أردنيون يشاهدون حركة المرور الحدودية من جسر للمشاة على بعد مئات الأمتار من المعبر. تصوير: مادلين إدواردز.

تجمع رجال وشبان أردنيون على درجات جسر للمشاة في صباح أحد أيام الخريف، لالتقاط صور بالهاتف الخليوي لحدث لم تشهده المنطقة منذ سنوات.

وتحت الجسر، كان هناك ما لا يقل عن ١٠٠ سيارة خاصة وسيارات أجرة وشاحنات تجارية- الكثير منها بلوحات ترخيص كتب عليها درعا وريف دمشق- مصطفة في طابور أمام معبر جابر- نصيب الذي أعيد فتحه مؤخرا ويربط الأردن بالمناطق الريفية في جنوب سوريا على بعد بضع مئات من الأمتار فقط.

قال أحد الأردنيين المتواجدين في المنطقة، من قرية جابر السرحان المجاورة، مشيرا إلى منزل عائلته الذي يقع على بعد شارع واحد فقط "قبل فتح المعبر، لم تكن حتى الطيور تمر من هنا. الآن، ولله الحمد، أينما ذهبنا نرى أناسا حولنا".

وكانت حركة المرور في ركود نوعا ما حيث كان الشارع المؤدي إلى الحدود مزدحم جدا. كما استسلمت مجموعة من المسافرين ببساطة بسبب الازدحام، وتركوا سياراتهم مصطفة في الطابور وذهبوا لشراء القهوة من سوبر ماركت عبد الناصر جرادات القريب.

بالنسبة إلى جرادات وأصحاب المتاجر الأخرى الذين يعتمدون على التجارة على طول الطريق الدولي الذي يربط بين العاصمتين السورية والأردنية، فإن هذا يعني تحسن الأعمال في منطقة كانت أشبه بمدينة أشباح قبل شهر واحد فقط، أي قبل عودة تدفق المسافرين وسائقي الشاحنات لأول مرة منذ إغلاق المعبر الحدودي في عام ٢٠١٥.

المركبات السورية والأردنية تصطف على الجانب الأردني من الحدود لعبور معبر جابر-نصيب. تصوير: عمار حمو.

وقال جرادات، وهو أستاذ جامعي من مدينة إربد الأردنية، لسوريا على طول "لقد عادت الحياة إلى طبيعتها".

وحتى وقت قريب، كان جرادات يقضي أيامه جالسا في الجزء الخلفي من المحل، الذي اقتصرت زبائنه على عدد قليل من أهالي قرية جابر السرحان.

وكان الجرادات من بين أصحاب المتاجر في شمال الأردن، والذي زارته سوريا على طول في أوائل تشرين الأول، قبل إعادة فتح معبر نصيب- كما هو معروف للسوريين. كانت البلدات والقرى التي تمتد على طول حدود الأردن مع سوريا تعاني ركودا اقتصاديا شديدا بسبب سنوات الحرب، التي أدت إلى إغلاق الحدود رسميا وتوقف حركة المرور في المنطقة.

وقال الجرادات لسوريا على طول من متجره الذي كان فارغا في ذلك الوقت في تشرين الأول "قرى بأكملها عاشت على المردود المادي من هذا المعبر الحدودي".

في هذه الأيام، ليس لديه الوقت الكافي لأخذ استراحة فهو يمضي وقته بين العمل وتلبية احتياجات الزبائن وشرب القهوة مع المسافرين العابرين من سوريا والأردن وحتى المملكة العربية السعودية.

وامتلأت رفوف متجره بأنواع صابون أجنبي وبسكويت، وكذلك سجائر مارلبورو اللبنانية التي تم نقلها مؤخرا عبر سوريا من خلال الطريق البري الذي أعيد افتتاحه. وقال جرادات إن تكلفة كل شحنة ٢٧ دينارا أردنيا (٣٨ دولارا)، فهي أرخص من النسخة الأردنية.

وأوضح الجرادات "أبقي المتجر مفتوحا على مدار ٢٤ الساعة"، أثناء الدردشة مع عائلة دمشقية تأخذ استراحة لتناول القهوة والسجائر بعد رحلة طويلة بالسيارة شمالا من المملكة العربية السعودية.

"ومع أن المعبر يُغلق عند الساعة الرابعة مساء، إلا أن هناك أشخاص يصطفون في الخارج طوال الليل محاولين حجز مكان لهم في الطابور".

أحمد السرحان يعمل في مقهى "باب الحارة"، الذي سمي على اسم مسلسل سوري شهير. قال سرحان "لقد أعطيناه هذا الاسم من أجل أشقائنا السوريين". تصوير: مادلين إدواردز.

وهذه ليست العلامات الوحيدة على تجدد الحركة التجارية في هذه الزاوية الريفية في الأردن، حيث تعتمد الشركات المحلية على التجارة عبر الحدود وعلى حركة المرور الحدودية للحصول على العملاء.

