عمان- في الشتاء، كانت حبّات المطر تروي أرض المزارع قيس، الممتدة على أطراف مدينة الرقة، وتبشّره بموسم خير، يعوّض خسائره، ويوفي ديونه، ويرمّم منزله.

اشترك قيس الخميس، 40 عاماً، وأب لخمسة أولاد، مع عمه في زراعة أرض تبلغ مساحتها 100 دونم بمادة الشعير، في موسم "أمطاره وخيراته ما صارت في المنطقة" قبل ذلك، بحسب ما قال لسوريا على طول.

وفي تصريح سابق لوزير الزراعة في حكومة دمشق، قال بأن الحكومة متفائلة بموسم القمح الحالي، ووصفه بأنه "مبشّر للخير"، وبحسب الوزارة فإن إنتاج الموسم الحالي من القمح يشكل زيادة بنحو 35 بالمائة عن الموسم الماضي.

وفي كلّ زيارة لأرضه، يراقب الخميس نمو سنابل الشعير، وتزيد أماله بحصاد هذا العام، بعد سنوات عجّاف مرّت على أهالي الرقة، نتيجة الأضرار التي ألحقتها الأوضاع الأمنية والجوية، ولكن التهمت النيران كامل محصوله قبل حصاده.

وأرض الخميس قطعة من آلاف الدونمات المزروعة بمحاصيل القمح والشعير، التي التهمتها الحرائق في محافظات الرقة ودير الزور والحسكة، شمالي شرق سوريا، الواقعة تحت سيطرة الإدارة الذاتية، خلال الأيام الماضية.

وبعد منتصف الشهر الجاري، تناقل أهالي الرقة صوراً لحرائق المحاصيل الزراعية، ووصلت الصور إلى جهاز قيس الخميس، عبر تطبيق الواتساب، وعندما شاهد الحرائق قال "الله يعين الناس، الله يعوض على الناس".

وفي اليوم الثاني، جاء والده وقال له "روح شوف أرضك خالصة"، بحسب ما ذكر لسوريا على طول.

وقال قيس الخميس "زرعت 100 دونم، كلها راحت، والحمد لله".

ويوجه مزارعون وناشطون في شمالي شرق سوريا أصابع الاتهام لـ"أيدٍ خفية" بافتعال الحرائق في الأراضي الزراعية، بحسب ما ذكرت مصادر عدة لسوريا على طول.

وقال الخميس "هي بالتأكيد بفعل فاعل"، مشيراً إلى أن محصولهم في السنوات الماضية لم يحترق "حتى وإن احترق كانت تشتعل النيران في متر أو مترين ونستطيع السيطرة عليها".

"أما الآن سيارات الإطفاء لا يمكنها السيطرة على الحريق من شدته".

وتبنى تنظيم الدولة مسؤولية افتعال الحرائق في شمالي شرق سوريا، بحسب ما جاء في صحيفة النبأ الإلكترونية، الموالية للتنظيم، يوم الخميس، في عددها رقم 183.

واتهم التنظيم أصحاب المزارع بـ"الروافض والمرتدين" في العراق وسوريا، متوعداً بأعمال مشابهة في الأيام القادمة.

وقبل إعلان تنظيم الدولة مسؤوليته عن الحرائق، وجه المتحدث باسم مجلس الرقة المدني أصابع الاتهام لخلايا التنظيم في محافظة الرقة.

وقال باسم الحسن المصطفى، عضو المكتب الإعلامي في مجلس الرقة المدني لسوريا على طول "بعض الحرائق تندلع ليلاً، وفي هذه الساعات لا يوجد درجات حرارة عالية".

وتعد أزمة احتراق المحاصيل الزراعية، آخر نتائج الظروف الصعبة، التي يعيشها أهالي المناطق، التي انتقلت من سيطرة تنظيم الدولة إلى سيطرة قسد،  وتعكس التحديات المشتركة التي يعاني منها القطاع الزراعي في الحسكة والرقة ودير الزور.

وشهد الموسم الماضي تلف الأطنان من محاصيل القطن والذرة، بسبب "دودة القطن" والتي ساعد على انتشارها تغير المناخ، والمبيدات الحشرية غير الفعالة ومحدودية الوعي بين المزارعين، مما وجّه ضربة قاضية للاقتصاد الأساسي في المنطقة.

