مقاتلون سوريون مدعومون من تركيا وقت الحراسة بعفرين، يوم الاثنين، تصوير بكر القاسم.

عندما تم الإفراج عن بلال سريول، الأسبوع الماضي، بعد أيام من الاحتجاز في عفرين، التي تديرها تركيا، خرج بعين سوداء اللون، وكدمات ناجمة عن الضرب، وحروق السجائر على ظهره أدت إلى تغيير لون جلده.

نزح سريول، وهو ناشط إعلامي من الغوطة الشرقية، إلى شمال غربي سوريا الواقع تحت سيطرة المعارضة في وقت سابق من هذا العام، وأثناء قيامه بجولة تصويرية في شوارع عفرين ألقي القبض عليه من مقاتلي فرقة السلطان مراد المدعومة من تركيا، لالتقاطه صوراً من دون تصريح.

ولا تزال التحقيقات من قبل السلطات التركية جارية، لمعرفة المسؤول عمّا حدث، وفقاً لأحد المسؤولين في الفصيل، إلا أن العلامات الظاهرة على جسد سريول تحكي قصة الضرب المبرح وسوء المعاملة التي تعرض لها.

وفي الوقت الذي تم فيه الإفراج عن سريول، سلطت تجربته الضوء على البيئة المعادية للصحفيين السوريين في مناطق واقعة تحت سيطرة المعارضة بمحافظة حلب، حيث يتم اعتقال المدنيين من قبل مجموعة من فصائل المعارضة المدعومة من تركيا والتي تعمل دون وجود آلية عقاب واضحة.

وقال عامر الراعي ناشط إعلامي نزح من جنوب سوريا إلى عفرين في وقت سابق من هذا العام ''بصراحة الوضع بالنسبة للعاملين في مجال الإعلام هنا مقزز جداً'' واصفاً كيف أنه وزملاءه ''ابتعدنا وصرفنا النظر عن السياسة والقضايا العسكرية ".

وأضاف "نحن كصحفيين أصبحنا نشعر بالقهر والعجز".

وبعد إطلاق سراح سريول قبل أسبوع، وانتشار صور التعذيب الذي تعرض له على وسائل التواصل الاجتماعي، بدأ الصحفيون السوريون والناشطون الإعلاميون في الجيب الذي تسيطر عليه تركيا في شمال غربي سوريا يتحدثون عن البيئة العدائية التي تجبرهم على الرحيل.

وفي حين أن العاملين في مجال الإعلام في المنطقة أصبحوا يتحدثون بصراحة أكثر أعقاب الحادث، فإن الأوضاع الأمنية غير المستقرة بشكل متزايد جعلتهم يتساءلون ما إذا كان سيتم معاقبة المسؤولين عن الانتهاكات ضد الصحفيين على مافعلوه أم لا.

وقالت سعاد خبية، وهي إحدى أعضاء الهيئة الإدارية في رابطة الصحفيين السوريين التابعة للمعارضة (SJA)، وهي رابطة تراقب أوضاع الصحفيين في جميع أنحاء سوريا وتوثق الانتهاكات بحقهم، أنه تم اعتقال تسعة صحفيين وأفرج عنهم فيما بعد، في مدينة عفرين وريفها، من قبل الجيش التركي و فصائل المعارضة المدعومة من تركيا منذ كانون الثاني، عندما بدأت أنقرة عملية "غصن الزيتون" للسيطرة على المناطق الواقعة على طول حدودها الجنوبية من وحدات حماية الشعب الكردية (YPG).

وقد لا تكون قضية بلال سريول الأولى من نوعها، إلا أنها أول قضية تحظى باهتمام إعلامي كبير، وذكرت خبية أن الصحفيين نادراً ما يتحدثون علناً عن تجاربهم، خوفاً من تداعيات الفصائل المحلية أو السلطات التركية التي يجيبون عليها.

وأشارت إلى أن قضية بلال "ظهرت للعلن" هذه المرة بسبب "إصرار زملائه الصحفيين على أن تكون أصواتهم مسموعة".

وفي اليوم الذي أفرج فيه عن سريول، قال شقيقه لسوريا على طول، اكتظ منزلنا بالزوار والزملاء الصحفيين لتوثيق حالته، وبعد بضع ساعات كانت صور وجهه وعلامات التعذيب على جسده منتشرة على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، رغم عدم حصولهم على موافقة صريحة من العائلة بالنشر.

ومن جهتها، تابعت رابطة الصحفيين السوريين إطلاق سراح سريول، وأصدرت بياناً رسمياً قالت فيه ​​أن الانتهاكات التي ارتكبتها الفصائل المسلحة المدعومة من تركيا في شمال سوريا "لم يعد من الممكن تجاهلها"، ودعت الحكومة التركية إلى محاسبة الفاعلين.

