تتجه الميليشيا (القوات) السريانية والرموز الدينية من شتى أنحاء سوريا لحماية بلدة صدد، ذات الغالبية المسيحية في ريف حمص الجنوبي، من عناصر تنظيم الدولة والذين هم الآن على بعد ثلاثة كيلومترات عنها.

وتقع صدد البلدة العريقة، التي ورد ذكرها في الإنجيل، ولايزال ساكنوها يتكلمون الأرامية، على مشارف صحراء سورية، وتبعد 60 كيلومتراً جنوب شرق مدينة حمص التي يسيطر عليها النظام، و12 كيلومترا جنوب غرب تدمر التي يسيطر عليها تنظيم الدولة.

وهي مركز تراثي، للأقلية السورية المسيحية، والتي كانت تشكل نحو 10% في سوريا قبل الحرب، وموطن للعديد من الكنائس، بما فيها كنيسة القديس ثيودور السريانية الأرثوكسية وكنيسة مار سركيس، والتي تضم أيقونات مرسومة على الجدران تعود للقرن الثامن عشر.

زيارة الأب كبرئيل داود من بطريركية السريان الأرثوذكس في سورية للجنود في الخطوط الأمامية في صدد، الثلاثاء، حقوق نشر الصورة مكتب

الحماية Sootoro.

وصدد هي البلدة الثانية في مرمى مقاتلي تنظيم الدولة، الذين يسيطرون على مواقع تبعد عنها ثلاثة كيلومترات فقط. ويهدف التنظيم من حملته إلى السيطرة على سلسلة من القرى الواقعة تحت سيطرة النظام، والتي تمتد شرق أوتستراد دمشق- حمص المعروف بـ M5، وهو طريق إمداد حيوي للنظام. وصدد هي آخر سلسلة القرى هذه وتبعد 13 كيلومترا شرقاً عن أوتستراد M5.      

واستولى التنظيم في هجوم مفاجئ منذ ثلاثة أسابيع مضت، على بلدة مهين، والتي تبعد عشرة كيلومترات شرق صدد، من قوات النظام، وتقدم إلى جبل على بعد ثلاثة كيلومترات جنوب شرق صدد.

وفي آب الماضي سيطر عناصر تنظيم الدولة على قرية القريتين ذات الغالبية المسيحية، والتي تبعد 60 كيلومترا شرق أتستراد M5.

"وبدأ أهالي صدد بمغادرة بلدتهم فعلياً قبل قرابة ثلاثة أشهر، بعد سيطرة تنظيم داعش على القريتين"، وفق ما قال أسامة إدوارد، عضو الشبكة الآشورية لحقوق الإنسان، لسوريا على طول. في وقت تحدثت الأنباء فيه عن أن عناصر تنظيم الدولة اعتقلوا أكثر من مئة عائلة سريانية مسيحية في القريتين.

 منذ آب وآلاف المدنيين ينزحون نتيجة تقدم تنظيم الدولة والقصف الأرضي والجوي المتصاعد للقوات الروسية والنظامية، وفق ما نشرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، الثلاثاء.  

ومن أصل 1500من سكان البلدة خرج نحو 95%، وفق ما قالت كارمن مواس، مدنية ممن تركوا صدد، في مقابلة أجرتها مع سوريا على طول. وأضافت "خرجنا من صدد بعد سيطرة داعش على مهين بساعات قليلة، نتيجة سقوط قذائف الهاون والمدفعية علينا"، وسط اشتباكات بين قوات النظام وتنظيم الدولة بالقرب من البلدة.

وأوضحت "لم يبق داخل البلدة سوى بعض الشباب ليدافعوا عنها إلى جانب قوات الجيش السوري"، وأغلب الذين نزحوا من صدد اتجهوا إلى بلدات تضم تعداد سكاني مسيحي كبير مثل بلدة فيروزة وزيدل شرق مدينة حمص. 

ويبدو أن ذكريات القتال في البلدة هيجت المخاوف من تقدم تنظيم الدولة، حيث كانت جبهة النصرة ومجموعات ثورية حليفة لها، سيطرت على صدد لمدة أسبوع واحد منذ عامين قبل أن يستعيدها جيش النظام.

وفي تلك الفترة، قتل 46 من أهالي البلدة من قبل المجموعات المعارضة إما قنصاً أو قصفاً أو إعداماً، حسب ما ذكرت منظمة مراقبة حقوق الإنسان. ودمرت أيضاً العديد من الكنائس في صدد.

 من القامشلي إلى صدد

 وخشية خسارة صدد، سارع مئات المتطوعين من القوات المسيحية عبر سوريا، لنجدة البلدة منذ أوائل تشرين الثاني، ودعم الجيش السوري هناك. كما أن عناصراً من ميليشيا الحزب السوري القومي الإجتماعي الموالي للنظام تقاتل أيضاً لأجل البلدة.

