عمان- فيما ينظر مناهضو نظام السوري إلى كل الانتخابات التي يجريها هذا الأخير على أنها لا تعدو أن تكون أكثر من مسرحية، فإن المفارقة أن الهجوم على انتخابات مجلس الشعب الأخيرة، والتي أجريت في 19 تموز/يوليو الحالي، جاء هذه المرة، وبشكل خاص، من موالين أشداء للنظام، لاسيما المرشحين الخاسرين بينهم، لم يكتفوا بالحديث عن تلاعب بالانتخابات، بل كان خطابهم أقرب إلى المعارضة، بالتشديد عن الدور الأساس للفاسدين في هذه الانتخابات وأبعد منها

إقصاء في كل الاتجاهات

بحسب وزير العدل في حكومة دمشق، بلغت نسبة المشاركة في الانتخابات، لاختيار 250 عضواً،  نحو 33%، وبحيث تم ابتداء إقصاء المتواجدين خارج مناطق سيطرة النظام، والمقدر عددهم بأكثر من أربعة ملايين شخص في شمال غرب سوريا وحدها، يضاف إليهم حوالي  5.5 مليون لاجئ في دول الجوار وشمال شرق إفريقيا، ومئات آلاف آخرين في دول أخرى، لاسيما في أوروبا.

كذلك، فور إعلان النتائج الأولية لأسماء الفائزين بعضوية مجلس الشعب، اعتبر رئيس غرفة صناعة حلب، فارس الشهابي، المرشح للمجلس عن محافظة حلب، في منشور على صفحته في موقع "فيسبوك"، قام بحذفه لاحقاً، أن "الرسالة كانت واضحة.. إما الطاعة العمياء لمنظومة الفساد المتنامية.. أو الإقصاء والعقاب..!". موضحاً في منشور آخر أنه تعرض "للاقصاء بمؤامرة خبيثة ومكشوفة بأساليب قذرة فاضحة هدفها الأساسي كان الانتقام مني وإضعاف الكتلة الصناعية الضخمة التي أمثلها كحالة وطنية صوتها عالي ومستقل لا تخضع للإملاءات والأوامر ولا تلين أمام أحد".

أيضاً، كان قد تم شطب اسم محمد خير سريول من قائمة المرشحين عن قائمة الوحدة الوطنية التابعة لحزب البعث (الحاكم)، رغم حصوله على المركز الأول في ما يسمى "الاستئناس الحزبي" بشأن مرشحي محافظة ريف دمشق. لكن خلافاً للشهابي، عبر سريول بمناسبة إقصائه عن ثقته بقرارات "القيادة".

الاستئناس الحزبي

في اختيار مرشحيه للدورة الانتخابية الأخيرة، اعتمد حزب البعث، الذي يسيطر عادة على غالبية مقاعد مجلس الشعب، ما سماه "الاستئناس الحزبي"، بحيث تم نقل صلاحية اختيار مرشحي الحزب من القيادة المركزية (التي كانت تعرف سابقاً بـ"القيادة القطرية")، إلى القواعد الحزبية من خلال مؤتمرات الفروع الموسعة. 

وفقاً لذلك، يقوم أعضاء الحزب بالتصويت داخلياً لتحديد أكثر الشخصيات الحزبية شعبية، وبالتالي قدرة على الفوز في الانتخابات. ثم تقدم نتائج الاستئناس لقيادة الحزب لاختيار مرشحيه بناء على ذلك بشكل نهائي. 

أما في الممارسة الفعلية، فقد تم استبعاد شخصيات حصدت مراكز أولى في "الاستئناس الحزبي". فإضافة إلى محمد خير سريول، هناك مثلاً "رئيس اتحاد الصحفيين موسى عبد النور الذي كان ترتيبه 12 في الاستئناس، لكن تم ترشيح شخصية أخرى بدلاً منه حصلت على الترتيب 19"، كما قال لـ"سوريا على طول" المهندس أيمن عبد النور، مدير منظمة سوريون مسيحيون من أجل السلام، والمقيم في الولايات المتحدة.

فالهدف من الاستئناس، كما أضاف عبد النور، لم يكن إجراء انتخابات ديمقراطية، بل "معرفة أوزان كل التيارات الأيديولوجية التي تعمل تحت مظلة حزب البعث، من خلال إعطائها حرية الانتخابات، ومن ثم كشف التيارات والأسماء ومدى قدرتهم على جمع الأصوات". لافتاً إلى ضرورة ربط "الاستئناس" بسياسة النظام "التي اتبعها قبل سنة ونصف السنة، وهي محاولة تقوية التيار الإسلامي لمواجهة تيار الإخوان المسلمين أو تيار المحافظين ممن هم خارج النظام، من قبيل دعم القبيسيات وإعطائهن مناصب وصلاحيات في المدارس، كما تعيين سلمى عياش معاونة لوزيرة الأوقاف، وكذلك تأسيس الفريق الديني الشبابي [الذي يتبع لوزارة الأوقاف السورية]". 

إذ بعد أن صار "هناك تخوف من أن حزب البعث مخترق بشكل كبير ويضم عناصر كثيرة محافظة أو إسلامية، إضافة إلى شخصيات تتبع للحزب السوري القومي التي انضمت للحزب [البعث] أثناء فترة النشاط السري للحزب [القومي]"، كما أوضح عبد النور، تم طرح "مبدأ الاستئناس ليكشف أوزان كل التيارات الأيديولوجية التي تعمل تحت مظلة حزب البعث"، وبالتالي "رسم خريطة القوى السياسية الموجودة ضمن حزب البعث ورموزها". 

أعقب ذلك "تكليف كمال الأسد [ابن عم بشار الأسد، ورئيس غرفة تجارة وصناعة اللاذقية] وأسماء الأسد باختيار المرشحين عن الحزب وشطب غير المرغوب فيهم، بما في ذلك الأسماء المحسوبة على ماهر الأسد وبعض المحسوبين على إيران".

إخضاع على إخضاع

غياب الدور الحقيقي لمجلس الشعب السوري لا يقلل من أهميته بالنسبة للنظام، وتحديداً بشأن استحقاقات مستقبلية قد تشهدها البلاد، كون المجلس هو المؤسسة المخولة إقرار القوانين والتشريعات، بما في ذلك الدستور الذي أصبح محور العملية السياسية التي تشرف عليها الأمم المتحدة من خلال مفاوضات "اللجنة الدستورية"، إضافة إلى موافقة المجلس على مرشحي الانتخابات الرئاسية، والتي يفترض أن تجرى في العام 2021.

وفي ظل معطيات تشير، وإن بشكل غير حاسم، إلى تغير الموقف الروسي من بشار الأسد شخصياً، فإن "النظام يتخوف، وحتى يتوقع فرض روسيا حلاً ما أو طرحاً سياسياً معيناً"، برأي عبد النور، ما دفع النظام إلى "اختيار أشخاص لمجلس الشعب الحالي يطبقون سياسته بشكل كامل دون تردد". 

وكما أوضح عبد النور، فإن "النظام يخشى من طرح دستور جديد على أعضاء مجلس الشعب"، واستعداداً لذلك، تم "إخراج شخصيات لها مكانة اجتماعية أو تحظى باحترام أو تمثل منطقة أو طائفة، قد تدفعهم مكانتهم إلى التردد في الانحياز التام للنظام، دافعاً ببدلاء عنهم لا وزن لهم". مستدلاً على ذلك بشطب أسماء أعضاء "مثل ماريا سعادة وطريف قوطرش، وهما من الشخصيات ذات المكانة في دمشق".