عفرين مدينة "العصابات"

وتعيش عفرين تحت النفوذ العسكري التركي منذ آذار، عندما قام الجيش التركي - بالإضافة إلى الفصائل التابعة للجيش السوري الحر المدعومة من تركيا - بإخراج وحدات حماية الشعب من المدينة وريفها، ومنذ ذلك الحين، أصبحت المؤسسات العامة ومقدمو الخدمات في عفرين تتبع بشكل متزايد للإدارة التركية، كما يتم توفير الأمن في المنطقة من قبل ما يسمى "فرقة المهام السورية" التابعة للشرطة التركية، والتي تم تكليفها أيضاً بتأهيل قوات شرطة جديدة في عفرين.

وكانت الأهداف المعلنة لعملية غصن الزيتون هي "تحقيق الأمن والاستقرار على طول المنطقة الحدودية التركية السورية وحماية المدنيين السوريين من هجمات الجماعات الإرهابية"، وفقاً لبيان صادر عن الرئاسة التركية في كانون الثاني.

ومع ذلك، أصبحت عفرين منذ ذلك الحين رمزاً للفوضى، حيث تقوم الفصائل المسلحة بفرض حكمها من خلال الإفلات من العقاب.

وصول "فرقة المهام السورية" في عفرين في 15 تشرين الثاني. الصورة من مركز عفرين الإعلامي.

ووثقت الأمم المتحدة وجماعات حقوق الإنسان عمليات نهب ومصادرة الممتلكات والاعتقالات التعسفية وغيرها من الانتهاكات، بما في ذلك عمليات الإعدام خارج نطاق القضاء، وفي الوقت نفسه، وجد المدنيون أنفسهم مراراً وتكراراً محاصرين وسط مواجهات متقطعة بين فصائل المعارضة المحلية.

وفي الثامن عشر من تشرين الثاني الجاري، شنّ تحالف من فصائل المعارضة المحلية، بالتنسيق مع القوات التركية، حملة ضد فصيل معارض متهم "بالفساد" والانتهاكات ضد السكان المدنيين في عفرين بحسب ما

أفادت وسائل إعلام موالية للمعارضة، وهذا الفصيل متهم أيضاً بخروجه عن السياسة التركية في المنطقة.

ولا تزال الفصائل المشاركة في العملية - بما فيها فرقة السلطات مراد، التي احتجزت سريول - خارج نطاق القضاء حتى لحظة إعداد التقرير، رغم أنها متهمة أيضاً بالضلوع في انتهاكات ضد المدنيين، وأدى انعدام القانون في عفرين منذ انتهاء عملية غصن الزيتون إلى تعرض الصحفيين والناشطين الإعلاميين للخطر بشكل خاص.

وقال الراعي ممازحاً "بعض العصابات ترى الناشط الإعلامي وكأنه ١٠ آلاف دولار متجولة".

وأضاف "لا يمكنك إخبار الناس بأنك موظف في وسائل الإعلام ولا يمكنك حمل كاميرتك في الشارع، خوفاً من التعرض للاختطاف".

وتحدث الصحفيون عن مخاطر مماثلة في مناطق حدودية ريفية أخرى إلى الشرق، تقع تحت نفوذ القوات التركية منذ عملية درع الفرات، وهي حملة عسكرية طردت مقاتلي تنظيم الدولة من المنطقة في عام ٢٠١٦.

وقال عبد الرحمن العلي، ناشط إعلامي في عفرين، ويعمل أيضاً في مناطق شرق المدينة، والتي أطلق عليها بعد الحملة العسكرية ضد تنظيم الدولة قبل عامين اسم مناطق درع الفرات "إذا رؤوا أن لديك كاميرا، فقد يستغلون الوضع ويقومون بخطفك أو سرقة الكاميرا".

وأوضح العلي أن السفر بين المناطق المختلفة في الشمال الذي تسيطر عليها تركيا يمكن أن يشكل تحدياً على وجه الخصوص، حيث يتعرض العاملون في وسائل الإعلام للاستجواب والتحقيق عند المرور على الحواجز.

وأضاف "لهذا السبب، تتمنى ألا يتم ذكر كلمة (ناشط إعلامي) على الحاجز الذي تقف فيه".