وانتقلت دفعات من قوات حماية الجزيرة (GPF) في القامشلي التابعة لـ"المجلس العسكري السرياني"، إلى صدد وفق ما ذكر موقع أورينت المعارض.

 ونشر مكتب الحماية السوتورو، الموقع الإعلامي الرسمي لقوات حماية الجزيرة منذ نحو أسبوع مضى، صورا، كتب عليها "من القامشلي إلى صدد، تظهر عناصر من الميليشيا المبتسمين ومن خلفهم طائرة شحن عسكرية.

وقوات الحماية الجزيرة GPF أو السوتورو باللغة السريانية، هي مجموعة مسلحة مقربة من النظام السوري، وفق ما قال أسامة إدوارد، المقيم حالياً في السويد، لسوريا على طول.

وحيثما حل الجيش السوري "نحن موجودون لندعمه"، حسب ما قاله مقاتل من قوات حماية الجزيرة في القامشلي، لقناة OTV اللبنانية في تقرير مصور نشر حديثاً. وبنفس الفيديو يرفرف العلم السوري فوق بوابة مقر المجموعة. 

يذكر أن قوات حماية الجزيرة الموالية للنظام، ومقرها شمال شرق القامشلي، والتي قاتلت جنباً إلى جنب مع قوات الجيش السوري، وميليشيا الحزب السوري القومي الإجتماعي ضد تنظيم الدولة في الحسكة في هذه السنة،  مستقلة عن القوات المسيحية  السريانية الموالية لـ  YPG وتسمى Sutoro  وتعمل في أجزاء مختلفة من الحسكة.

ولم يعرف مباشرة عدد المقاتلين الذين انتقلوا إلى صدد، رغم أن الصور المنشورة على صفحة مكتب الحماية Sootoro يوم الثلاثاء الماضي تظهر نحو 50 مقاتلاً في صدد.

ويظهر منشور آخر على صفحة إعلامية تابعة لقوات الحماية في الجزيرة قائمة بـ17 مجموعة قتالية إضافية من عدة محافظات سورية سافرت إلى صدد للمساعدة في الدفاع عن البلدة.

التعزيزات الدينية

ولم تقتصر التعزيزات على الجانب العسكري، بل كان هناك تحركاً دينياً لحماية المدينة التي تعتبر من أهم المراكز السريانية في سوريا، وظهر الرئيس الأعلى للكنيسة السريانية الأرثوذكسية وهو يمشي في الشوارع ويتفقد جاهزية الجنود.

وقام البطريرك مار اغناطيوس افرام الثاني، وهو من أبناء القامشلي، بزيارة ميدانية لصدد، الخميس الماضي، لمؤازرة  البلدة والمدافعين عنها، كما تظهر الصور نشرت على وسائل التواصل الإجتماعي.

وامتدح أحد الكتاب البارزين "الزيارة الجريئة" للبطريرك إلى الخطوط القتالية الأمامية في بلدة صدد السريانية. ووجد أن انخراط الرموز الدينية في الحرب السورية إشارة إلى ضغط جديد على عاتق المجتمع المسيحي.

وكتب سليمان يوسف، وهو كاتب مسيحي من محافظة الحسكة، على صفحته الشخصية "لم يسبق في تاريخ الكنيسة السريانية الأرثوذكسية أن قام أحد رؤسائها بتفقد أحوال المقاتلين على جبهات القتال، ولكن الحرب السورية وما حملته من خطر على الوجود السرياني الآشوري المسيحي في سوريا غيرت الكثير من المفاهيم والقناعات لدى بعض رجال الدين المسيحي".

ورافقت الرموز الدينية عناصر من المجموعات المقاتلة في صدد منذ اليوم الأول لدخولها، كما ذكرت الصفحة الإعلامية لمكتب قوات حماية الجزيرة.

وزار الأب كبرئيل داود، كاهن الرعية في بطريركية السريان الأرثوذكس، أيضاً جبهات القتال في صدد. وخاطب المقاتلين في يوم الثلاثاء الماضي، كما تظهر الصور التي نشرها مكتب الحماية.

ويقدر أتباع الكنيسة بنحو 1.5 إلى 2 مليون منتشرين في أنحاء سوريا والعراق ولبنان وجنوب تركيا.

ورغم الجهود الملموسة للدفاع والحفاظ على البلدة السورية العريقة، إلا أن كارمن مواس، مسيحية سريانية، غادرت صدد في الأسبوع الماضي، وقالت "نحن نخاف ألا نرجع إلى صدد رغم أن الجيش، وعدنا أننا سنرجع منذ أسبوع ولم نرجع حتى الآن".