عمان- تبدو الكوارث والأزمات المتلاحقة سمة الموسم الزراعي في شمال وشرق سوريا على امتداد العام 2019، وليواجه المزارع هناك مصيره وحيداً، بعد أن اتضح غياب أي حماية له من قبل المنظمات المعنية وقبلها الهيئات المسيطرة على المنطقة، وهي تحديداً الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، والمؤسسات المنبثقة عنها أو المتحالفة معها.

إذ مع بدء العام الزراعي 2019، تضررت العديد من المحاصيل نتيجة الأمطار الغزيرة، تبعتها كارثة الحرائق الكبيرة التي أتت، منتصف العام الحالي، على أكثر من 40 ألف هكتار من المحاصيل الزراعية، لاسيما القمح والشعير، مسببة خسائر تصل قيمتها إلى 19 مليار ليرة سورية، أو ما يعادل 35 مليون دولار، بحسب هيئة الزراعة والاقتصاد التابعة للإدارة الذاتية.

وإزاء مطالبات المزارعين بالتعويض عن خسائرهم، أعلنت منظمة الهلال الأحمر الكردي عن حملة تبرعات كان مصيرها الفشل؛ إذ "لم يكن هناك إقبال، ونحن لا نستطيع إجبار أحد على التبرع"، بحسب ما قال مدير المكتب الإعلامي للهلال الأحمر الكردي، أحمد إبراهيم، لـ"سوريا على طول".

في المقابل، ستقوم الإدارة الذاتية، بحسب ما ذكر رئيس هيئة الاقتصاد والزراعة، سلمان بارودو، لـ"سوريا على طول"، "ببيع البذار إلى المزارعين بسعر 180 ليرة سورية للكيلوغرام، لزراعة المحصول في موسم 2020"، وذلك كنوع من الدعم، كون "تكلفة الكيلو على الإدارة تبلغ أكثر من 200 ليرة للكيلو".

لكن حتى ذلك الحين، يواجه مزارعون معضلة تسويق محصولهم من القمح والشعير بعد توقف الإدارة الذاتية، كما الحكومة السورية، عن الشراء.

إغلاق المراكز تفتح الأبواب للاحتيال

في أيار/مايو المنصرم، حددت الإدارة الذاتية سعر شراء القمح والشعير من المزارعين بـ150 ليرة و100 ليرة للكيلوغرام على التوالي، قبل أن تضطر إلى رفع سعر كيلو القمح إلى 160 ليرة، بعد موجة انتقادات سببها إعلان الحكومة السورية رغبتها في شراء القمح مقابل 185 ليرة للكيلوغرام. وقد اتهمت الإدارة الذاتية وقتها حكومة دمشق بإثارة الفتنة وتأليب الرأي العام ضدها.

علماً أن الحكومة السورية تحتفظ ببعض المؤسسات الخدمية والمدنية في شمال وشرق سوريا، في مقابل سيطرة مطلقة للإدارة الذاتية وجناحها العسكري قوات سوريا الديمقراطية (قسد) على المنطقة.

رغم هذا التنافس بين الإدارة الذاتية وحكومة دمشق على واحد من أكثر محاصيل سوريا أهمية استراتيجية، يجد مزارعون الآن صعوبة في تسويق محصولهم من القمح، عقب انتهاء فترة التسليم المعلنة من قبل الإدارة الذاتية، والممتدة من حزيران/يونيو وحتى منتصف آب/أغسطس الماضيين، وكذلك توقف الحكومة بشكل وصفه مزارعون بـ"المفاجئ"، عن استلام المحصول. وهو ما أثار بلبلة كبيرة في أوساط المزارعين، واضطر بعضهم إلى اللجوء إلى تجار لشراء محصولهم، مع ما قد يرافق ذلك من استغلال واحتيال.