ومع ذلك، قال الصحفيون لسوريا على طول، إن تقاسم السلطة بين المسؤولين العسكريين والإداريين الأتراك، بالإضافة إلى العديد من الفصائل المدعومة من تركيا على الأرض، يجعل من الصعب على العاملين في وسائل الإعلام معرفة ما هي الخطوط الحمراء، ناهيك عما يحدث عندما يعتقد الشخص أنه قد تجاوز إحدى هذه الخطوط.

وعقد الراعي العزم على مواصلة عمله في عفرين، حيث بذل الناشط الإعلامي النازح من جنوبي سوريا قصارى جهده للتغلب على الإجراءات المختلفة والمتشعبة التي وضعتها السلطات المحلية، ولكن دون جدوى.

وفي تموز، أصدرت الشرطة العسكرية، التابعة للجيش السوري الحر في عفرين، تعميماً تطالب فيه جميع الصحفيين والعاملين في وسائل الإعلام بالحصول على تصريح لمواصلة عملهم، وبينما تمكن الراعي بعد ذلك من الحصول على تصريح، اكتشف بسرعة أن الجهات المعنية، بما فيها القوات التركية لا تعترف به، وقيل له أنه بحاجة إلى تصريح من الحاكم التركي لعفرين.

وفي مكتب الحاكم، تمت مقابلة الراعي بأبواب مغلقة وحارس يقول له إن مثل هذا التصريح لا يمكن إصداره إلا من تركيا.

حينها بدأ الراعي بالضحك.

واستذكر ما قاله للجندي الذي كان واقفاً على الباب "إذا تمكنت من الذهاب إلى تركيا. هل تعتقد حقاً أنني سأبقى هنا في عفرين؟!".

ورغم أن الراعي قرر التوقف عن تغطية القضايا العسكرية والمتعلقة بتركيا، وما يتعلق بوجود تركيا المثير للجدل في شمال غرب سوريا، إلا أنه وقع بمشاكل أخرى مع السلطات المحلية، وتم احتجازه مؤخراً لمدة خمسة أيام إثر تصويره في أحد شوارع عفرين، وبعد مثوله أمام القضاء تم إخلاء سبيله.

وتذكر الراعي ما قاله القاضي "يتضح أنك بريء... لأنه لا يوجد قانون تخالفه!".

"درس لنا جميعا"

ورغم الفوضى والتقارير المتداولة عن انتهاكات حقوق الإنسان، لا يبدو أن الجميع متفقون على مدى الانتهاكات التي يتعرض لها الصحفيون في شمال غرب سوريا.

وقال عاصم الحلبي، وهو مصور ومراسل في مدينة الباب "لا يمكنك أن تعمم وأن تقول إن الناشطين الإعلاميين لا يتمتعون بأي حرية على الإطلاق"، مضيفاً "لكن نعم، هناك خطوط حمراء لا يمكن لأحد تجاوزها، وتختلف هذه الخطوط من منطقة إلى أخرى ومن فصيل إلى فصيل".

والحلبي ذاته تعرض للاعتقال في العام الماضي، وتم احتجازه لمدة شهرين، ومع ذلك فإنه لا يرى أن الحادثة تعكس قضية أكبر.

وقال إن ما حدث له ولسريول يمثل "حالات فردية"، فالفصائل عادة ما تكون "خائفة من الفضائح"، بحسب الحلبي.

ومن جهته، لم يلقِ شقيق سريول اللوم في احتجاز أخيه على السلطات التركية أو على فرقة السلطان مراد، وقال إن كل ما يريده هو وأسرته هو المحاسبة، ويبدو من خلال حديثه أنه واثق بالسلطات التركية وبفرقة السلطان مراد للتحقيق في الحادثة وحلّها.

وأضاف "القضية في يد الأتراك الآن، وبالنسبة لنا  سيكون كافيا أن يتحمل مرتكب الجريمة المسؤولية".

في تلك الأثناء، قال مسؤول من فرقة السلطان مراد، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته بسبب حساسية الموضوع، لسوريا على طول إن التحقيقات جارية في الحادثة، وتابع "أؤكد لكم أن الشخص الذي اعتقله سيعاقب".

وأكد بلال سريول لسوريا على طول أن السلطات التركية قامت بالتحقيق في الحادثة، بعد إطلاق سراحه، ومن ثم  نقلته إلى تركيا لتلقي العلاج الطبي، لكنه لم يقدم مزيداً من التفاصيل حول هذه المسألة.

ويأمل شقيق سريول أن يصبح التفاعل مع قضية أخيه نقطة تحول في ظروف عمل الصحافيين في منطقة ما زالت تعاني من الفوضى.

وختم قائلاً "لن يكون هناك المزيد من الصمت عن الانتهاكات، إن شاء الله ما حدث سيكون درساً لنا جميعاً".