في اللحظات القليلة الهادئة، لا يزال أصدقاء مؤيد أبو عامر يجتمعون للدردشة وشرب الشاي والقهوة في وقت متأخر من الليل، تمامًا مثل ما كانت عليه الأمور قبل الحرب.

حيث يعتبر التجمع على الأرائك وكراسي الحديقة البلاستيكية للسهرة مع الأصدقاء، حتى وقت متأخر من الليل، أساس الحياة الاجتماعية في سوريا، وفي أماكن أخرى من العالم العربي.

لكن مدينة خان شيخون، مسقط رأس أبو عامر، جنوبي إدلب لم تعد كما كانت عليه في السابق.

وتقع خان شيخون على تخوم ما يسمى بـ "المنطقة العازلة"، التي تم رسمها في أيلول العام الماضي من قبل القوى الدولية، بهدف إيقاف الهجوم الذي كان متوقعاً على نطاق واسع من قبل الحكومة السورية وحلفائها. وتعتبر المنطقة التي تضم مناطق في محافظة إدلب، وكذلك الأجزاء التي تسيطر عليها المعارضة في كل من محافظات حماة وحلب واللاذقية المجاورة، آخر معقل رئيسي للمعارضة في سوريا، بعد سنوات من التقدم الذي شهدته الحكومة، واستعادة البلاد جيباً بعد جيب إلى حكم دمشق.

لكن منذ شهر شباط، قامت القوات الموالية للحكومة باستهداف أجزاء من جنوب إدلب بالقصف والغارات الجوية، مما أدى إلى تدمير البلدات المجاورة وتشريد الآلاف من منازلهم.

وأصبحت الشوارع خارج منزل أبو عامر خالية تقريباً، حيث فر معظم جيرانه شمالاً هرباً من القذائف. أما بالنسبة للعديد من الذين مازالوا في المنطقة هم إما لصوص يأملون في الاستفادة من المنازل غير المأهولة، أو عائلات - مثل عائلة أبو عامر - الذين لا يملكون المال لحزم أمتعتهم والفرار.

وبدون الأموال اللازمة لنقل أسرته إلى مكان آمن، بقي أبو عامر مع زوجته وطفليه في خان شيخون، حيث كانت القذائف تتساقط من حولهم.

وقال الشاب البالغ من العمر 27 عاماً، للصحفي محمد عبد الستار إبراهيم، مراسل سوريا على طول "الحياة هنا تشبه فيلم الرعب، وعندما تنهال القذائف على الأحياء السكنية، يعترينا الذعر والخوف".

ولكننا لازلنا نجتمع من أجل السهرة مع الأصدقاء، حتى وقت متأخر من الليل لدرء الخوف، ولو لفترة قصيرة.

وأضاف "في كل سهرة نودع بعضنا البعض ولا نعرف من قد يقتل من بيننا"، وتابع "نتساءل ما إذا كان هذا هو الوداع الأخير".

على الرغم من كل التفجيرات التي تعرضت لها خان شيخون مؤخرًا، لماذا قررت البقاء؟

واجهت خان شيخون قصفاً وحشياً تركز على الأحياء السكنية. لقد بدأ منذ بداية شهر شباط وحتى الآن، مما أدى إلى نزوح معظم السكان. قررت أن أبقى بسبب ظروفي المادية. يتطلب الفرار مبالغ ضخمة من المال ولا أستطيع تأمينها.

كيف هي الحياة اليومية الآن داخل خان شيخون؟ عندما تكون هناك تفجيرات، ماذا تفعل لحماية نفسك؟

الحياة هنا تشبه فيلم الرعب. هناك نقص شبه تام في الضروريات اليومية. خاصةً بعد تشريد معظم السكان، حيث قصف النظام متعمداً المخابز والمؤسسات التي كانت تقدم خدمات حيوية للناس هنا.

عندما تنهال القذائف على الأحياء السكنية، يملئنا الذعر والخوف. وبعد أن نسمع صفارات الإنذار أو التحذيرات من المراقبين، نذهب إلى الملجأ مع أطفالنا ومن بقي من جيراننا، لكن لم يتبق أي شخص في المدينة باستثناء عدد قليل من العائلات في كل حي.

