بعد عام على طرد تنظيم الدولة، سكان الرقة يبحثون "بين الأنقاض" ما يبقيهم على قيد الحياة

الركاب على متن العبارة المائية في الرقة قبل عبور نهر الفرات في تشرين الأول. الصورة من صفحة الرقة تذبح بصمت.

بعد غروب الشمس من كل ليلة يخيّم الظلام الدامس على شوارع حيّ المشلب شرق مدينة الرقة، لأن المولدات لا تضيء حتى الطوابق المنخفضة للمنازل وواجهات المحلات المحطمة، ولا تزال أنقاض عدد من المباني دون إزالة، وفق ما قال سكان محليون.

وكان هذا الجزء من المدينة في يوم من الأيام أحد المناطق العسكرية العامة لتنظيم الدولة، الذي مزقته أعنف عمليات القصف من قبل التحالف الدولي، والمعارك البرية بين تنظيم الدولة وقوات سوريا الديمقراطية ذات الغالبية الكردية، المدعومة من الولايات المتحدة خلال معركة الرقة العام الماضي.

وبعد عام واحد من طرد تنظيم الدولة من عاصمة الخلافة - التي اتخذها التنظيم لنفسه - من خلال حملة جوية وبرية مدمرة من قبل التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة وقوات سوريا الديمقراطية، لا يزال المدنيون يعانون من عواقب ذلك الهجوم.

ويعاني نحو ألف شخص من سكان حي المشلب، من افتقار الحي لأبسط مقومات الحياة، بعد مشهد مروّع حلّ به جراء الحملة العسكرية في العام الماضي، ولا تزال باقي أحياء الرقة تعاني من سوء الخدمات.

المياه في أحياء مدينة الرقة لا تزال غير صالحة للشرب و 75٪ من المدينة تفتقر إلى نظام صرف صحي، كما أن خدمات البلدية معدومة فعلياً، وفقاً لما قاله العاملون في المجال الإنساني، ولا يخاطر سوى القليل من المدنيين بمغادرة منازلهم لمدة ساعات خوفاً من العنف المنتشر من قبل مسلحين خارجين عن القانون يجوبون الشوارع في الليل، وولا تزال صفوف من المباني السكنية مهجورة في المدينة لأن سكانها لم يعودوا إليها حتى الآن.

وقالت منى الفريج، ناشطة في مجال العمل الإنساني، لسوريا على طول "لا يمكنك التحرك في المدينة في وقت متأخر من الليل، لايزال هناك فوضى بعد حلول الظلام في الرقة".

إن المدينة التي تنحدر منها الفريج ومئات الآلاف، بالكاد يمكن التعرف عليها.

بعد السقوط، لا يوجد منازل للعودة إليها

وخلفّت موجات النزوح، من المنطقة - التي حاربت فيها كل القوى المتصارعة في الحرب السورية، على مدار السنوات السبع الماضية - مساحات فارغة في مدينة الرقة.

وارتفع عدد السكان في الرقة قبل الحرب إلى ما يقارب المليون في بداية الصراع بسبب عمليات النزوح من مختلف أنحاء البلاد، قبل أن تشهد المدينة اشتباكات بين القوات الحكومية وقوات المعارضة في أوائل عام 2013، والتي بدورها تسببت ببداية نزوح مدني مستمر أدى في نهاية المطاف إلى خلو المدينة من جميع سكانها تقريباً.

وقبل عام وصل مستوى النزوح إلى أعلى مستوياته، وأفادت الأنباء أن أربعة آلاف مدنياً فقط ظلوا مختبئين في المنازل والملاجئ في أنحاء المدينة، حيث احتدمت المعركة بين مقاتلي تنظيم الدولة وقوات سوريا الديمقراطية المدعومة من قوات التحالف.

وكان الصراع على مدينة الرقة من أعنف المعارك المدمرة التي شهدها تاريخ الحروب الحديثة، ولم تتحقق المكاسب العسكرية ضد المتطرفين إلا على خلفية الدمار الهائل الذي أصاب الإسكان والبنى التحتية والنسيج الحضري للمدينة.

وبحلول الوقت أعلنت قوات سوريا الديمقراطية أن المدينة خالية من المتشددين التابعين لتنظيم الدولة، وكان ذلك في 17 تشرين الأول من العام الماضي، حيث شهدت الرقة أعنف قصف جوي لأي منطقة حضرية منذ حرب الفيتنام، وفقاً لمنظمة العفو الدولية.

أطفال على سطح منزل مدمر في الرقة المدمر في تشرين الأول. صورة من إعلاميون بلا حدود.