وبحسب المزارع محمد ديركي، اضطر كثير من المزارعين إلى بيع محصولهم من القمح إلى تجار بأسعار تتفاوت بين 150 و166 ليرة. لافتاً إلى أن "البيع للتاجر يعفي المزارع من أعباء الشحن وأجرة السيارات"، لأن التاجر يشتري المحصول وفق ما يعرف بـ"شيلة الأرض"؛ أي شراء المحصول من الأرض بعد حصاده مباشرة.

لكن بعض التجار هرب من دون تسديد ما يترتب عليه من مستحقات مادية للمزارعين، كما حصل مع إبراهيم عبدو وإخوته الذين سلموا أحد التجار محصول "200 دونم وبما يعادل حوالي 3000 طن من القمح، لكنه هرب قبل أن يدفع".

ويفسر عبدو، وهو أحد المزارعين في مدينة عامودا شمال محافظة الحسكة، لـ"سوريا على طول" سبب اللجوء إلى البيع لتجار يعود لعدم "رضا المزارعين على سعر الإدارة الذاتية الذي حددته بـ160 ليرة لكيلو القمح، فيما حددت الحكومة السعر بـ185 ليرة". 

مع ذلك، يوضح عبدو، أن "المزارع يحتاج إلى واسطة حتى يبيع للحكومة"، وإلا فإنه سيضطر إلى انتظار "الدور" الذي قد يمتد لمدة أسبوع وأحياناً عشرة أيام، يترتب على المزارع خلالها تكاليف إضافية للشحن وأجرة السيارة، قد تصل إلى حدود 500 ألف ليرة".

في هذا السياق، قامت ميليشيات الدفاع الوطني التابعة للحكومة السورية، باحتجاز محافظ الحسكة اللواء جايز الموسى في مدينة القامشلي، على خلفية مشادات كلامية نشبت بين الطرفين، بعد قيام المحافظ بتجاوز الدور بثلاثين شاحنة تعود إلى تجار مقربين منه. إذ وصف المحافظ الميليشيا "بالمرتزقة". 

وتم حل الخلاف وإخلاء المحافظ بعد تدخل ضباط من "الفوج 154" التابع للقوات الحكومية المتمركزة على أطراف المدينة. وبحسب صحيفة "المدن" اللبنانية التي أوردت الخبر، هناك تجار يعملون لصالح المحافظ يقومون  بشراء القمح بسعر 135 ليرة للكيلو، ثم يقومون ببيعها للصوامع التابعة للحكومة في المنطقة بسعر 185 ليرة.

المزارع سيامند سلمان، من مدينة القحطانية بريف مدينة المالكية أقصى شرق سوريا، والذي اضطر إلى البيع لتجار بعد أن أوقفت الإدارة الذاتية عملية شراء القمح، يلفت كذلك إلى سبب يسبق مرحلة البيع، وهو عدم التمكن من إنجاز الحصاد في الوقت الملائم للالتزام بمهلة تسليم المحصول المحددة من الإدارة الذاتية. ويعود ذلك أساساً إلى عدم توفر الحصادات بشكل كاف، ما يرفع بدوره تكلفة استئجارها والمتمثلة في تقاضي أصحاب هذه الحصادات نسبة من المحصول تتراوح بين 8 إلى 15%. 

وفيما امتنع رئيس هيئة الاقتصاد والزراعة، عن الإجابة عن سؤال "سوريا على طول" حول آلية حماية المزارعين من المستغلين، يذكر عبدو أن قوات الأمن الداخلي الكردية المعروفة باسم "الأسايش"، والتي تقدم لها بشكوى عقب تعرضه للاحتيال، تبحث "عن أكثر من تاجر مختف، بلغت قيمة المحاصيل التي فرّ أحدهم من دون سداد ثمنها حوالي 700 مليون ليرة سورية، فيما تقدر قيمة ما فر به تاجر آخر بحوالي 300 مليون ليرة". وقد سعت "سوريا على طول" إلى الحصول على تعليق من "الأسايش"، لكن لم تحصل على رد.