عمان- لم يكن قد مضى أكثر من شهر على اختفاء فواز، البالغ من العمر 16 عاماً، في شهر آب/أغسطس الماضي، حين كانت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة لشؤون الأطفال والنزاع المسلح، فيرجينيا غامبا، تثني، في اجتماع متلفز، في 14 أيلول/سبتمبر الحالي، مع قيادة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، والإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، على التزام "قسد" منع تجنيد الأطفال بحسب خطة العمل الموقعة مع الأمم المتحدة في 29 حزيران/يونيو 2019 "من أجل إنهاء ومنع تجنيد واستخدام الأطفال دون سن الثامنة عشرة، وتسريح الفتيان والفتيات المجندين حاليا وفصلهم عن القوات".

وقد التحق فواز، كما عرف والده مصعب الديري (اسم مستعار) لاحقاً، بوحدات حماية الشعب (الكردية)، الذراع العسكرية لحزب الاتحاد الديمقراطي، والتي تشكل أيضاَ العمود الفقري لـ"قسد" المدعومة من الولايات المتحدة الأميركية، والمسيطرة على ريف دير الزور الشرقي حيث يقيم الديري. 

وفسر الأب، الذي يعمل سائق رافعة ولديه 14 ابناً وبنتاً، قرار ابنه فواز بأنه "تأثر بمحيطه الذي بات يعج بالسلاح"، كما قال لـ"سوريا على طول"، إذ "كان يشاهد من هم في عمره يحملون السلاح والهويات العسكرية ويقفون على الحواجز، ويتقاضون راتب 200 ألف ليرة [92.59 دولاراً أميركياً بحسب سعر الصرف في السوق السوداء] شهرياً". مضيفاَ أنه عند سؤاله وحدات حماية الشعب عن ابنه لإعادته، كان الرد: "ابنك حالياً في معسكرات التدريب، ورفضوا إعادته، متذرعين بأن هذه رغبته". 

واستناداً إلى مشاهداته على الحواجز العسكرية، قدر الديري عدد "حاملي السلاح من أشخاص لم يبلغوا 18 عاماً"، في منطقة الريف الشرقي لدير الزور بـ"العشرات".

تعهدات تناقضها الحقائق على الأرض 

في 22 حزيران/يونيو 2018، وجهت "هيومن رايتس ووتش" رسالة إلى الإدارة الذاتية ووحدات حماية الشعب، التابعتين لحزب الاتحاد الديمقراطي، تفيد بتوثيق المنظمة حالات تجنيد أطفال في مناطق سيطرة هذه الجهات. ليتبع ذلك التوصل إلى خطة العمل بين "قسد" والأمم المتحدة في حزيران/يونيو 2019 لإنهاء تجنيد الأطفال.

مع ذلك، فقد تواصلت عمليات تجنيد الأطفال منذئذ، كما في حالة فواز، ناهيك عن عدم إعادة المجندين منهم إلى ذويهم. وتمثل الاستثناء الوحيد الذي أمكن لـ"سوريا على طول" رصده في الحالة الأخيرة، بإعادة طفلة واحدة من مدينة عامودا شمال محافظة الحسكة، إلى أسرتها في 19 آب/أغسطس الماضي، بعد خمسين يوماً من تجنيدها. وفيما اعتذرت عائلة الطفلة عن التصريح، كشفت مصادر قريبة من العائلة لـ"سوريا على طول"، مشترطة عدم الكشف عن هويتها، أن عودة الطفلة هو نتيجة أن والدها ووالدتها كانا مقاتلين في صفوف حزب العمال الكردستاني (التركي)، وتربط الوالد علاقة صداقة بمظلوم عبدي، القائد العام لقوات "قسد". وقد أعيدت الطفلة بعد تدخل كل من عبدي والقيادي البارز في حزب الاتحاد الديمقراطي المهيمن على الإدارة الذاتية، ألدار خليل. 

وبحسب  إحصائية للشبكة السورية لحقوق الإنسان، حصلت عليها "سوريا على طول"، بلغ عدد الأطفال المجندين في مناطق "قسد" في العام 2020 "ما لا يقل عن 17 حالة، بينهم 13 أنثى و4 ذكور". فيما قدرت الأمم المتحدة عدد الأطفال الذين تم تجنيدهم في شمال وشرق سوريا منذ العام 2014 ولغاية 2019، بـ894 طفلاً وطفلة. 