وأشعر بخوف أكبر عندما أرى أننا بقينا مع عائلة أو عائلتان في المنطقة. نريد أن نبقى على أرضنا وفي منزلنا، لكن القصف لا يتركنا وحدنا.

نريد أيضًا الفرار والعيش بعيدًا عن ويلات القنابل اليومية، لكن هذا ببساطة غير ممكن بالنسبة لنا.

متى غادرت عائلتك خان شيخون؟ وما هو شعورك في غيابهم؟

بعد عشرين يوماً من بدء القصف، غادرت عائلتي - أفراد الأسرة المقربين والأقارب - الحي، مما زاد من معاني. مكثت مع زوجتي وأطفالي لأننا غير قادرين على الفرار. أنا وزوجتي نعاني من وحشة البعد والانفصال عن أقربائنا ولا نستطيع الذهاب إليهم. يجب أن أبقى هنا وأسلم أمري إلى الله.

وأنا هنا أيضاً لحماية ممتلكاتي وممتلكات جيراني من اللصوص الذين يستغلون النزوح الأخير ويسرقون المنازل المهجورة. مشكلة اللصوص موجود في كل بلدة أو قرية تعرضت للقصف والتهجير. هناك متطوعون من السكان المحليين يساعدون في القيام بدوريات في المدينة من أجل الحد من كميات السرقة بحيث أصبحت معدومة الآن تقريباً.

هل تتواصل بانتظام مع أفراد عائلتك الذين غادروا خان شيخون؟

هناك تواصل مستمر بين الذين بقوا وأولئك الذين فروا. كل ساعة وكل ثانية، هناك أخبار جديدة تنتشر حول القصف على المدينة. ويتصل بي أفراد عائلتي للإطمئنان علي وللتأكد من أنني بخير. كما ينصحوننا بالفرار واللحاق بهم، لكننا غير قادرين على ذلك.

معظم محادثاتنا تدور حول كيف هو حالنا في خان شيخون، وماذا يفعلون هم بعد النزوح. ونتحدث عن التفجيرات والمساعدات ومن قُتل ومن أصيب ومن بقي هنا.

هل لا يزال لديك أصدقاء داخل خان شيخون؟

لا يزال لدينا بعض الأصدقاء والأقارب داخل المدينة، ووضعهم يشبه وضعنا. نزور بعضنا البعض أحياناً، ونجتمع ونسهر سوياً حتى وقت متأخر من الليل.

في كل سهرة، نودع بعضنا البعض ولا نعرف من قد يُقتل من بيننا.

واليوم لم نعد نجتمع من للسهر بقدر ما كنا نجتمع سابقاً. الوداع آخر كل سهرة شيء يملأ أعيننا بالدموع. كلنا نتساءل ما إذا كان هذا هو الوداع الأخير.

مدينة خان شيخون تعرضت للكثير من القصف على مدار الحرب، بما في ذلك الهجوم الكيماوي. هل أنت خائف من أنك في خان شيخون؟

أنا لست خائفًا من موتي لأنني مؤمن، وإذا كان قدري هو الموت فليكن. لكني أخاف على أشخاص آخرين غيري. أخشى فقدان الأحباب أو أفراد عائلتي أو أطفالي.

شهدت هذه المدينة العديد من التفجيرات العنيفة سابقًا، وواجهت هجومًا كيماويًا قامت به طائرات النظام ضد سكانها.

نريد فقط أن يتوقف القصف الموالي للنظام على مناطق المعارضة، وأن يتم تطبيق الاتفاقيات الدولية التي من المفترض أن توقف القصف حتى نتمكن من العودة إلى الحياة الطبيعية وإلى بيوتنا، والعيش مثل أي شخص عادي.

لم أغادر المدينة من قبل لأنني أشعر أنني سأتعرض للإهانة خارج منزلي، خاصةً مع وضعي المالي الصعب. لكن القصف دفع معظم السكان إلى مغادرة منازلهم والهرب إلى مكان أكثر آمان.

أفكر في الفرار إلى المناطق الحدودية الشمالية حيث أقاربي، وأريد أن آخذ أطفالي بعيدًا عن القذائف وصفارات الإنذار وكل الأصوات المرعبة. لكنني غير قادر على ذلك.

 

ترجمة: بتول حجار