نساء يمشين وفوقهم علم الحكومة السورية في دوما في نيسان. الصورة من وكالة فرانس برس.

 

عندما زار سامر ياسين، الشهر الماضي، دائرة تابعة للحكومة السورية انشئت حديثاً في الغوطة الشرقية، قال كلمات كان لا ينبغي عليه ذكرها.

وكان ياسين البالغ من العمر 27 عاماً، والذي كان يعيش في ضواحي الغوطة الشرقية التي كانت تحت سيطرة المعارضة سابقاً، يأمل بالالتحاق في الجامعة في العاصمة، ولكن في البداية كان يريد أن يتفقد عند المسؤول الحكومي الذي كان يجلس على الجانب الآخر من المكتب، ما إذا كان سيتم سحبه للتجنيد العسكري الإلزامي وهو في طريقه إلى الحرم الجامعي.

وقال "سألتهم ماذا حدث بخصوص تأجيل الجيش لشباب المناطق المحررة ليتمكنوا من إكمال دراستهم [الجامعية]؟".

وندم ياسين على الفور لطرحه هذا السؤال.

ورغم أنه سرد الموقف بـطريقة فكاية لسوريا على طول، إلا أن زلة اللسان هذه كان من الممكن أن تكلفه ثمناً باهظاً، وكثيراً ما يستخدم السوريون الموالون للمعارضة مصطلحات "الأراضي المحررة" لوصف أجزاء من البلاد، مثل الغوطة الشرقية، التي "تم تحريرها" من الحكومة على يد مقاتلي المعارضة بعد عام 2011.

ونظر إليه الموظف الحكومي نظرة استغراب واستنكار، فما كان من ياسين إلا التفكير في ردّ سريع لإصلاح خطئه، فقال "أنا كنت أقصد المناطق المحررة من الإرهابيين".

خرج ياسين من المكتب دون طرح أي أسئلة أخرى، إلا أن مخاوف ياسين لم تكن بلا سبب. حيث اختفى عشرات الآلاف من المدنيين والنشطاء التابعين للمعارضة في سجون الرئيس السوري بشار الأسد منذ اندلاع الانتفاضة لأول مرة في عام 2011. والآلاف منهم يموتون الآن.

وفي الوقت الذي سيطرت فيه الحكومة السورية مجدداً على ضواحي الغوطة الشرقية، التي كانت تحت سيطرة المعارضة، قال ياسين وسكان آخرون أنهم يجبرون أنفسهم على نسيان "مفردات الثورة" التي تعلموها وتداولوها تحت حصار محكم دام خمس سنوات، جعل مايقارب 400 ألف نسمة من السكان يستخدمون مفردات لغوية بعيدة عن مسمع الحكومة السورية.

وأصبح ضبط "مصطلحات ولهجات الحرب" مسألة ضرورية تتعلق بالسلامة الشخصية. ومع ذلك، فإن تغيير تلك المصطلحات "بين يوم وليلة" بالنسبة للسكان الذين يعيشون داخل الغوطة الشرقية التي عادت لسيطرة الحكومة حديثاً "شيئاً مضحكاً ومبكياً معاً" أعادهم إلى الاضطهاد والرقابة الذاتية التي كانت قبل عام  2011 في سوريا.

وفي هذا التقرير تم حجب الأسماء الحقيقية لجميع المصادر المذكورة حفاظاً على سلامتهم.

"الخبز الأسدي"

الغوطة الشرقية هي واحدة من المناطق، التي كانت تحت سيطرة المعارضة سابقاً، وأصبحت الآن تحت سيطرة الحكومة من جديد بعد سلسلة من التقدمات للقوات الموالية للحكومة في الأشهر الأخيرة.

وابتداءً من كانون الأول الماضي، بدأ الجيش السوري وحلفاؤه هجوم اًشاملاً مدمراً على الجيب الذي تم تجويعه وقصفه، في حين ردت فصائل المعارضة بهجمات متفرقة من القصف وقذائف الهاون على الأراضي القريبة الواقعة تحت سيطرة الحكومة.

وبحلول شهر نيسان، انتهى الحصار الذي دام أكثر من خمس سنوات بعدما سيطرت القوات الموالية للحكومة على الغوطة الشرقية بالكامل، كما استقل عشرات الآلاف من المدنيين ومقاتلي المعارضة حافلات الإجلاء واتجهوا شمالاً إلى محافظة إدلب الواقعة تحت سيطرة المعارضة.

أما بالنسبة لأولئك الذين اختاوا البقاء، فإن حياتهم يسودها هدوء غريب وحذر شديد، وعلم الدولة السورية يرفرف الآن فوق أنقاض الغوطة الشرقية، وتتجمع النساء في مهرجانات التسوق التي تنظمها الدولة تحت صور الأسد المبتسم ووالده، بينما يتوجه شباب الغوطة الشرقية بحذر إلى وسط العاصمة دمشق للالتحاق بالجامعة.

وعلي الرغم من وجود علامات واضحة على سيطرة الحكومة السورية من جديد، إلا أن المصطلحات اللغوية التي سادت لعدة سنوات في ظل حكم المعارضة لا تزال راسخة بعمق.

ومثلما هو الحال في درعا ومناطق أخرى من البلاد، التي بقيت تحت سيطرة المعارضة لمدة طويلة، قام أهالي الغوطة الشرقية بتطوير "مفردات" واقعهم اليومي.