وبحسب إحصائيات تقديرية حصلت عليها سوريا على طول، بلغت مساحة الأراضي المحروقة في محافظة الرقة نحو 70 ألف دونم مزروع بالقمح والشعير، بخسائر "تقدر بنحو 6 ملايين دولار".

وقال باسم الحسن المصطفى، لسوريا على طول "بلغت الأراضي المحروقة في ريف مدينة الطبقة نحو 30 ألف دونم، وعين عيسى 25 ألف دونم، وفي ريف الرقة وسلوك 15 ألف دونم".

وأكد المصطفى بأن الحرائق مستمرة، في ظل غياب خطة لحماية المحاصيل.

أين دور منظمات المجتمع المدني؟

في تشرين الأول 2017، انتهى حكم تنظيم الدولة في الرقة، بعد حملة جوية وبرية استمرت لشهور، نفذها التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وقوات سوريا الديمقراطية ذات الغالبية الكردية.

وبدأت الحياة المدنية تعود إلى مدينة الرقة، عاصمة التنظيم في سوريا، بما في ذلك عودة المجتمع المدني، الذي ساهم في إعادة بناء المدينة المدمرة، إلى جانب المنظمات والسلطات المحلية، وبعض المنظمات الدولية غير الحكومية.

وأُجبرت منظمات المجتمع المدني في الرقة على توفير الخدمات الأساسية في الرقة، بدلاً عن المجالات التي عادة ما ينظر إليها على أنها المجال التقليدي لمنظمات المجتمع المدني، وكان تقديم الخدمات أحد الشروط الأساسية للحصول على تصريح من مكتب منظمات المجلس المدني في الرقة.

واليوم، في ظل أزمة احتراق آلاف الدونمات من محاصيل القمح والشعير، تقف المنظمات المحلية، بما فيها مجلس الرقة المدني عاجزة أمام السيطرة على الحرائق.

محاصيل زراعية في ريف الرقة، تحولت إلى رماد بعد احتراقها، مصدر الصورة: شبكة الخابور

ورغم تخصيص مجلس الرقة المدني 5 مراكز إطفاء في ريف الرقة، إلا أن عدد الآليات القليل، واتساع رقعة النيران، كانا عائقاً أمام السيطرة على الكارثة، بحسب ما ذكر المصطفى لسوريا على طول.

وقال عبد الرحمن الرقاوي، عضو في منظمة مجتمع مدني محلية، طلب عدم الكشف عن اسمه لأسباب أمنية، لسوريا على طول "المجلس لم يقدم أي تدابير احترازية لحماية الموسم".

"أما المنظمات لم تفعل شيء، فقط تسليط الضوء والتضامن معنوياً مع المزارعين".

وترى منى فريج، ناشطة في عمل منظمات المجتمع المدني في الرقة، بأن "المنظمات المحلية صعب تقوم بأي دور في هذه الكارثة، لأن الخسائر كبيرة جداً" وفق ما ذكرت لسوريا على طول.

حرب الأسعار

في العام الماضي، شهد شمالي شرق سوريا انخفاضاً في مستوى الأمطار، وتأخر هطولها، ما أدى إلى تراجع كبير في إنتاج القمح نتيجة الجفاف، وأدى ذلك إلى تأثر سبل العيش لآلاف المزارعين في المنطقة بموسم حصاد فاشل.

أما الموسم الحالي كان مختلفاً، وحمل بشائر خير لمزارعي شمالي شرق سوريا، بموسم حصاد جيد، يعوض خسائرهم في الأعوام الماضية.

وبالنسبة لمروان عيسى، 57 عاماً، من منطقة القحطانية في محافظة الحسكة، كان من المفترض أن تدرّ مئات الدونمات التي زرعها بالقمح والشعير مردوداً مادياً يعوضه عن خسائره، ويعينه على تأمين متطلبات ولديه الجامعيين.

ولكن تظافرت الحرائق مع تدني التسعيرة الرسمية لشراء القمح والشعير في مناطق الإدارة الذاتية في تحقيق خسائر مركبة للمزارعين.

وكانت الإدارة الذاتية قد حددت سعر شراء محاصيل القمح والشعير من المزارعين في مناطق نفوذها، بقيمة 150 ليرة سورية (0.28 دولار تقريباً) لكيلو القمح، و 100 ليرة سورية (0.19 دولار تقريباً) لكيلو الشعير.

