدم ورقة داعش للضغط علينا. وهناك خلايا لداعش تنسق مع النظام والأجهزة الأمنية فيه".

استهداف خطوط نقل الثروات

إضافة إلى اعتماد أسلوب الكر والفر، يظهر التغير في تكتيك "داعش" من خلال تركيزه على استهداف موارد النظام الطبيعية.

ففي 14 تموز/ يوليو الماضي، أعلنت وكالة الأنباء الرسمية السورية "سانا" خروج خط نقل الغاز الواصل بين "حقل الشاعر" ومعمل "إيبلا للغاز" شرق مدينة حمص عن الخدمة "نتيجة عمل إرهابي".

بعد أسبوع، وتحديداً يوم الحادي والعشرين من الشهر ذاته، استهدفت عبوة ناسفة قطار نقل فوسفات في ريف حمص الشرقي، ما تسبب في خروجه عن السكة وإصابة عدد من أفراد طاقمه. وذكرت وزارة النفط والثروة المعدنية التابعة للحكومة السورية حينها أن اعتداءاً إرهابياً استهدف القطار.

تعليقاً على حادثة استهداف القطار، يقول إسماعيل أيوب أن الحادثة "وقعت في منطقة تصنف تحت سيطرة روسيا بشكل كامل؛ إذ فيها قوات عسكرية، وهي مراقبة جواً من طائرات مسيرة، وفيها مطارات قريبة". 

لذلك، فإنه يعتقد أن الحادثة "تحمل بصمات المليشيات الشيعية بشكل أو بآخر، حيث هناك حالة من عدم التفاهم  أو الرضا [بين الروس والإيرانيين]".

ويذهب أيوب إلى أن المليشيات الشيعية تسعى إلى "إحراج روسيا وإظهار أن الإرهاب ما يزال موجوداً، كونها تحتاج العنصر البشري الإيراني في سوريا، [بما يضمن] الحفاظ على الشراكة الروسية-الإيرانية في سوريا [حيث تهدف إيران إلى] إتمام مشروع التشييع والبقاء طويلاً". 

وكان مجلس الشعب السوري قد صادق في آذار/ مارس الماضي على عقد بين وزارة النفط السورية وشركة "ستروي ترانس غاز" الروسية، يمنح الأخيرة حق استثمار واستخراج الفوسفات في منطقة مناجم الشرقية جنوب غرب تدمر "لمدة خمسين عاماً، أي حتى استهلاك كامل الاحتياطي في هذا القطاع".

سبق ذلك أيضاً تسليم قطاعي النفط والغاز للشركات الروسية. إذ أبرمت الحكومة السورية في حزيران/ يونيو 2017 مُذكرة تفاهم مع شركة "يورو بولس" الروسية، تقوم الشركة بموجبها بتحرير حقول النفط والغاز شرق حمص من "داعش" -عبر استخدام عناصر من شركة "فاغنر" الروسية للحماية الخاصة- ثم صيانتها وتشغيلها وحمايتها مقابل حصول "يورو بولس" على ربع الإنتاج لمدة خمس سنوات، مع التزام الحكومة السورية بتسديد فاتورة العمليات العسكرية للشركة.

في المقابل، يرى الخبير العسكري حمادة أن خطوط الغاز والفوسفات يملكها الروس والإيرانيون، وما يعود منها لـ"العصابة الأسدية هو الفتات". موضحاً أن هذه الهجمات "ستربك الروس والإيرانيين  وتجعلهم أكثراً حذراً، بحيث تجبرهم على تسيير قوى للدفاع عنها، ليتم استنزافهم من خلال هذه الهجمات".

ويؤكد أيوب على ذلك بقوله إن "استمرار مثل هذه العمليات سوف يؤثر على الحالة الاقتصادية"، معتبراً أنه "إذا أراد الروس التصدي لهذه الحالة، فإن عليهم العمل على حل سياسي في سوريا يزيل هذا النظام الفاسد . وحينها يمكن أن تكون مصالحهم آمنة".