ترك جيمي شانهيان مدينة الرقة مسقط رأسه قبل ظهور تنظيم الدولة، ووصل به المطاف إلى ألمانيا، ليواصل عمله في تقديم الدعم والتدريب عن بعد للمنظمات العاملة في الرقة من الخارج من خلال منظمة "مركز دعم المجتمع المدني"، وقال أن حوالي 70 بالمائة من سكان المدينة قبل الحرب لم يعودوا رغم مضي عام على زوال التنظيم.

وأضاف "العديد من الموجودين حالياً في مدينة الرقة هم أولئك الذين صبروا طوال تلك الفترة على النظام وعلى داعش، وكانوا قادرين على البقاء هناك على الرغم من جميع الظروف".

ويمثل عدد سكان اليوم نسبة ضئيلة من الذين غادروا المكان في المقام الأول، وأفادت منظمات الإغاثة في حزيران أن 100 ألف شخصاً فقط عادوا إلى الرقة بعد حملة التحالف، وفي الوقت نفسه يقدر شانهيان أن الرقم الحالي يقترب من 300 ألف شخصاً.

ويعود انخفاض معدل العائدين لعدم وجود منازل متبقيه ليعودون إليها، حيث أدت الحملة الجوية والبرية على  الرقة إلى تدمير 11 ألف مبنى سكني تقريباً، بالإضافة إلى تسوية أحياء بأكملها على الأرض، على الرغم من مئات الملايين من الدولارات التي ضخها المجتمع الدولي منذ ذلك الحين لإعادة إعمار الرقة.

وقال أحد المسؤولين المحليين من المجلس المدني في الرقة، وهو هيئة إدارية تابعة لقوات سوريا الديمقراطية، تأسس بعد سقوط تنظيم الدولة "كنت من أول الناس الذين دخلوا إلى الرقة"، وطلب عدم الكشف عن هويته بسبب حساسية الموضوع.

وأضاف "عندما وصلت ورأيت حجم الدمار قلت أنه سيكون من المستحيل أن يصبح في الرقة منازل وسكان قبل 10 سنوات".

"التعفيش من الأنقاض"

ومع عودة الناس ببطء إلى المدينة المدمرة، أدى الدمار إلى ظهور طرق جديدة للحياة، حيث لجأ بعض السكان إلى البحث عن بقايا قطع معدنية وحديدية في أنقاض المباني السكنية التي قُصفت لبيعها.

وذكر حمزة الرقاوي، وهو ناشط محلي طلب حجب اسمه الحقيقي خشيةً أن تعرض تصريحاته عمله الإنساني للخطر، وقال إن هذه الممارسة أصبحت الآن جزءًا راسخاً من الاقتصاد المحلي، مضيفاً أن العديد من النساء والأطفال الذين ليس لديهم مأوى يعتمدون الآن على التعفيش من أجل البقاء على قيد الحياة.

وأكد أنهم "يعيشون على ما نسميه التعفيش من الأنقاض أي البحث في الأنقاض والركام عن أشياء تصلح للاستخدام أو البيع".

ويتم بيع المعدن إلى أحد المصانع الأربعة في الرقة التي لا تزال تصنع منتجات من الفولاذ المستعمل، وتبيع المنتج بأسعار مخفضة وأسعار السوق السوداء.

وهذا عمل خطير لأن الرقة لا تزال مليئة بالقنابل غير المنفجرة، بالإضافة إلى المفخخات التي وضعها تنظيم الدولة، حيث قتل المئات من بقايا مخلفات الحرب.

وكان صديق الرقاوي المقرب ضحية لأحد هذه المفخخات، حيث قتل بقنبلة مدفونة وسط أنقاض منزل كان يبحث في ركامه عن المعادن.

وأوضح "لقد واجه الناس الفقر والتهجير لعدة أشهر، حيث استهلكوا كل مدخراتهم الآن وزادت ديونهم" مشيراً إلى توجه السكان المحليون إلى وظائف مهددة للحياة يقودها شعور باليأس الاقتصادي.

وبالإضافة إلى البنية التحتية فإن خدمات المستشفيات لاتزال في حالة مريعة، وفي الوقت الحاضر، يكافح مئات الآلاف من السكان للحصول على الرعاية في مستشفى عام واحد فقط، يخدم البلدية بأكملها بالإضافة إلى بعض المستشفيات الخاصة الصغيرة غير منظمة ومكلفة إلى حد كبير، وقد شجب السكان عدم وجود أطباء متخصصين في هذه المرافق.

وصرح أبو نايف، وهو مزارع محلي، لسوريا على طول "لا يوجد أي طبيب مختص لدرجة أن الشخص يتوفى خلال أيام نتيجة الجلطة أو النزيف  الداخلي".