فيما حددت وزارة الزراعة التابعة للحكومة سعر شراء كيلو القمح بتعرفة 185 ليرة سورية (0.35 دولار تقريباً)، معتبرة أن السعر المحدد يدعم المزارع، وأعلى من العالمي.

ورغم أن أراضي عيسى لم تصلها النيران، إلا أن كان قرار الإدارة الذاتية "مخيباً للآمال" بحسب تعبيرة.

وأعلنت الإدارة الذاتية، اليوم السبت، رفع سعر شراء كيلو القمح من 150 ليرة سورية (0.28 دولار تقريباً) إلى 160 ليرة سورية (0.30 دولار تقريباً)، على خلفية احتراق المحاصيل في المنطقة، وأبقت سعر كيلو الشعير على حاله.

وقال عيسى لسوريا على طول "العام الماضي كانت تسعيرة الإدارة الذاتية والحكومة السورية قريبة من بعضها، الفرق 5 ليرات سورية فقط".

"أما اليوم الفرق 35 ليرة سورية (0.07 دولار تقريباً)".

ويشكّل هذا الفرق رقماً كبيراً لأصحاب الأراضي الواسعة، أمثال عيسى، حيث تبلغ مساحة أرضه المزروعة بالقمح نحو 500 دونم، ومساحة الأرض المزروعة بالشعير نحو 350 دونم.

وقال لسوريا على طول "أتوقع أن يصل محصول القمح في أرضي إلى 225 طن [يساوي الطن 1000 كيلو غرام]، وبحسبة بسيطة، فإن الفرق 8 مليون ليرة سورية (16 ألف دولار تقريباً)".

ورغم إعلان الحكومة السورية عن سلسلة من الإجراءات لاستقبال محاصيل المزارعين، في مراكزها المعتمدة بمحافظة الحسكة، إلا أن القروض المترتبة على مزارعي شمالي شرق سوريا، لصالح الإدارة الذاتية تمنع استفادتهم من فرق السعر في مراكز الحكومة.

مزارعون أمام شاحناتهم ينتظرون تسليم محاصيلهم،  تصوير مجلس الرقة المدني في 22 أيار

وأكد عدد من المزارعين لسوريا على طول بأن التعاقد مع مؤسسة إكثار البذار التابعة للإدارة الذاتية، والاستفادة من التسهيلات المالية والخدمية المقدمة منها، يُجبرك على تسليم المحصول لها.

وقال أحمد عز الدين، مزارع من مدينة القامشلي بمحافظة الحسكة لسوريا على طول "أنا متعاقد مع مؤسسة إكثار البذار، وحصلت على أنواع جيدة من البذور، والمازوت، وقسم من السماد، على أن أسدد المستحقات المالية في موسم الحصاد".

وأضاف "وشرطهم أن يتم تسليم المحصول حصراً للمؤسسة".

من جانبه، قال سليمان بارودو، الرئيس المشترك لهيئة الاقتصاد والزراعة في الإدارة الذاتية، لسوريا على طول "تم تحديد التسعيرة وفق المبالغ المخصصة لشراء مادة القمح، وذلك لتأمين البذار والطحين للعام المقبل".

وأضاف بأن الإدارة الذاتية قادرة على "شراء نحو 800 ألف طن من مادة القمح، وتسويق محصول الشعير كاملاً".

ويتوقع بارودو، بناء على إحصائيات تقديرية للجان والدوائر الزراعية التابعة للإدارة الذاتية أنْ يبلغ "محصول القمح في شمالي شرق سوريا نحو مليون ونصف طن، والشعير نحو مليون طن".

"فيما لم يتجاوز إنتاج القمح في العام المنصرم 300 ألف طن" بحسب قوله لسوريا على طول.

الفرق بين أسعار الحكومة السورية والإدارة الذاتية، قد يدفع ببعض المزارعين إلى حصاد محاصيلهم وتخزينها، بحثاً عن أسعار أفضل من المحددة حالياً.

وقال فايز الخميس، من محافظة الرقة، لسوريا على طول "زرعت 35 دونم شعير، واعتمادي على الزراعة فقط"، مشيراً أن الأسعار المحددة من الإدارة الذاتية لا تتناسب معه.

وختم قائلاً "سأخزن المحصول وأعرضه للبيع في شهر أيلول القادم للحصول على سعر أفضل".