يتميز احتفال الاعتدال الربيعي لعيد النوروز في المجتمعات الكردية، بإقامة الاحتفالات العامة الضخمة، والقفز فوق شعلة من النيران والعروض المسرحية في ساحات البلدة، التي تحكي حكايات ملحمية عن الأساطير القديمة.

وعلى الرغم من أن مدينة عفرين، التابعة لمحافظة حلب، تصادف مرور عام تحت الوصاية التركية، إلا أن المشهد كان مختلفا تماماً، لم يكن هناك أي زينة أو علامات عطلة، وفقًا لما ذكره السكان المحليون، وذهب البعض بهدوء إلى أعمالهم اليومية، وخيم صمت غريب على الشوارع في الخارج.

وقبل أيام قليلة من بدء الاحتفالات الواسعة النطاق، نُشرت سلسلة من الإعلانات العامة المتداولة في جميع أنحاء المناطق الخاضعة للسيطرة التركية في شمال غرب سوريا، تمنع أي رموز عامة للعيد الكردي، والتي زُعم أن ممثلي مجلس عفرين المحلي قد وقعوا عليها.

ويخشى السكان من أن تكون هذه أحدث علامة على العداء للرموز والحياة الثقافية الكردية من قبل قوات الاحتلال التركية، التي اتخذت بالفعل خطوات لتقليص اللغة الكردية في المدارس، واستبدال السكان الأكراد المحليين بالسكان العرب النازحين من أماكن أخرى في سوريا. ولقد أخبر أحد السكان الأكراد في عفرين، سوريا على طول، عن الخوف السائد من العنف من قبل فصائل المعارضة المدعومة من تركيا في المنطقة، وتتقاضى رواتباً من قبل السلطات التركية، كما اتُهمت بارتكاب مجموعة من الانتهاكات ضد السكان المحليين.

وقال محمد دالبرين, وهو عامل في المجتمع المدني الكردي، الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته خوفاً من انتقام السلطات المحلية "النوروز بالنسبة لنا هو يوم فرح، يوم حرية، لا نريد أن تحول الفصائل هذا اليوم, إلى يوم من الحزن والقتل وسفك الدماء".

وأضاف "إن الغالبية العظمى من الناس لن يخرجوا للاحتفال بعيد النوروز هذا العام".

ووفقاً لتقارير إخبارية محلية، فإن فصيلاً مدعوماً من تركيا ألقى القبض على عدد من المدنيين في قرية كفر صفرة في ليلة 20 آذار، أثناء محاولتهم حمل الشعلة التقليدية لعيد النوروز وسط القرية، كما تم الإبلاغ عن وقوع حوادث مماثلة في عدة قرى أخرى في الريف بالقرب من عفرين.

ولم تتمكن سوريا على طول من تأكيد التقارير بشكل مستقل.

وواجه احتفال النوروز قديماً، ، والذي يعود بجذوره الممتدة إلى أساطير التحرر من ملك مستبد منذ حوالي 2500 عام، تعصب السلطات في سوريا، وحملات قمع تاريخية في دول المنطقة.

وعلى مدى عقود سبقت الانتفاضة السورية عام 2011،  حاول المسؤولون البعثيون في دمشق، خنق المظاهر العامة لهذا العيد، والتي رأوا أنها تعج بالرمزية واستفزازات الحكم الذاتي الكردي. وقد أدت الجهود التي بذلتها الدولة لسحق الاحتفالات مرارًا وتكرارًا، إلى اشتباكات في الشوارع بين المجتمعات الكردية وقوات الأمن، فضلاً عن المذابح واسعة النطاق للاحتفالات الكردية في عامي 1986 و 2005.

ومع خروج قوات الجيش السوري من عفرين في عام 2012، ومنح السيطرة الفعلية للسلطات الكردية المحلية والجماعات المسلحة، استعاد النوروز مكانته التقليدية باعتباره أكبر و أهم الأعياد الكردية هناك.

ولقد كان مقدرا لفترة الاستقلال الثقافي الكردي هذا أن تكون قصيرة الأجل، حيث انتهت نهاية مفاجئة في كانون الثاني 2018، بعد أن اجتاحت السلطات التركية شمال محافظة حلب، ضمن عملية عسكرية كبرى - أطلق عليها اسم "غصن الزيتون" - استهدفت فيها وحدات حماية الشعب الكردية، وهي جماعة مسلحة كردية تتقاسم العلاقات مع حزب العمال الكردستاني المتمركز في تركيا.

