عمّان - في ظهور يحمل رسائل اجتماعية وإنسانية، أطلّ أبو محمد الجولاني، قائد هيئة تحرير الشام، ثلاث مرات على الإعلام، خلال أيار/مايو الحالي، في إطار سياسة يعكف عليها منذ سنوات، هي إبراز تحول الفصيل الذي فك ارتباطه بتنظيم القاعدة إلى الاعتدال. 

إذ ظهر الجولاني في 16 أيار/مايو الحالي، خلال لقائه مجموعة من شيوخ العشائر في محافظة إدلب، مرتدياً زياً عشائرياً عربياً، "للحديث حول شؤون الشمال المحرر"، بحسب ما ذكرت "تحرير الشام". سبق ذلك بيوم واحد زيارة الجولاني أيضاً لأحد مخيمات النازحين في ريف إدلب، حيث استمع "لمطالب واحتياجات المقيمين فيه".

وفي مطلع أيار/مايو الحالي، ظهر الجولاني خلال زيارة مصابين مدنيين كانوا تعرضوا لإطلاق نار من عناصر الهيئة خلال مشاركتهم في احتجاجات شعبية نظمها أهالي قرية معارة النعسان بريف إدلب الشرقي، تنديداً بفتح "تحرير الشام" معابر تجارية مع مناطق سيطرة النظام السوري.

أبعاد ظهور الجولاني المكثف

على الرغم من أن "لقاءات الجولاني بوجهاء وتجار هي أمر معروف عنه"، فإن تكرار ظهوره الإعلامي في فترات متقاربة مؤخراً هو الأمر "غير المعهود"، كما قال لـ"سوريا على طول" عرابي عبد الحي عرابي، الباحث المتخصص في شؤون الحركات الدينية والجهادية في مركز جسور للدراسات بتركيا. إذ سبق والتقى الجولاني خلال الفترة الماضية مع أعضاء في مجلس الشورى العام الذي يمارس دوراً أشبه بالبرلمان في الرقابة على عمل الحكومة (حكومة الإنقاذ)، وممثلين عن مكونات المجلس من قبيل مسؤولي المخيمات والمهجرين، وزعماء العشائر، والمشايخ والدعاة، وفعاليات اجتماعية أخرى.

كذلك، جاء توقيت الظهور المتكرر لقائد هيئة تحرير الشام في أعقاب توتر علاقة الأخيرة بتنظيم حراس الدين الذي يعد حالياً فرع تنظيم القاعدة في سوريا، كما عقب تظاهرات شعبية ضد الهيئة، وهو ما قد يشير إلى محاولات من الجولاني لرسم معالم المشهد المتعلق بمستقبل تنظيمه، محاولاً، برأي عرابي، إيصال ثلاث رسائل.

في رسالته الأولى، يحاول الجولاني القول إن تنظيمه "غير مستبد، ويحمل قدراً كبيراً من المسؤولية. وهو من هذا المنطلق يتشارك مع جميع الأطراف". فيما تتمحور الرسالة الثانية حول كسر الصورة النمطية عنه، والمتمثلة بعدم ظهوره بين عامة الناس وعدم اهتمامه لشؤونهم، وليسوق، بالتالي، لصورة "أخرى، يظهر فيها على أنه قائد ملتحم مع الشعب، يلتقي معه، ويحاول مساعدة سكان المخيمات". أما الرسالة الثالثة، فتتمثل في محاولة إظهار الهيئة بمظهر مختلف عن "التنظيمات المتشددة الأخرى التي لا يعرف لقياداتها أي انخراط في متابعة الشأن الاجتماعي والبحث عن حلول له".

هذا التفسير، اتفق معه عبد الحي أحمد، الباحث في العلوم السياسية، والذي عمل مع المكتب الإعلامي لهيئة تحرير الشام بين العامين 2016 و2017. معتبراً في حديث إلى "سوريا على طول" أن ظهور الجولاني هو محاولة للتقرب من المجتمع المحلي، و"كارزمية الجولاني هي الأقدر على لعب هذه الأدوار، إذ ظهر لنا بمظهر الأب والقائد الرحيم، محاولاً كسر الصورة النمطية عن الهيئة، وأنها تندمج مع المجتمع". يضاف إلى ذلك، لاسيما فيما يتعلق بزيارة مخيمات النازحين بإدلب، هدف "استغلال حاجة الناس في الترويج للجانب الإنساني الذي تحاول الهيئة الظهور به، لامتصاص غضب الشعب".

مع ذلك، قد يكون ظهور الجولاني الأخير هدفه التعبئة الشعبية لمواجهات عسكرية محتملة مع تنظيم حراس الدين.

