عمان- حتى وقت قريب، مثلت مدينة خان شيخون رمزاً للحياة المتواصلة على أرض سوريا. ففيما تذهب بعض الروايات إلى عمارة المدينة في العصر البيزنطي، أظهرت اكتشافات آثاراً تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد، هي عبارة عن أبنية وأنفاق يتجاوز طولها في بعض الأحيان كيلومتراً واحداً.

وبحسب روايات بعض أهالي المدينة، فإن اسمها يعود إلى خان أثري في وسطها، بجانب جامع التكية والقصر اللذين بناهما أبو الهدى الصيادي، وزير السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، والذي يعود أصله إلى مدينة خان شيخون.

اليوم، صار اسم خان شيخون التي "كانت مفعمة بالحياة"، كما يصفها أهلها، مقترناً بمجازر متواصلة ضد المدنيين فيها على يد القوات الحكومية والطيران الروسي، لا يقطعها إلا استهداف ممنهج للمرافق المدنية، من طبية وإغاثية وسواها.

"كيماوي" ومجازر أخرى

تتسم خان شيخون بموقعها الاستراتيجي في محافظة إدلب؛ على طريق دمشق-حلب الدولي، مع توسطها ريف حماة الشمالي جنوبا، وسهل الغاب غرباً، ومنطقة جسر الشغور فالحدود السورية-التركية في الشمال الغربي.

لذلك، تمسكت القوات الحكومية السورية بوجودها في المدينة، رغم الكلفة المادية والبشرية العالية لذلك، إلى أن سيطرت فصائل من المعارضة السورية، إضافة إلى هيئة تحرير الشام ("جبهة النصرة" حينها)، عليها مطلع العام 2014.

في 4 نيسان/أبريل 2017، شهدت خان شيخون أكبر مجازرها مع قصفها من قبل القوات الحكومية بغاز السارين السام، ما أدى إلى مقتل قرابة 100 شخص خنقاً، ثلثهم من الأطفال.

ورغم الاتفاق بين كل من روسيا وإيران وتركيا، في العاصمة الكازاخية أستانا، في أيلول/سبتمبر 2017، على تشكيل منطقة "خفض تصعيد" تضم محافظة إدلب وريفي حماه الشمالي وحلب الغربي، فقد بدأت القوات الحكومية السورية وحليفتها روسيا حملة عسكرية واسعة على بلدات ريف إدلب الجنوبي وريف حماه الشمالي في أواخر نيسان/أبريل الماضي.

وبحسب المتحدث الرسمي باسم الدفاع المدني السوري في إدلب، أحمد الشيخو، في حديث إلى "سوريا على طول"، فقد استهدفت الطائرات الحربية الروسية والحكومية السورية، منذ بدء الحملة الحالية، أحياء مدينة خان شيخون بأكثر من 1150 غارة، أدت إلى قتل 37 مدنيا،من  بينهم 4 عناصر من الدفاع المدني أو ما يعرف بـ"الخوذ البيضاء"، إضافة إلى إصابة نحو 85 شخصاً آخرين.

فيما أدى القصف غير المسبوق من القوات الحكومية والطيران الروسي في الحملة الأخيرة إلى  "نزوح أكثر من 90 % من سكان المدينة، إلى القرى المجاورة أو الحدود الشمالية مع تركيا"، كما قال مدير المجلس المحلي في خان شيخون. مضيفاً لـ"ـسوريا على طول" أن القصف الأخير "أدى إلى دمار نحو 60% من بنى المدينة التحتية، وخروج 9 مدارس عن الخدمة، [إضافة إلى] تدمير مركز للدفاع المدني".

وعلى الرغم من هذه " الأوضاع الإنسانية الصعبة جداً داخل المدينة، حيث لا كهرباء ولا مياه"، بحسب ما ذكره عضو المجلس المحلي عبد المجيد سرماني لـ"سوريا على طول"، فقد أجبر "ما يقارب 50 عائلة على البقاء، لعدم استطاعتهم تحمل أعباء النزوح، [بما في ذلك عدم] امتلاكهم مالا لاستئجار منازل على الحدود".

من بين هؤلاء عائلة الشاب أحمد (25 عاما)، الذي قرر البقاء مع والديه المسنين في منزله القائم على أطراف المدينة. فهو لا يملك مالا لاستئجار "منزل على الحدود، ولا أستطيع ترك أمي وأبي تحت النار".

فوق ذلك، يذهب أحمد، كما قال لـ"سوريا على طول"، بشكل يومي إلى القرى المجاورة في لحظات هدوء القصف ليجلب الطعام لأبويه:. "أحاول الوصول إلى القرى المجاورة التي تبعد عنا نحو 15 كم لأجلب ما تيسر من الطعام. نعيش الآن أصعب الأيام، إذ لم يبق محال تجارية في المدينة ولم يبق بشر". 

مدينة أشباح

حتى وقت قريب من العام الحالي، بلغ عدد قاطني خان شيخون نحو 90 ألف نسمة بين نازح ومقيم، بعد أن كان يبلغ عدد سكانها نحو 34 ألف نسمة، بحسب سرماني.

لكن المدينة "الجميلة [التي كانت] تعج بالسكان والأسواق والسهرات تحولت إلى مدينة أشباح"، كما وصفها محمود الإدلبي بعد ذهابه لتفقد منزله الذي لم يتبق منه سوى الركام. مضيفاً لـ"سوريا على طول": أصبحت خان شيخون "مدينة يطغى عليها السواد، خالية من السكان، لم يبق فيها سوى الكلاب والقطط الشاردة. تشتم رائحة الموت في كل زقاق فيها، طرقاتها مغلقة بسبب تراكم أنقاض المنازل. [لقد] تغيرت معالم المدينة كليا".

أما مؤيد، وهو أحد سكان المدينة، فقال إن "القصف الهمجي الذي تتعرض له المنطقة الآن [قد أدى إلى] مسح مدينة خان شيخون عن الخريطة، لأنه لم يبق فيها حجر على حجر".

ورأى سرماني أن "النظام حاقد على خان شيخون... فلا نستطيع أن ننسى مجزرة الكيماوي التي خلفت الكثير من الشهداء". معتبراً أن "نظام الأسد والروس يحاولان الانتقام ومحو معالم المدينة وأي دليل ضده في المستقبل في حال طلبه للمحاكم الدولية من أجل المحاسبة".

ذكريات زمن جميل مضى 

منذ يومين، توجه أحمد وأحد أصدقائه، إلى داخل خان شيخون ليلاً لتفقدها بعد إحدى جولات القصف الجوي. لكن مع الرعب الذي يملأ المدينة اليوم، كما قال، فإنه لم يعد يجرؤ "على دخولها مرة أخرى".

في المقابل، يستذكر تلك الأيام التي كان يقضيها مع أصدقائه في شوارع مدينته قبل حملة التصعيد العسكري الحالية من قبل القوات الحكومية وحلفائها الرسول، إذ "كنا عندما نمر بشوارع المدينة نشتم روائح الأكل المنبعثة من المطاعم في السوق. وكان يوجد سوق الجمعة الذي يجتمع فيه الناس من مختلف المناطق المجاورة. [كما كان] يوجد في المدينة جامع قديم وحمّام قديم كنا نجتمع فيه كل أسبوع أنا وأصدقائي". 

مضيفاً: "كان هناك حياة… الآن أصبح كل ذلك من ذكريات الزمن الجميل".