أما بالنسبة لأبو سعيد الرقاوي، عامل بناء يبلغ من العمر 40 عامًا، فإن عدم وجود نظام تعليمي مناسب يزيد من قلقه حيال مستقبل أطفاله الثلاثة، واستخدم الرقاوي اسماً مستعاراً خوفاً من الانتقام من السلطات المحلية.

وعانت المدارس بعد سنوات من الإهمال والهيمنة من قبل تنظيم الدولة، الذي لم يسمح إلا بعمل المدارس التي تقوم بتعليم الأطفال قيمه الوحشية، وعلى الرغم من أن السلطات الدينية قد اختفت الآن، إلا أن المعلمين المؤهلين لم يعودوا بعد.

وقال "لدي ثلاثة أطفال في المدرسة ومعلمهم حاصل على شهادة البكالوري (الثانوية العامة)، وليس شهادة جامعية، وكان يعمل كمزارع في السابق"، معتبراً أن "هذه كارثة لجيل بأكمله"

جسر عبر نهر الفرات

عند الفجر على طول ضفاف نهر الفرات، يتدفق العمال الذين يتنقلون على متن سلسلة من العبارات المائية الصدئة التي تنقل البضائع والأشخاص إلى الضفة المقابلة، ويظهر في الأفق أنقاض جسر المنصور القديم الذي كان يربط بين جانبي النهر.

وانهار ما تبقى من الجسر فوق المياه في حزيران الماضي، ودمر من قبل الألغام المتفجرة التي زرعها مقاتلو التنظيم أثناء انسحابهم من المنطقة بعد اقتراب قوات سوريا الديمقراطية.

وبدأ استخدام نظام العبارات المائية غير الرسمية، والمعروفة محلياً باسم "عبارة الموت" بسبب النسبة العالية من العبارات التي تغرق أثناء سيرها.

وقالت الفريج "سيصبح الأمر أكثر صعوبة عندما يأتي فصل الشتاء، حيث تنخفض درجات الحرارة وتصبح كمية المياه في النهر مرتفعة للغاية وهذا يشكل خطورة، ونحن رصدنا حالات غرق للعبارات العام الماضي".

وفي تموز، أعلن المجلس المدني عن خطط لإعادة بناء جسر المنصور، وإعادة ربط ضفتي النهر مما سيشكل علامة فارقة في استئناف الحياة المدنية والاقتصادية الطبيعية في الرقة.

وعلى الرغم من أن البنية التحتية للمدينة في حالة يرثى لها، كانت هناك بعض التحسينات، وقد شهد المجتمع المدني والحرية الفكرية، في الوقت الذي تنتشر فيه بعض القيود في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية، إحياءً مذهلاً. وتحسنت حالة المرأة، بعد تنظيم الدولة، بطرق عميقة ومهمة.

ومع تحول المشهد الاجتماعي عن القواعد التي فرضها التنظيم، كانت هناك بعض النجاحات الملحوظة من جانب المجتمع المدني المحلي أيضاً، على الرغم من أن المدارس التي تديرها الجهات المختصة تعاني، إلا أن سلسلة من المرافق التعليمية التي تمولها المنظمات غير الحكومية أظهرت نجاحًا ملحوظًا بشكل واضح، وتمكنت من ملء بعض الفجوات التي خلفتها الحكومة المحلية على الأقل.

في حين أن بناء جسر المنصور قد تأخر عن الجدول الزمني المحدد، إلا أن إعادة إعماره سيضع صورة أخرى لسنوات من الخراب في المدينة في الماضي.

إن خطوات صغيرة كهذه تعطي بعض السكان الأمل، وقال الرقاوي "يوماً بعد يوم تتقدم عجلة الحياة للأمام".

وأضاف "لدينا حالة من عدم الاستقرار الآن، ولكن أمورنا أفضل من ذي قبل".

ساهم  ساجي سميلي في إعداد هذا التقرير

 

ترجمة: بتول حجار

 

عمار حمو

عمار من مدينة دوما، في غوطة دمشق الشرقية، درس الصحافة في جامعة دمشق. بدأ عمله الصحفي مع "سوريا على طول" عام 2014، ويعمل حالياً كمحرر ومراسل. شارك في عدد من الدورات الإعلامية في الأردن وإسبانيا، أشرف على مشروع "الصوت السوري" وهو موقع شريك لـ"سوريا على طول".

باريت ليموج، صحفي ومترجم

باريت ليموج صحفي استقصائي قدم تقارير عن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ونشرت تقاريره سابقاً في الجزيرة، وعين الشرق الأوسط، وبنك بي إس نيوشور، والمونيتور، وهافينغتون بوست، وغيرها. درس الصحافة في جامعة كينجز كوليدج وهو يتابع حاليا ماجستير في العلوم السياسية في الجامعة الأميركية في بيروت.