ورقة العشائر

بالعودة إلى لقاء قائد "تحرير الشام" مع زعماء العشائر، والذي ظهر فيه مرتدياً عباءة وغطاء رأس أحمر، هو اللباس التقليدي للعشائر العربية، فقد بدا هدف الجولاني هو التقرب من العشائر وإظهار الاهتمام بها بعد سنوات من تهميش دورها ومحاربتها. إذ إن الهيئة، كما أوضح عبد الحي أحمد، "لا تؤمن بالعشائرية"، بل إن "التيار المتشدد فيها يعتبر العشائرية مناقضة للتعاليم الإسلامية، وأن الانتماء يجب أن يكون للإسلام لا للعشيرة". مضيفاً أنه رغم تحول "تحرير الشام" إلى "الانفتاح على هذه الفئة الاجتماعية، فإن ذلك لا يلغي نظرتها القديمة للعشائرية".

واعتبر أحمد أيضاً أن "استغلال ورقة العشائر أصبح موضة لدى الجميع؛ تحرير الشام كما باقي أطراف الصراع السوري". لكن الباحث عرابي قلل، في هذا السياق، من "الأثر القوي" لشيوخ العشائر في دعم الجولاني، إذ إن قوة العشائر وتنظيمها المتماسك المعهود "غير موجود في سوريا بشكل حقيقي منذ تولي حزب البعث العربي الاشتراكي الحكم في سوريا".

قبول أميركي ضمني

التحرك الأخير غير المعهود للجولاني، في منطقة مراقبة من قبل التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، والذي استهدف هذه المنطقة سابقاً بغارات، يشير بحسب الباحث أحمد إلى أن الجولاني لا يتحرك بمعزل عن التصريحات الأميركية.

إذ كان "التحالف الدولي ضد داعش" نفذ ضربات جوية في شمال غرب سوريا، منها ضربتان في تموز/يوليو وآب/أغسطس 2019، استهدفتا مقراً لتنظيم "حراس الدين" ومعسكراً لتنظيم "أنصار التوحيد"، على التوالي، خلال اجتماع لقيادات مجموعات تتبع "تنظيم القاعدة" في الموقعين المستهدفين. ما أثار تساؤلات حول ما إذا كانت هيئة تحرير الشام متورطة في استهداف "الجهاديين المهاجرين" الذين يشكلون عصب التنظيمات التابعة للقاعدة، لاسيما بالنظر إلى غياب قيادات الهيئة عن اللقاءات التي نالتها الضربات الأميركية.

يعزز فرضية غض الولايات المتحدة الطرف عن تحركات الجولاني، تصريح المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، جيمس جيفري، في كانون الثاني/يناير الماضي، بأن "تحرير الشام تركز على قتال قوات النظام، ولم يشهد لها تهديد على المستوى الدولي". مضيفاً أن الهيئة تعرف عنها نفسها بأنها "تمثل معارضة وطنية، وتضم مقاتلين وليس إرهابيين، لكن أميركا لم تقبل بهذا التوصيف بعد". 

أيضاً، بعد ذلك التصريح، زار جيفري ومندوبة الولايات المتحدة الأميركية لدى الأمم المتحدة، كيلي كرافت، شمال غرب سوريا عبر معبر باب الهوى. فيما الأهم أن هذه الزيارة سبقها، كما يؤكد عرابي، لقاء "الجولاني بمبعوثين أميركيين، طالب خلاله الجولاني بإزالة اسمه واسم هيئة تحرير الشام من قائمة القيادات والتنظيمات الإرهابية". لكن الزيارة واللقاء ليسا حدثين غير مسبوقين على صعيد الوفود الغربية، كما يكشف أحمد، إذ سبق زيارة الوفد الأميركي إلى شمال غرب سوريا "لقاءات للهيئة مع وفود أوروبية وأميركية أيضاً لمناقشة قضايا تمس وجود الهيئة وسلوكياتها الحالية". 

ورغم أن "الرد الأميركي جاء برفض رفع اسم الجولاني وتنظيمه من قائمة الإرهاب"، بحسب عرابي، فإن "هناك جهات في الخارجية الأميركية تميل إلى دعم الهيئة في إعادة تعريف نفسها في المنطقة على أمل أن يكون هناك تغيرات إيجابية بهذا الخصوص". مضيفاً أن "الجولاني يلتقط من ذلك أن لا نية لاستهدافه حالياً".

في السياق ذاته، لم يستبعد الباحث أحمد أيضاً تغيير الإدارة الأميركية موقفها من الهيئة أيضاً. مستدلاً على ذلك بما حصل في أفغانستان، حيث "غيرت [الولايات المتحدة] موقفها من حركة طالبان، وربما يتم تكرار ذلك في سوريا". فيما لفت عرابي، إلى أن "تحرير الشام" هي أيضاً "أهم الضامنين لتطبيق اتفاق سوتشي الأول [بين روسيا وتركيا بشأن خفض التصعيد في شمال غرب سوريا]، والقادرة كذلك على تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار الأخير في المنطقة بين ذات الدولتين إذا ما تم تحقيق شروطها". 

استناداً إلى ذلك، فإنه "لا بدّ من تهيئة الأجواء لقبول الجولاني في أهم مواقع القرار السياسية مستقبلاً" برأي أحمد، كونه "القائد الفعلي لأهم تنظيم عسكري في المنطقة، وفصيله هو الأكثر تغلغلاً في المنطقة إدارياً واقتصادياً".