مع اقترابه من ضواحي مدينة دوما مع اثنين من أبنائه الأربعة في وقت سابق من هذا الشهر، كان سمير الحموي يشعر بالرهبة والخوف مما كان ينتظره في مسقط رأسه على الجانب الآخر من نقاط التفتيش العسكرية.

وقال "بدأت أتعرق كثيراً، كان شعور لا يمكن وصفه".

وغادر الحموي مدينة دوما إلى ضواحي دمشق التي تسيطر عليها الحكومة مع زوجته وأولاده في عام 2012، تاركاً وراءه عمله وأصدقاءه وعائلته، وخلال السنوات الست الماضية، لم يعد إلى دوما أبداً.

وحاصرت القوات الحكومية مدينة دوما عام 2013، واستعادت السيطرة عليها عقب حملة عسكرية عنيفة في وقت سابق من هذا العام.

وبعد أسابيع من استعادة سيطرتها على المنطقة، سمحت القوات الحكومية للنازحين مثل الحموي بالعودة إلى منازلهم في ضواحي الغوطة الشرقية التي كانت تقع تحت سيطرة المعارضة سابقاً.

وقال الحموي لسوريا على طول، وهو يقود سيارته في مسقط رأسه المدمر "الركام على يميني وعلى شمالي، لدرجة أن هناك بعض مناطق لا يمكنك تمييزها أو مقارنتها بما كانت عليه قبل عام 2011".

ومنذ زيارة الحموي الأولى للمدينة، عاد لزيارتها أربع مرات أخرى، حيث وجد هناك أصدقاءه القدامى وأقاربه وجُمع شملهم "بدموع الفرح" وإن كان ذلك لفترة وجيزة فقط، ورأى أيضاً " أطفالاً على شكل هياكل عظمية بسبب الحصار ونقص الغذاء والدواء" يعودون إلى الحياة ببطء، ويتغذون من عودة الطعام والفواكه وغيرها من السلع الأساسية إلى الأسواق.

وطلب الحموي عدم استخدام اسمه الحقيقي لأنه يخشى من العواقب الممكنة بسبب التعبير عن رأيه في حصار الحكومة للغوطة الشرقية.

وتسببت سنوات من الحصار والقصف في نزوح أعداد كبيرة من سكان دوما وبقية الغوطة الشرقية، ومع سيطرة الحكومة السورية عليها لم يتبق سوى 70 ألف شخصاً في المدينة في منتصف شهر نيسان، حسب تقديرات الأمم المتحدة.

رجل يسير في شارع في مدينة دوما في 20 نيسان. تصوير لؤي بشارة.

والآن، وبموجب اتفاقية مصالحة تم التوصل إليها مع قوات المعارضة، فإنه من المقرر عودة السكان النازحين عن دوما وباقي الغوطة الشرقية إلى منازلهم تدريجياً. وكانت الحكومة السورية الأسبوع الماضي سهّلت عودة مئات النساء والأطفال النازحين من مراكز الإيواء التي تديرها الدولة في ريف دمشق، حسبما أفادت به سوريا على طول في ذلك الوقت.

لكن في الوقت الراهن، يسمح للنازحين المقيمين خارج المراكز مثل الحموي بالقيام بزيارات قصيرة لا تطول أكثر من 24 ساعة.

وعلى الرغم من ذلك، فإن زيارة المنزل "كانت بمثابة الخروح من الجحيم إلى الجنة، "خرجت من السيارة وركعت لأشكر الله" على حد قوله.

متى خرجت من مدينتك دوما؟ وكيف كانت زيارتك الأولى بعد سيطرة النظام عليها، وما هي الإجراءات؟

نزحت من دوما في منتصف عام 2012، وكنت قبل ذلك بخمسة أشهر أتردد إليها ولكن بشكل متقطع، وزرت دوما بعد غياب عنها لست سنوات، وتحديداً كانت زيارتي الأولى في الخامس من شهر أيار الجاري.

النظام لم يفتح معابر دوما بشكل مطلق، ولكن سمح لأهالي المدينة بزيارتها وتفقد بيوتهم، ويتم الدخول عبر حواجز النظام، ويحصل الزائر على ورقة دخول ويجب عليه مغادرة المدينة في أقل من 24 ساعة.

في البداية سمحوا بالزيارة لساعات قليلة، وبعدها زاد عدد الساعات المسموح بها.

بالنسبة لي دخلت بسيارتي، وكان هذا ممنوعاً ولكن دفعت على الحاجز لأحد العناصر مبلغاً مالياً، وأذن لي بالدخول وتجولت في دوما بسيارتي الخاصة.

ما هو شعورك في زيارتك الأولى؟ وكيف وجدت مدينتك بعد غيابك عنها لسنوات؟

زيارتي الأولى كانت في الخامس من الشهر الجاري، ذهبت بسيارتي الخاصة أنا واثنين من أبنائي، عند انطلاقتي في بداية الطريق بدأت أتعرق كثيراً، كنت أشعر بالرهبة والخوف والفرح.. شعور لا يمكن وصفه.

وعندما وصلت إلى مشارف دوما، التقيت بشخص على أحد الحواجز كان قد وعدني بتسهيل دخولي لقاء مبلغ مالي، ثم دخلت من جهة مشفى حرستا العسكري وعندما وصلت إلى مشفى البرج، أي أول منطقة سكنية في دوما شعرت بأنني خرجت من الجحيم إلى الجنة، والله رغم كل الدمار والأبنية المنهارة كنت أشعر بأنني في جنة، سجدت سجدة شكر لله، وبعدها واصلت المسير.