وبحسب بيان صادر عن الرئاسة التركية، كان الهدف من العملية هو "إقامة الأمن والاستقرار على طول المنطقة الحدودية التركية- السورية، وحماية المدنيين السوريين من فساد الجماعات الإرهابية".

وبعد أشهر من الاشتباكات والقصف، أدت العملية في نهاية المطاف إلى نزوح حوالي 167000 سوري، وفقا لتقديرات الأمم المتحدة.

وكان لموجة النزوح هذه آثار كارثية على التركيبة السكانية المحلية، بين الأكراد الفارين والسكان القادمين، الذين فروا من النزاع في أجزاء أخرى من سوريا.

وقال فابريس بالانش، المحلل في معهد واشنطن "ترى النية الواضحة لاستبدال السكان الأكراد بالعرب (النازحين)".

وأضاف "إن خطة أنقرة هي توطين اللاجئين العرب في عفرين ... لتقليل السكان الأكراد وطردهم من هذه المنطقة".

وآكيد حنان هو واحد من بين أولئك الذين لم يتمكنوا من العودة إلى منزله.

وكان الحنان أستاذ للرياضيات في جنديريس القريبة، قبل إطلاق عملية غصن الزيتون، التي أجبرت حنان على الفرار مع أسرته إلى معسكر للنازحين في كفر نايا، بريف حلب.

وفي هذه البيئة الصعبة، والتي لم تمكن الحنان من العودة إلى منزله في جنديريس، تمكن من الاحتفال بعيد النوروز، في الوقت الحالي، في قطعة أرض صغيرة تقع خارج السيطرة التركية.

وقال لسوريا على طول "إن ما تفعله الفصائل المدعومة من تركيا، هو نوع من التغيير الديموغرافي، وتغيير هوية عفرين الكردية".

وأضاف "لقد احتفلنا بعيد النوروز هنا في المخيمات. بالنسبة لنا نحن الأكراد، المهرجان جزء من هويتنا".

وهذا العام، هو العام الثاني على التوالي الذي يمنع فيه الاحتفال بعيد النوروز في الأماكن العامة الخاضعة للسيطرة التركية، حيث اقتصرت على الاحتفال في المنازل الخاصة للسكان الأكراد. وفي العام الماضي، تزامنت الاحتفالات السنوية في نفس الأسبوع الذي استولت فيه القوات التركية و الفصائل المعارضة المتحالفة معها.

ومنذ الاستيلاء على عفرين والمناطق المحيطة بها من قبل الفصائل المدعومة من تركيا العام الماضي، تحركت السلطات لقمع الرموز الكردية الأخرى، حيث قامت بإزالة تماثيل الشخصيات الكردية، وإلغاء اللغة الكردية من المدارس بشكل منهجي. وبالنسبة لبعض السكان الأكراد، فإن التغيير في الوضع الراهن هو بمثابة عودة إلى التغيير الذي كان قائما، لعقود من الزمن، في ظل النظام البعثي.

ويصف بلانش هذه التحركات بأنها بمثابة حملة منسقة من "التعريب والتتريك" في المنطقة.

أضاف " تركيا لا تريد أن ترى أي مظهر من مظاهر الهوية الكردية هناك".

وقال "هم لا يريدون أي مظاهرات معادية لتركيا خلال النوروز، ولا يريدون أن يرى الناس الأهمية الثقافية لنوروز هناك".

وبعد العيش على مدى عقود في ظل سلطات حاكمة معادية، يبقى الحنان إيجابيا بأنه لا يمكن محو أو نسيان هذه الرموز الثقافية أو الأعياد الكردية.

كما يأمل أن تكون هذه هي السنة الأخيرة من نزوح عائلته، وأنهم سيعودون إلى ديارهم قريبًا.

قال " نأمل أن يكون كل هذا مجرد ذكرى سيئة يومًا ما، سنحتفل بعيد النوروز بحرية على أرضنا في العام المقبل".

ترجمة بتول حجار