عمان- حتى قبل دخول قانون العقوبات الأميركي على المتعاملين مع الحكومة السورية، والمعروف باسم "قيصر"، حيز النفاذ، كانت حكومة دمشق قد خسرت معظم مصادر العملة الصعبة، من قبيل واردات النفط والسياحة والزراعة والاستثمار. وقد دفع ذلك النظام إلى ابتداع أساليب جديدة للحصول على النقد الأجنبي، لاسيما مع بدء تطبيق "قيصر" في 17 حزيران/يونيو الماضي، كان آخرها قرار مجلس الوزراء، في 8 تموز/يوليو الحالي، إلزام المواطنين العائدين إلى سوريا "تصريف 100 دولار أمريكي، أو ما يعادلها بإحدى العملات الأجنبية التي يقبل بها المصرف المركزي حصرا إلى الليرات السورية، وفقاَ لنشرة أسعار صرف الجمارك والطيران".

ورغم أن القرار الأخير "لا يوفر للنظام نقطة من بحر احتياجاته المالية"، برأي الدكتور في الاقتصاد والباحث في معهد الشرق الأوسط بواشنطن، كرم شعار، فإنه "يحرم اللاجئين السوريين الأقل حظاً من العودة إلى بلادهم، لا سيما اللاجئين في لبنان والأردن، الذين يعجزون عن تأمين 100 دولار لتلبية احتياجاتهم المعيشية في أماكن لجوئهم".

وقدر شعار في حديثه لـ"سوريا على طول" أن "يضخ هكذا قرار نحو 2.2 مليون دولار سنوياً في موزانة الدولة المقدرة بنحو تسعة مليارات دولار أميركي للعام 2020، فيما تبلغ بحسب سعر صرف الليرة الحالي في السوق السوداء نحو ثلاث مليارات دولار فقط". ومن ثم، فإن "القرار لا يهدف إلى الحصول على القطع الأجنبي"، كما رأى شعار، "بقدر ما هو فرز للاجئين، بحيث تُمنع بموجبه الشريحة المسحوقة في دول الجوار من العودة، فيما يبقى الخيار متاحاً للمقتدرين مالياً الذين يحتاجهم النظام".

مع ذلك، فإن القرار قد يتحول فعلاً إلى مصدر مهم للعملة الصعبة في حال حصول عودة كبيرة للاجئين، في إطار "حل سياسي أو نتيجة ضغط على النظام لإعادة مليون لاجئ سوري مثلاًَ من لبنان والأردن وتركيا"، كما لفت  في حديث إلى "سوريا على طول" المهندس أيمن عبد النور، مدير منظمة سوريون مسيحيون من أجل السلام، والمقيم في الولايات المتحدة.

ولعل المفارقة أنه حتى صحيفة البعث، الناطقة باسم حزب البعث العربي الاشتراكي (الحاكم) في سوريا، وصفت قرار إلزام السوريين العائدين إلى بلدهم بتصريف 100 دولار بكونه "أتاوة حكومية"، محذرة من أن له "تداعيات سلبية، ولاسيما على الجانب الاجتماعي، خاصة وأن هناك آلاف العمال السوريين يعملون في لبنان بأجور لا تساعدهم على تصريف الـ100 دولار بالسعر الرسمي، ليدفعوا ثمن ما يُعرض من سلع ومواد استهلاكية بسعر يعادل ضعف السعر الرسمي، ما يعني بشكل آخر أنهم سيلزمون بدفع نحو 50 دولاراً للمصرف المركزي دون وجه حق، مع الإشارة هنا إلى أن هذا القرار ينسحب على المقيمين في الخارج بقصد العلاج والدراسة".

