توجه متطوعو الدفاع المدني إلى موقع انفجار في مدينة درعا في 25 حزيران. صورة من الدفاع المدني السوري في محافظة درعا.

ضمن عملية إنقاذ دولية غير مسبوقة، نفذت قبل فجر يوم الأحد، عبرت مجموعة من أكثر من 400 شخصاً من عناصر الدفاع المدني السوري وعائلاتهم السياج الممتد على طول الحدود الجنوبية السورية ووصلت إلى مرتفعات الجولان التي تحتلها إسرائيل.

وقام الجنود الإسرائيليون بلف أشرطة حول معصم الوافدين الجدد لتحديد هويتهم، ثم قاموا بنقلهم إلى حافلات تعيد للذاكرة قوافل النازحين التي كانت تتجه عادة إلى الشمال الغربي، الواقع تحت سيطرة المعارضة، في السنوات الأخيرة. ولكن هذه المرة، اتجهت الحافلات إلى الأراضي التي تحتلها إسرائيل واستقرت في نهاية المطاف في الأردن حيث ينتظر السوريون الذين تم إجلاؤهم اكمال إجراءات إعادة التوطين في دول خارج المنطقة.

وذكر مصدر مطلع على العملية، أنه تم إجلاء 422 شخصاً بنجاح، يوم الأحد، بما فيهم مايقارب 100 عنصر من الدفاع المدني.

وعملت مجموعة الدفاع المدني السوري، والمعروفة باسم "الخوذ البيضاء" في المناطق الواقعة تحت سيطرة المعارضة منذ سنوات وسط عمليات القصف الجوي والبري من قبل الحكومة السورية وحلفائها الروس.

ولكن على الرغم من النجاح في إجلاء أكثر من 400 سوري، يوم الأحد، إلا أن عدداً من العاملين في الدفاع المدني وعائلاتهم تركوا دون أن يتم إجلائهم لأن بعضهم لم يتمكن من الوصول إلى نقطة الإجلاء في التلال الغربية من محافظة القنيطرة السورية في الوقت المحدد، والبعض الآخر كان بعيداً ولم يكن على علم بالخطة التي تجري.

و تقطعت السبل الآن بمن تبقى من أصحاب الخوذ البيضاء حيث تواصل الحكومة السورية استعادة الأراضي القريبة من الحدود مع مرتفعات الجولان التي تحتلها اسرائيل، والتي سبق أن اتهمت مجموعة الإنقاذ بتعاونها مع الجماعات "الإرهابية" واستهدفت أفرادها.

وقال أبو مهند، مسؤول الدفاع المدني في ريف درعا الذي شارك في تنسيق عملية الإنقاذ "نحن في خطر كبير" وطلب أبو مهند حجب اسمه الحقيقي لأسباب أمنية.

ويخشى أبو مهند من أن الحكومة السورية، خلال استعادة سيطرتها على المناطق الواقعة جنوب غرب سوريا "ستنتقم منا" على حد قوله.

وكان أبو مهند وعائلته من بين الذين قاموا بعمليات بائسة لعبور الحدود بعد أن حصلوا على تأكيد رسمي بأن عملية الإجلاء كانت جارية، وذلك عبر رسالة واتساب وردت قبل يومين من عملية الإجلاء ونصت على "التوجه إلى الحدود مع إسرائيل".

ولكن على الرغم من المحاولات المتعددة لعبور المنطقة الواقعة تحت سيطرة الحكومة الآن في ريف درعا الغربي، لم يستطع أبو مهند الوصول إلى نقطة الإجلاء في الوقت المناسب.

وأُوقف أبو مهند وأفراد أسرته الذين كانوا متنكرين "كمدنيين عاديين" عند حاجز تابع للحكومة وأخبرهم بأن الطريق إلى الأمام قد أغلق بعد تقدم جيش خالد بن الوليد التابع لتنظيم الدولة في مواجهات مع الجيش السوري والقوات الحليفة من جهة الغرب. ومع قطع الطريق الوحيد المتاح لهم  لم يكن لدى أبو مهند وعائلته أي سبيل للمضي قدماً.

وذكر مسؤول الدفاع المدني أن العديد من زملائه فشلوا في الوصول إلى نقطة الإجلاء في الوقت المناسب.

وإلى أن جاءت إشارة المغادرة قبل يومين، لم يكن لدى عناصر الدفاع المدني أي مؤشرات تدل على أن العملية ستنفذ في الواقع. وقد تم إعلامهم مبدئياً، في وقت سابق من هذا الشهر، بأن هناك إمكانية لعملية إجلاء وقد أعرب أصحاب الخوذ البيضاء عن رغبتهم في المشاركة في تقديم أسمائهم لفحصها من قبل الجهات الفاعلة الدولية التي تشارك في المفاوضات وعمليات الإجلاء.