فالكلمات التي كان استخدامها علناً ، قبل عام 2011،  تسبب اعتقال الشخص، أصبحت جزءاً من المحادثة اليومية، مثل "الثورة، المعارضة، الأسد"، كما تبدل مصطلح  "الحكومة السورية" إلى "النظام السوري"، حيث أصبح السكان يشعرون بالارتياح وينتقدون القادة السياسيين علناً لأول مرة منذ عقود.

وقال عبد الرحمن مراد، وهو طالب جامعي من دوما، وهي أكبر مدينة في الغوطة الشرقية "خلال سبع سنوات تحت حكم عسكري معين، أو تحت سياسة معينة يصبح لديك لهجة متعلقة بظروفك السياسية والمعيشية".

وأضاف "على سبيل المثال كنا نقول عن الخبز المحلي أثناء الحصار خبز، ولكن الخبز الذي كان يأتي من الأفران النظامية كنا نسميه خبز أسدي".

وفي إحدى القرى داخل الغوطة الشرقية، قال أبو رائد الحسن، وهو أب لثلاثة أبناء، لسوريا على طول عبر محادثة واتساب، أنه لا يزال يستخدم دون قصد بعض المفردات التي اكتسبها خلال سنوات الحصار والقصف، وخاصةً عندما يكون في المنزل مع زوجته وأطفاله "مثل تعودنا أن نقول "نظام" أو "ثورة" أو مصطلح "عندما كنا محاصرين".

وفي بعض الأحيان في لحظات الهدوء عندما يتذكر أصدقاءه وأفراد عائلته الذين قُتلوا بسبب القصف على مر السنين، يستخدم الحسن فعل "استشهدوا" الذي كان يُتداول عبر عشرات صفحات الفيسبوك الإخبارية التابعة للمعارضة.

وذكر الحسن أنه "من الممكن أن تسقط بعض الكلمات داخل البيت، ولكن من المستحيل أن أخطئ خارجه، أحسب كلماتي بالحرف لأننا نحاسب على كل كلمة".

"كل شيء بخير"

بعد مغادرة محمد راتب، البالغ من العمر 33 عاماً، الغوطة الشرقية على متن حافلات الإجلاء إلى إدلب في شهر نيسان كان يرسل رسائل واتساب إلى أفراد عائلته الذين اختاروا البقاء في المنطقة ليطمئن عليهم ويقول "مرحبا، كيف حالكم؟ ما الجديد؟"

لكن الرد كان عبارة عن كلمات مشفرة تعبر عن توتر أفراد الأسرة وخوفهم من أن يقوم العاملين في الحكومة بتعقب أو متابعة محادثاتهم عبر الإنترنت.

وأضاف راتب، الذي استقر في تركيا بعد مغادرته إدلب، لسوريا على طول " أول شيء قالوه هو، خليك نظامي لا تحكي شروي غروي، ولا تسأل عن أحد".

وبعد ذلك بعدة أشهر، اعتاد الراتب على ما يجب ولا يجب قوله من خلال سلسلة من الكلمات الغامضة المستخدمة في محادثات الهاتف والواتساب.

 

وصرح الراتب "أصبح الناس يتحدثون معي عن كل شيء باستثناء الثورة والنظام والجماعات المسلحة"، كما أن الأحاديث مثل "جماعتي وجماعتك مرفوضة تماماً" على حد قوله.

وأضاف "إنهم يجلسون في حضن [النظام] ويتم حساب كل كلمة يقولونها ".

ويستخدم سكان الغوطة الشرقية اليوم عبارات مماثلة في أحيائهم، وعندما سُئل ماذا يقول هو والآخرون لبعضهم البعض بالعلن، ضحك راتب ساخراً  وقال "الحمد لله كل شيء بخير".

وقال الحسن مازحاً، يبالغ البعض من أهالي الحي ويتكلمون بلهجة أهل الساحل، وهي شائعة بين ضباط الجيش السوري ويقولون "كيفك يا حبيب وكيفك يا غالي".

وعندما سُئل أحد السكان المحليين عن التغيرات في أسلوب الحياة في الغوطة الشرقية بعد أن أصبحت الآن تحت سيطرة الحكومة، لم يكن لديه أي كلمات ليقولها على الإطلاق، واكتفى بإرسال صور شخصية له قبل وبعد.

في البداية، كان يرتدي وشاحاً طويلاً ملفوفاً حول رأسه بأسلوب مألوف لمقاتلي المعارضة في الغوطة الشرقية ويبدو أنه يدل على دعمه للمعارضة، ولحيته طويلة أيضاً، أما في الصورة الثانية التقطت مؤخراً بعد سيطرة الحكومة على المنطقة يظهر بشعر مزين ويشرب الأركيلة ولم يقدم أي تفسير.

إن هذه التغيرات الطفيفة تجعل مراد، طالب الهندسة الميكانيكية، يتصرف بحذر خلال حياته اليومية، وقبل عدة أشهر وتحت القصف المدمر، كان مراد متطوعاً يعمل مع منظمات المجتمع المدني التابعة للمعارضة في مسقط رأسه دوما، لكن في هذه الأيام، يتوجب عليه أن يعبر حواجز النظام على الطريق السريع المؤدي إلى وسط دمشق ليصل إلى محاضراته الصيفية في المدينة.

وكان مراد يتجنب كلمة" الثورة "على وجه الخصوص، لأنه يخشى أن يتعرض "للمساءلة القانونية".

وأضاف "التحدث بطريقة معينة لمدة سبع سنوات، ثم العودة بين يوم وليلة... إنه شيء يجعلني أضحك وأبكي".

وختم "أصبحنا نقول عن المعارضة إرهابيين وعن الثورة أزمة، وهذا واقع يجب أن نلتزم به".

 

ترجمة: بتول حجار