منجم السفارات

بداية العام 2019، انتهت صلاحية جواز سفر إباء السعيد (اسم مستعار) الذي لم تستخدمه طيلة فترة صلاحيته التي لا تزيد عن عامين. مع ذلك، فقد اضطرت السعيد، البالغة من العمر 35 عاماً، والتي لجأت إلى الأردن في العام 2013، إلى التقدم بطلب تجديد جواز سفرها قبل عدة أيام "لاستخدامه في فتح حساب بنكي"، كما قالت لـ"سوريا على طول". وهو ما عنى إمضاءها أشهراً قبل ذلك محاولة توفير رسوم تجديد الجواز البالغة 300 دولار أميركي، يضاف إليها 25 دولاراً رسوم تسجيل قنصلي، من دخلها المتأتي من العمل مع إحدى منظمات المجتمع المدني، والذي يقل إجماليه عما يعادل 400 دولار شهرياً، تساهم به في إعالة أطفالها الأربعة.

وإذا كان جواز السفر ساري المفعول حتمي لإتمام للاجئين السوريين في الأردن معاملات من قبيل فتح حساب بنكي أو الحصول على رخصة قيادة، فإنه في حالة اللاجئين في تركيا، والمقدر عددهم بنحو 3.6 مليون سوري، شرط لتجديد الإقامات، سواء اندرجت ضمن فئة العمل أو السياحة. وهو ما أجبر محمد عمر، البالغ من العمر 25 عاماً، إلى استصدار جواز سفر جديد، إنما من دمشق عبر أحد أقاربه، كون "الحصول على الجواز في تركيا، وقبل ذلك الحصول على موعد لتقديم الطلب، أمر بالغ الصعوبة"، كما قال لـ"سوريا على طول".

وعدا عن كون رسوم 300 دولار لاستصدار السوريين المتواجدين خارج سوريا جواز سفر تجعله واحداً من أغلى جوازات السفر، إن لم يكن أغلاها على الإطلاق، فقد ابتدعت دمشق ما يعرف بـ"جواز السفر المستعجل"، بتكلفة 800 دولار، بحيث ينجز الجواز خلال ثلاثة أيام، بدلاً من شهر إلى شهرين في حالة الجواز غير المستعجل. 

كذلك، تعد رسوم المعاملات القنصلية الأخرى، لاسيما دفع بدل الخدمة العسكرية، أحد الموارد المهمة لدمشق عن طريق بعثاتها الدبلوماسية. إذ يبلغ رسم البدل النقدي 8,000 دولار عن كل مكلّف. 

وفيما لا يبدو ممكناً،  تقدير عائدات السفارات السورية من رسوم إصدار الجوازات ودفع بدل الخدمة العسكرية وتثبيت عقود الزواج وشهادات الميلاد وغيرها من الخدمات، فإن إعلاناً نشرته السفارة السورية في العاصمة السويدية استوكهولم بأسماء 43 مكلفاً بالخدمة العسكرية حصلوا على موافقات دفع البدل، أي ما يعادل بالمجموع 344 ألف دولار، يعطي مؤشراً أولياً على حجم  القطع الأجنبي الذي يحصل عليه النظام السوري من خلال إنجاز هذا النوع من المعاملات فقط. كذلك، أعلنت السفارة ذاتها زيادة عدد المواعيد اليومية للحصول على جوازات سفر، اعتباراً من 9 أيار/مايو الماضي، إلى 80 موعد بدلاً من 50، ما يعني أن إجمالي الرسوم من إصدار الجوازات يومياً هو 26,000 دولار في سفارة استوكهولم فقط، وبالحد الأدنى، أي بافتراض أنها جميعاً جوازات غير مستعجلة. 

وتجبر سفارات دمشق المغتربين على دفع الرسوم نقداً بالدولار الأميركي أو اليورو، "حتى لا تلجأ إلى تصريفها، وتقوم لاحقاً بشراء منتجات لصالح النظام أو تهريبها"، كما قال عبد النور. فيما يظل الأخطر أن "النظام يسيطر على المغتربين من خلال جوازات السفر، والأملاك، والوفيات، ووثائق الزواج والولادة، وغيرها من المعاملات"، كما ينبه عبد النور، و"هذه من التحديات الحقيقية التي تواجه المغتربين، خاصة أن النظام هو الجهة المعترف بها من الأمم المتحدة حتى الآن".