وتدخل ٣٥٠ شاحنة تجارية تقريبا نقطة العبور يوميا منذ إعادة فتحها في منتصف تشرين الأول، بحسب ما قاله علي عويس، رئيس الجمارك في الجانب الأردني من المعبر، لموقع الغد الإخباري المحلي في وقت سابق من هذا الشهر.

في غضون ذلك، عبر حوالي ٥٠ ألف مسافر إلى سوريا، و ٢٥ ألفا آخرين إلى الأردن، خلال الفترة نفسها، وفقا لموقع خبرني الأردني، نقلا عن رئيس لجنة النقل الأردنية الأسبوع الماضي.

 

العائدات التجارية لحركة الحدود "لأول مرة منذ سنوات"

وفقا لسكان محليين، إن حركة المرور عبر الحدود لها أهمية اقتصادية- فالأردنيون يستفيدون من الأسواق السورية الرخيصة نسبيا لشراء السلع ثم يأخذونها إلى ديارهم.

وقال رجل جالس على جسر المشاة بجوار نصيب، وهو يراقب المسافرين في الطابور "معظم الناس الذين يذهبون هم من الأردنيين الذين يدخلون إلى سوريا ويحضرون السجائر واللحوم ذات الأسعار الرخيصة مقارنة بالأردن".

"هذه هي المرة الأولى، منذ سنوات، التي نشهد فيها شيئا كهذا"، وفقا لما قاله مدني أخر.  

وكلاهما من أهالي جابر السرحان، وهي واحدة من سلسلة من القرى الحدودية الأردنية المتناثرة التي تربطها علاقات عائلية وتجارية عميقة بجنوب سوريا تعود لما قبل الثورة عام ٢٠١١، وكذلك الحدود السورية الأردنية نفسها، التي تعود لحوالي مئة عام.

وقبل الحرب، كانت الرحلة شمالا من جابر السرحان إلى سوريا تستغرق فقط ما لا يزيد عن خمس دقائق. وكان إحضار المواد الغذائية عبر الحدود والسجائر أمرا شائعا. كما كان معتاداً بالنسبة للأردنيين في عمان- حوالي ٦٠ كم جنوب الحدود- الذهاب برحلات تسوق في نهاية الأسبوع إلى دمشق.

مقهى باب الحارة يقع على الطريق الدولي السريع بين عمان ودمشق، على بعد بضعة كيلومترات جنوب الحدود السورية- الأردنية. تصوير: مادلين إدواردز.

وكانت رفوف المتاجر الأردنية على طول الحدود تمتلئ بالمنتجات السورية- بعضها تم نقلها من أماكن بعيدة مثل حلب، التي كانت تمثل العاصمة الصناعية لسوريا. في الوقت ذاته، كان يتم شحن الصادرات الأردنية برا عبر سوريا، ثم إلى لبنان وتركيا وحتى أوروبا.

لكن المظاهرات التي اندلعت في جميع أنحاء سوريا في ربيع عام ٢٠١١ دفعت المسافرين وشركات النقل إلى تعليق عملها، مما أدى إلى تدهور اقتصاد الاستيراد والتصدير في الأردن. وفي غضون أشهر، خنق القتال مجتمعات تعتمد على التجارة على جانبي الحدود.

وجاءت الضربة الأخيرة في نيسان ٢٠١٥، عندما أغلقت الحكومة الأردنية حدودها الشمالية إلى أجل غير مسمى بعد أن اندلعت المعارك بين الحكومة السورية وفصائل المعارضة في درعا – وأعقبها سيطرة المعارضة على جزء كبير من محافظة درعا بما في ذلك معبر نصيب. وتسبب القتال على الحدود الجنوبية لسوريا بتدمير وحرق أجزاء من معبر نصيب.

وبعد إعادة السيطرة على الجنوب الغربي بالكامل من  فصائل المعارضة والجماعات  المتشددة في وقت سابق من هذا العام، بدأت الحكومة السورية بإصلاح جانبها من المعبر الحدودي في منتصف أيلول، حسبما أفادت به وكالة الأنباء السورية سانا في ذلك الوقت. وبعد أقل من أسبوعين، أعلنت سانا أنه سيتم إعادة فتح الحدود رسميا في ١٠ تشرين الأول.

وبعد ذلك بأيام، فتح المعبر أبوابه رسميا للمرة الأولى منذ أكثر من ثلاث سنوات، مع دخول عدد  قليل من السيارات- معظمها من الأردنيين- إلى سوريا. 

وإعادة فتح الحدود جاء في الوقت الذي تقدم فيه الحكومة السورية رواية لبلد خرج منتصراً ضد قوات المعارضة بعد سبع سنوات من الحرب. وفي الشهر الماضي، رحب وزير الإدارة المحلية في سوريا حسين مخلوف بإعادة فتح الحدود "لتشجيع" عودة اللاجئين، وهي واحدة من الصيحات الرئيسية التي تنادي بها الحكومة لتدفع الملايين من الأشخاص الذين شردتهم الحرب إلى العودة إلى وطنهم.