وأضاف أبو مهند "قالوا لنا أنه ليس هناك شيئاً مؤكداً".

وفي النهاية، قام تحالف من الدول الغربية بما في ذلك كندا وألمانيا والمملكة المتحدة - انضمت إليه إسرائيل والأردن والأمم المتحدة – بوضع خطة لإنقاذ أكبر عدد ممكن من عناصر الدفاع المدني وعوائلهم، وفقاً لما صرح به مصدر مطلع على العملية لسوريا على طول، يوم الاثنين. وقال الجيش الإسرائيلي في بيان له، يوم الأحد، أن عملية انقاذ أصحاب الخوذ البيضاء وعائلاتهم انطلقت "بسبب التهديد المباشر لحياتهم".

وقد بدأت تلك الخطة بعد أن "أصبح من الواضح جداً" أن المحادثات بين المعارضة المفاوضين الحكوميين لن تسفر عن أي ضمانات حقيقية لإجلاء أصحاب الخوذ البيضاء في المنطقة إلى الشمال، بحسب المصدر.

وأفاد أبو مهند أن عدداً من عناصر الخوذ البيضاء تمكنوا من مغادرة جنوب غرب سوريا إلى الشمال في الحافلات التي تم اجلاؤها في الأيام الأخيرة، "لكن ما هو الضمان بأن لا تعتقلنا الحكومة إذا غادرنا بالحافلات؟".

ويعمل الدفاع المدني السوري في المناطق الواقعة تحت سيطرة المعارضة منذ سنوات، ويعمل على إنقاذ المصابين بعد القصف الروسي والسوري. وكثيراَ ما تتهمهم الحكومة السورية وحلفائها وكذلك مؤيدي الحكومة بالتعاون مع "الإرهابيين" فضلاً عن اتهامهم بتزوير هجمات الأسلحة الكيماوية.

واستهدفت الحكومة السورية وحلفائها عناصر الدفاع المدني في السابق خلال عمليات الإجلاء من المناطق الخاضعة لاتفاقيات المصالحة بين المعارضة والحكومة السورية، مما زاد مخاوفهم اليوم مع انتهاء المعركة النهائية في الجنوب.

وقال المصدر المطلع على عملية يوم الأحد "لقد تم البحث عن أصحاب الخوذ البيضاء تحديداً خلال عمليات الإجلاء هذه" مشيراً إلى حالات تم فيها اختطاف عناصر من الدفاع المدني "وعذبوا و أرغموا على الإدلاء باعترافات [كاذبة] ثم اختفوا".

وأحد الحالات كانت في كانون الأول 2016، حيث أفادت التقارير بأن القوات الموالية للحكومة في حلب ألقت القبض على عبد الهادي الكامل، وهو من متطوعي الدفاع المدني، قبل ظهوره في شريط فيديو قال فيه زملاء من الدفاع المدني أنهم يشكلون "اعترافا زائفا".  

قُبض على عبد الهادي الكامل ، وهو أحد المتطوعين في الدفاع المدني السوري ، على يد القوات الموالية للحكومة في حلب قبل ظهوره لاحقاً في شريط فيديو قال زملاؤه من الدفاع المدني إنه  يقدم "اعترافات كاذبة".

ويشعر عناصر الدفاع المدني الذين ما زالوا داخل الأراضي السورية بالقلق الآن من أن المشاركة الإسرائيلية في عملية الأحد لن تؤدي إلا إلى تجييش حملة الحكومة السورية ضد الجماعة.

وقال أبو مهند "بعد رحيل زملائنا سيكون الخطر أكبر"، مضيفاً "لقد تزايدت الاتهامات الموجهة ضدنا وهناك اتهامات جديدة بأننا نتعاون مع إسرائيل".

وبحلول صباح يوم الاثنين، كانت وسائل الإعلام الحكومية السورية أبلغت بالفعل عن "العملية الإجرامية التي قامت بها إسرائيل وأداتها في المنطقة" زاعمةً أن عمليات الإجلاء "كشفت عن الطبيعة الحقيقية" لأصحاب الخوذ البيضاء.

ونفى أبو مهند تلك الاتهامات، زاعماً أن ذلك هو قرار المجتمع الدولي بتأمين المرور عبر إسرائيل نحو الأردن.

وأضاف "ليس لدينا دور في ذلك، نحن نريد فقط أن ننجو بحياتنا".

ترجمة: بتول حجار