ومن أصل 13 مليون سوري تم تهجيرهم داخل البلاد وخارجها، بحسب الأمم المتحدة، هناك أكثر من 5.5 مليون لاجئ يعيشون في دول الجوار وشمال أفريقيا، يضطر معظمهم لمراجعة السفارات السورية في أماكن لجوئهم للحصول على وثائق الأحوال المدنية أو جوازات السفر.

نهب السوريين بعد تهجيرهم

مع تزايد العقوبات على النظام السوري منذ اندلاع الثورة في آذار/مارس 2011، فقد لجأت دمشق لسلسلة من الإجراءات التي تسمح لها بالالتفاف على أي من تلك العقوبات، وحتى استباق تطبيق الجديد منها، ومن ذلك "رفع قيمة رسوم الجوازات، وتحديد صلاحيتها بسنتين بدلاً من ست سنوات إلا في حالات محددة، كما إلغاء العمل بتمديد الجواز بلصاقة مجانية"، كما أوضح لـ"سوريا على طول" قنصل سوري سابق من مكان إقامته في ألمانيا، طالباً عدم الكشف عن اسمه لأسباب أمنية. وهو يبرز "أهمية رسوم الجوازات والبدل النقدي في دعم موازنة النظام وتعويض نقص النقد الأجنبي في خزينته".

ورغم أن قانون "قيصر" فرض عقوبات على مصرف سورية المركزي، ما يعني أنه لا يمكن تحويل الأموال من السفارات السورية إلى دمشق بحوالات مالية رسمية، فيما "الأعراف الدبلوماسية لا تجيز نقل الأموال إلى الدولة من سفاراتها إلا بالطرق الرسمية" بحسب القنصل السابق، فإن ذلك "لم يمنع وصول النقد الأجنبي من السفارات السورية إلى دمشق باليد مع الدبلوماسيين أو التجار أو شركات الصرافة في السوق السوداء". 

وهو ما أكده أيضاً، الباحث شعار، مستشهداً بأن "الأموال التي تم تحويلها من البنك المركزي إلى روسيا في العامين 2011 و2012، أعيدت [إلى سوريا] خلال السنوات الماضية بحقائب، لأن البنك المركزي لا يمكنه استلام حوالات بنكية كبيرة". والأمر ذاته "كان يتم أيضاً مع لبنان، لكن بسبب الأوضاع في لبنان حالياً صار نقل النقد مستحيلاً"، وفقاً للشعار.

ومع أهمية السفارات بالنسبة للنظام السوري في تأمين العملة الصعبة، إلا أن قانون "قيصر" لم يدرج تلك السفارات أو المتعاملين معها على قائمة العقوبات، وهو ما لا يمكن اعتباره ثغرة في القانون الأميركي كما قال عبد النور، لأنه "لا يمكن لأي قانون في العالم أن يغطي شأناً سيادياً داخل البلد، والنظام يتعامل مع مواطنيه باعتباره الجهة المعترف بها دولياً".

وكانت المنظمة العربية الأوروبية لحقوق الإنسان دعت، في حزيران/يونيو الماضي، الدول المعنية بملف اللاجئين السوريين إلى "اعتماد جواز السفر السوري كوثيقة دائمة لا تنتهي صلاحيتها في الدول التي يعيش فيها اللاجئ وحصل فيها على أحد أنواع الحماية الدولية"، وبالتالي "عدم الطلب من اللاجئين السوريين التعامل مع سفارات وقنصليات النظام السوري إلا في حالات معينة، أو إذا أثبتت السلطات قيام اللاجئ بعملية تزوير أوراق".  

ورغم أهمية هكذا مطالبات، حتى من المغتربين السوريين في أميركا وأوروبا، وبما يعني حرمان دمشق من مبالغ مالية كبيرة بالعملة الصعبة، يظل تحقيق ذلك صعباً برأي عبد النور.