 

موظف يأخذ استراحة على الطريق السريع بين عمان ودمشق. تصوير مادلين إدواردز. 

"الحركة لا تزال خفيفة"

التجارة على الجانب الأردني، على الرغم من تحسنها، إلا أنها لاتزال بطيئة للوصول إلى التجار في جابر السرحان.

وقال جرادات  "فتح الحدود يضيف دخلا جديدا للمنطقة، وأنا عينت موظفين جدد من جابر السرحان".

ولكن في الوقت الحالي، تتجه معظم السلع الرخيصة نسبياً التي يتم إحضارها عبر المعبر إلى متاجر تبعد عدة كيلومترات غرب الرمثا، وقال هو وتجار محليون آخرون لسوريا على طول "هذا هو المكان الذي ينحدر منه معظم السائقين". 

المنتجات الوحيدة التي تمكن من شرائها من الطريق البري منذ إعادة فتحه هي السجائر اللبنانية الرخيصة، التي يتم نقلها بالشاحنات عبر سوريا. 

وعلى بعد بضع عشرات من الكيلومترات إلى الجنوب من المعبر الحدودي، تقف ثلاث سيارات أمام محطة استراحة حيث ينتظر سائق سيارة أردني ركابه السوريين الذين يريدون التوجه إلى ديارهم في ضواحي الغوطة الشرقية في دمشق. 

وقال صاحب المحطة،  طلب عدم الكشف عن اسمه، أن حوالي 10 سيارات تمر كل يوم من أمام المحطة متجهة إلى الحدود. وأضاف إن الحركة لاتزال بطيئة، بالرغم من الحاجة إليها، منذ أيام إغلاق الحدود عندما كان يدفع ثمن الخسائر "من جيبه الخاص".

وتابع "الآن، على الأقل، عاد الطريق السريع إلى الحياة".

وفي نهاية الطريق، خلا موقف أحد المقاهي الواقعة جانب الطريق من السيارات. ويجلس داخل المقهى موظف واحد يحتسي القهوة ويشاهد فيلماً أمريكياً على جهاز تلفزيون قديم. ولا تزال برهة الجلوس داخل المحل فارغة.

وقال أحمد سرحان الموظف الوحيد في المقهى "بصراحة، الحركة لا تزال خفيفة".

وهو من قرية سما السرحان المجاورة ، قبالة الطريق السريع عمان-دمشق، حيث توجد العشرات من الاستراحات الأخرى والمتاجر عبر الطريق الريفي. وفي بعض الأيام ، يكون عدد الزبائن أكثر - مسافرين يمرون من الأردن والسعودية والسوريون الذين يعودون إلى الوطن.

وذكر السرحان" ولكن من ناحية معنوية فتح الحدود خير بالنسبة لنا".

وقبل شهر واحد من إعادة فتح الحدود ، أطلق صاحب السرحان اسمًا جديدًا للمقهى، وسماه باب الحارة ، نسبةً لمسلسل سوري شهير، وقال "لقد أطلقنا عليها اسماً جديداً من أجل اخوتنا السوريين". 

وبإمكان معبر النصيب أن يعيد حركة الأعمال التجارية التي تشتد الحاجة إليها على جانبي الحدود، ويربط بين الجاليتين السورية والاردنية التي تأثرت بعد سبع سنوات من الحرب بشكل جذري. ولكن الأمور لا تزال بطيئة، على الرغم من الضجة الحاصلة . 

وبالعودة إلى المعبر، وبينما يتصارع السائقون في طابور الانتظار، ينتظر أحد السائقين السوريين، بعد وصوله من مدينة درعا جنوب سوريا في اليوم السابق على أمل أن يعثر على ركاب أردنيين أو سوريين للعودة عبر الحدود قبل إغلاقها. وهي المرة الأولى التي يدخل فيها الأردن منذ إعادة فتح الحدود، الشهر الماضي، على حد قوله.

وقال السائق لسوريا على طول "أنا قديم على الخط"، وهو يستند على سيارته البيضاء التي تحمل شعار الإعلان عن الرحلات بين درعا وعمان وبيروت، مضيفاً "عندما أغلقت الحدود، توقفنا عن العمل، كنا نجلس دون عمل، دون أي شيء".

ويرى اليوم أن مدخل المعبر الحدودي، يمكن أن يكون أفضل فرصة له للعثور على عمل كونه في الجانب الأردني بدلاً من مكاتب السفر القليلة التي عادت للعمل الآن من عمان إلى سوريا. 

لكن بعد مرور ساعة، أصبح الطابور على الحدود أكبر، ولا يزال السائق السوري يقف خارج سيارته الأجرة الفارغة، في انتظار أي إشارة لركاب محتملين.

هذا التقرير هو الجزء الأول لسلسلة من جزأين عن تقييم الأثر الاقتصادي لإعادة فتح معبر جابر - نصيب الحدودي في كل من الأردن وسوريا.