توجهت من مشفى البرج باتجاه مقبرة دوما، وكان النظام قد أغلق بعض الطرق وفتح بعضها بعد دخوله إلى المدينة، كما أن أغلب الشوارع كان يوجد فيها حواجز عسكرية.

وخلال مسيري في السيارة كنت أشاهد الركام على يميني وعلى شمالي، لدرجة أنك في بعض المناطق لا يمكنك تمييزها أو مقارنتها بما كانت عليه قبل عام 2011.

 

مواطنون في شوارع دوما في 20 نيسان. تصوير: لؤي بشارة.

كيف وجدت أهالي المدينة خلال زيارتك؟

بصراحة عندما تقابل أشخاصاً خرجوا من حصار وقصف لعدة سنوات تشعر وكأن الله أعطاهم قوة كبيرة قوة خارقة، لينسوا كل ماحصل لهم خلال سنوات الحصار فوراً، يعني الناس بعد أيام من توقف القصف ودخول المواد الغذائية تراهم بمعنويات عالية، ونشاط عالي جداً.

واللافت أننا كنا نرى أطفال على شكل هياكل عظمية بسبب الحصار ونقص الغذاء والدواء، ولكن خلال 25 يوم من دخول المواد الغذائية، بدأنا نرى الأطفال بمظهر جديد.

بين زيارتي الأولى والخامسة لمدينة دوما، لاحظت بشكل واضح الفرق ببنية الأطفال الجسدية كأنه عندهم كل يوم يعادل سنة ويحاولون تعويض كل النقص على الفور، وهذا الشيء يجعلك تشعر بالفرح لأهل بلدك بغض النظر عن الموقف السياسي أو الطريقة التي فرضت على المدينة.

كما لفت انتباهي الودّ بشكل كبير والكرم المعروف عند أهالي دوما قبل 2011، لا يزال كما هو، وبالرغم من فقر الناس وحاجتها والقهر الذي شهدوه لسنوات، فإنهم عندما كانوا يستقبلوني كانوا يحتارون بطريقة الترحيب والضيافة التي سيقدمونها، بالرغم من أنهم لايملكون شيئاً.

هل تحدثت مع الناس عن الحصار، ماذا سمعت منهم؟

بناءاً على أحاديثي مع السكان ومعارفي في دوما، وما رأيته بأم عيني لا أعتقد أن أي منطقة قد تعرضت لما تعرضت له الغوطة الشرقية، الناس في دوما يقارنون حصارهم بحصار غزة.

لا أعتقد أن أي مدينة مأهولة بالسكان في العالم تعرضت لنفس الدرجة من الدمار الذي تعرضت له دوما.

6- كيف يقضي أهالي دوما حياتهم في هذه الأيام؟

هذه من المشاهد الغريبة واللطيفة التي رأيتها بعيني خلال زيارتي، لولا الدمار والركام الموجود في الطرقات، لظننت نفسي في مدينة لم تشهد حرباً، الناس في كل مكان بالمدينة، بعضهم يزرع الورود أمام منازلهم، وآخرون ينظفون، والشيء الأغرب أن ترى البعض يزيل الردم من أمام منازلهم بالأكياس حتى أن السكان لاتنتظر آليات البلدية لتزيل الركام.

ذات مرة، وبينما كنت أسير في أحد الشوارع، وجدت بعض الأشخاص الذين أعرفهم، وسألتهم ماذا يفعلون؟ قالوا أنهم يعملون على تنظيف الركام وبقايا المنازل وإعادة تدويره لاستخدامه من جديد، كانوا يقومون بتنظيف الطوب وتجليس الحديد لإعادة بيعه واستخدامه في عمليات الإعمار، كان العامل منهم يحصل على مبلغ 1500 ليرة سورية يومياً، الأجرة هي نفسها كما كانت خلال الحصار لكن الآن بهذا المبلغ يستطيع العامل أن ياكل ويشرب بشكل جيد، بينما لم يكن يكفي ثمن وجبة قبل شهور قليلة.

ماذا رأيت من الأسواق في المدينة؟ هل الناس قادرون على شراء الأشياء؟

عادت أصنافاً كثيرة من المواد الغذائية والفواكه إلى الأسواق بعد أن كانت غائبة خلال سنوات الحصار، أما الأسعار فهي مختلفة تماماً عن سنوات الحصار، الأسعار في الحصار كانت عشرات أضعاف الأسعار الحالية، مثلاً ربطة الخبز حالياً في دوما سعرها 50 ليرة سورية، بينما كان سعرها في آخر أيام الحصار قبل شهرين نحو 1000 ليرة سورية.

خلال زيارتي لدوما قدمت مبلغ 20 ألف ليرة سورية (39 دولار تقريباً) لأحد أفراد عائلتي، فقال لي هذا المبلغ يعادل مبلغ 200 ألف ليرة سورية (390 دولار تقريباً) بأيام الحصار رغم أن صرف الليرة السورية مقابل الدولار لم يختلف، ولكن بسبب رخص الأسعار، وهذا الشخص معيل لزوجته وأولاده وأحفاده، حيث أن أزواج بناته استشهدوا وهو يعيل بناته وأبنائهن.

 

ترجمة: بتول حجار