عمان- سعياً وراء لقمة العيش، يضطر أبو عدي إلى التنقل مرة أو اثنتين شهرياً بين مناطق سيطرة "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) ومناطق سيطرة الحكومة السورية، من خلال المعابر المائية المنتشرة على ضفتي نهر الفرات في محافظة دير الزور شرق سوريا.

يعمل أبو عدي، والذي طلب عدم ذكر اسمه الحقيقي لأسباب أمنية، في مناطق "قسد"، فيما تستقر عائلته في مناطق الحكومة.

وبالإضافة إلى ما يجنيه من عمله في مجال الزراعة، يتلقى رب الأسرة المكونة من زوجته وأطفالهما الأربعة، مبلغ 50 ألف ليرة سورية (100 دولار تقريباً) من أخيه المغترب. لكن تنقله بين المنطقتين الخاضعتين لسلطتين منفصلتين ومتنافستين يجعله ضحية إرهاق مادي ونفسي، كونه يدفع نصف دخله أو أكثر أتاوات على المعابر، كما يقول لـ"سوريا على طول". 

ويوضح: "أنتقل مسافة كيلومتر واحد فقط [بين ضفتي النهر]، أدفع خلالها في كل مرة 10 آلاف ليرة للقارب أو العبارة، و10 آلاف أخرى تقريباً للحواجز [العسكرية والأمنية]". أما ما تبقى، فأشتري به ماء وطحيناً والقليل من الحبوب، فيما اللحوم ليس لها نصيب أن تزور بيتنا بالعادة".

ويعلل أبو عدي سبب اضطراره إلى العيش والعمل في منطقتين مختلفتين بأن "إيجار المنزل في مناطق "قسد" يبلغ قرابة 60 ألف ليرة. وبالرغم من أنني أقوم بترميم بسيط فقط لبيتي المتضرر بشدة في مناطق الحكومة، إلا أنني مضطر إلى إبقاء عائلتي هناك لأنني لا أقوى على دفع [هكذا] إيجار".

وسابقاً كانت محافظة دير الزور تعتمد بشكل رئيس على الجسور التي تربط المدن والقرى على ضفتي نهر الفرات بعضها ببعض، فتسمح بانسياب الحركة التجارية والمدنية بين مناطق الضفة الشمالية، أو "البادية الشامية" كما تسمى، والضفة الجنوبية المعروفة باسم "بادية الجزيرة".

لكن الأمر تغير تماماً مع تدمير جميع الجسور، بشكل تدريجي. وقد بدأ ذلك في العام 2013، عندما فقدت الحكومة السورية السيطرة على مدينة دير الزور، فقامت بتدمير جسر "السياسية" الذي كان يعد أهم جسور المحافظة ورمزها. تالياً، قام طيران "التحالف الدولي ضد داعش" بتدمير العدد الأكبر من الجسور خلال حربه على التنظيم منذ العام 2014.

نتيجة لذلك، ازدهرت ما تسمى "المعابر المائية" بشكل كبير، باعتبارها الحل البديل لتنقل المدنيين والتبادل التجاري عبر ضفتي "الفرات"، حيث ظهرت عشرات المعابر البدائية.

حالياً مع انتعاش الحركة عقب هزيمة "داعش"، صارت هذه المعابر تدر عوائد مادية ضخمة نسبياً للأطراف المسيطرة عليها. إلا أن الأتاوات المفروضة، تحت مسمى "رسوم جمركية"، من قبل كل من "قوات سوريا الديمقراطية" من جهة، وقوات الحكومة السورية والمليشيات التابعة لها من جهة أخرى، تفاقم معاناة المدنيين الذين يعيشون حالة اقتصادية متهالكة نتيجة سنوات الحصار والحرب إبان سيطرة "داعش".

وكما يشرح أيمن علو، الناشط الإعلامي من أبناء المنطقة، لـ"سوريا على طول"، تبلغ "رسوم العبور من معبر الصالحية، وهو من أهم المعابر، 5000 ليرة سورية على الشخص، و5000 ليرة على كل رأس ماشية، و100,000 على الأثاث، وبين 200 و800 ليرة على الأدوات الكهربائية، و5000 على الدراجة النارية، و12,000 على السيارة، و15,000 على الجرار الزراعي، و150,000 على الشاحنة، و500,000 على التركس".

مضيفاً أن "الطرفين ["قسد" والقوات الحكومية] يجبيان الضرائب في الذهاب والإياب"، مشبهاً إياهما بـ"المنشار الذي يأكل على الجهتين". علماً أن "قسد" تسمي هذه الرسوم أو الضرائب "جمارك، كأن الناس تنتقل بين بلدين".

ويضطر السكان إلى التنقل بين المدن والقرى عبر النهر بشكل دائم لأسباب مختلفة، كالحصول على البضائع والسلع، أو العمل وتنقل الموظفين في مؤسسات الحكومة. أو من أجل الحصول على الرعاية الصحية في المشافي الحكومية. كما بسبب عودة النازحين إلى بيوتهم وقراهم.

أبو ماجد الديري (30 عاماً)، عاد مؤخراً مع عائلته المكونة من 7 أفراد إلى مدينته القورية الخاضعة لسيطرة الحكومة، جنوب شرق دير الزور، عقب نزوحه في تشرين الثاني/نوفمبر 2017 إلى مناطق "قسد"، نتيجة اشتداد المعارك ضد "داعش".

قبيل عودته، قام الديري، الذي فضل عدم الإفصاح عن اسمه الحقيقي لأسباب أمنية، بتسوية وضعه مع الحكومة السورية عن طريق قريب له يعمل مع الجيش، حتى لا يتم اعتقاله.

وكما يصف لـ"سوريا على طول": "اتجهنا إلى قيادة المعبر من جهة "قسد" حيث تم أخذ ثبوتياتنا [الإثباتات الشخصية] وتفتيشنا. ثم طُلب منا الذهاب إلى غرفة ترفيق المعبر لدفع "الجمرك". بعدها استقبلتنا حواجز الحكومة السورية على الضفة الثانية من نهر الفرات. عليك أن تدفع للجميع".

أما "إذا كنت مطلوباً أو لم تقم بتسوية وضعك مع الحكومة، فسيتم اعتقالك على الحواجز مباشرة"، كما يضيف.

وبحسب مسؤول عسكري في "قسد"، تحدث إلى "سوريا على طول" شريطة عدم ذكر اسمه لأنه غير مخول بالتصريح للإعلام، فإن "من الصعب وضع إحصائية دقيقة بالأشخاص الذين يعبرون يومياً من مناطقنا إلى مناطق النظام وبالعكس. لكن نستطيع القول إن العدد بالعشرات".

مضيفاً أن "هناك عودة بالفعل إلى مناطق النظام، لكنها قليلة". أما السبب، فهو أن "الأشخاص الذين لديهم أملاك، من مثل البيوت والأراضي يعودون بسبب أملاكهم، لكن خوف الأهالي من الانتقام، لا سيما على يد المليشيات المدعومة من إيران، وكذلك التجنيد ما يزال عائقاً أمام العودة".

وتشهد المحافظة عودة تدريجية للمهجرين إلى قراهم وبلداتهم. وبحسب أيمن علاو فقد "تم إحصاء عودة ما يقارب 200 ألف شخص تقريباً، من أصل 600 ألف نسمة كانوا يقطنون قرى وبلدات [البادية] الشامية".

إضافة إلى ما سبق، يضاعف التغيير المستمر للضباط المسؤولين عن الحواجز من تكاليف العبور؛ الأتاوات، والتي لا تعفي المدنيين الذين يدفعونها من التعرض للإهانات والمعاملة السيئة، على نحو ما حدث لأبي عدي في إحدى المرات. 

إذ انتظر على المعبر من جهة "قسد"، مع ابنه المريض، لمدة ثلاث ساعات قبل أن يأتي دوره. واصفاً المعاملة بأنها "سيئة وفيها إذلال من دون سبب".

يقول: "طلبت من الضابط أن يمررني بسرعة لأن ابني لم يعد يحتمل الوقوف تحت أشعة الشمس. فكان جوابه: "الشغلة مو بكيفك". وقد شعرت بالقهر، لكنني لم أستطع أن أتكلم لأنني سأعود للعمل لتأمين لقمة العيش". 

ويتابع: "تخيل، كان معي في العبارة 9 عائلات وأربع سيارات محملة بالأثاث تنتظر العبور، وكل ما تغير الضابط أو الحاجز على الطرفين يجب أن تدفع. وأنت وحظك".

ولا ينفي مسؤول في مجلس دير الزور المدني التابع لـ"قسد" تقاضي الأخيرة مبالغ غير محددة من المدنيين خلال عبورهم بين ضفتي الفرات. مستدركاً في حديثه إلى "سوريا على طول"، شريطة عدم الإفصاح عن اسمه، أن "التقاعس والخلافات المستمرة بين "قسد" والحكومة السورية هما العائق الرئيس أمام إصلاح وترميم الجسور". 

لكن ليست الأتاوات والضرائب المفروضة على العبور هي العقبة الوحيدة أمام المدنيين. إذ إن الإغلاق المتكرر للمعابر بسبب الخلافات المستمرة بين الأطراف المسيطرة عليها يزيد الأمر سوءاً.

ويذكر أحمد عادل، الناشط الإعلامي من أبناء المنطقة، لـ"سوريا على طول" أنه "تم إغلاق جميع المعابر تقريباً منذ شهر بسبب محاولة "قسد" احتكار المعابر". ورغم أن هذا الإغلاق لم يستمر طويلاً، فإن إغلاق المعابر لفترة طويلة يؤثر على خط "الشامية" كونها الشريان الرئيس للبضائع والمحروقات، كما يؤثر أيضاً على الموظفين والمدرسين [في مناطق] النظام".

وبحسب مسؤول مجلس دير الزور فإن "قسد لديها دعم مادي جيد من قبل التحالف، لكنها لم تتفق مع الحكومة السورية بخصوص إصلاح الجسور حتى الآن".