في المقابل، شدد الرئيس المشترك للمجلس التنفيذي في الإدارة الذاتية، عبد مهباش "التزام الإدارة الذاتية بحقوق الطفل"، واستعدادها "لأي تعاون مع الاتفاقيات الأممية". مضيفاً لـ"سوريا على طول" أنه سيتم بنهاية الشهر الحالي، وبناء على الخطة الموقعة بين "قسد" والأمم المتحدة، "تفعيل مكتب حماية الطفل في النزاعات المسلحة، وتلقي الشكاوى الخاصة بتجنيد الأطفال في صفوف مكونات قوات "قسد" وقوى الأمن الداخلي وأي أمور أخرى تتعلق بانتهاك حقوق الطفل"، وبحيث ستكون للمكتب فروع متعددة في شمال شرق سوريا.

"جوانن شورشكر" وآلية تجنيد الأطفال

مع كل حادثة اختفاء أو تجنيد طفل وطفلة في شمال وشرق سوريا، يبرز اسم حركة "جوانن شورشكر"، أو "الشبيبة الثورية" باللغة العربية، باعتبارها المسؤولة الأساس عن ذلك، كما أكدت غالبية العائلات التي تم تجنيد أطفالها وتواصلت معها "سوريا على طول". 

ورغم تعريف نفسها على أنها حركة مستقلة،  فقد أكدت مصادر لـ"سوريا على طول"، أن "جوانن شورشكر" تابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي، وتقوم بالتجنيد لصالح وحدات حماية الشعب.

وخلافاً لما قد يتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى، فإن عملية تجنيد الأطفال لا تبدأ باختطافهم من الشوارع والأحياء، بل تستند إلى منهجية مدروسة، وفق ما كشفت مصادر لـ"سوريا على طول". 

إذ تبدأ العملية باختيار أعضاء من "جوانن شورشكر" الأطفال بحسب ذكائهم واهتماماتهم، ليتم بعدها التقرب منهم في المدرسة أو الشارع من خلال مراهقين منتسبين للحركة، والتردد مع الطفل إلى الأماكن التي يذهب إليها. لاحقاً، يُدعى الأطفال (المرشحين للتجنيد) إلى إحدى "الأكاديميات" التابعة للحركة، لحضور محاضرات ودورات تثقيفية عن القومية الكردية وبناء وطن قومي، كما دروس في التاريخ عن المظالم التي وقعت بحق الشعب الكردي، وعن أفكار حزب العمال الكردستاني. وقد تستمر هذه العملية بين شهر وعام كامل. 

عقب ذلك، يتم نقل الأطفال المجندين إلى معسكر تابع للحركة في بلدة رميلان بريف مدينة القامشلي، حيث يتم فرزهم للتواجد إما في مناطق شمال وشرق سوريا، أو إرسالهم إلى جبال قنديل من خلال ثلاث طرق كلها غير شرعية: عبر الجبال الواقعة بين سوريا وتركيا، أو عبر طرق التهريب إلى جبال سنجار في كردستان العراق ومن ثم إلى قنديل، أو بإدخالهم إلى محافظة السليمانية في كردستان العراق ومن ثم نقلهم إلى قنديل. 

شفان (اسم مستعار) كان قد تم تجنيده في العام 2015، وهو ابن خمسة عشر عاماً، من بلدة الدرباسية شمال محافظة الحسكة. وقد فقدت العائلة التواصل معه منذئذ ، ولم تعرف مصيره إلا من "خلال صورة وصلتنا العام 2017، أي بعد عامين من خطف ابني، مرتدياً اللباس العسكري لحزب العمال الكردستاني وعلى كتفه سلاح رشاش"، كما قالت والدة شفان لـ"سوريا على طول". 

ووصفت الأم ابنها، بأنه "نجح في الصف التاسع وكان من الأوائل على مستوى محافظة الحسكة. كان هادئاً وكتوماً، يعشق لعبة كرة القدم". موضحة أنه "عرفنا فيما بعد من أصدقاء شفان بعد أن اختفى، أنه تعرف على صديق في ملعب الحارة، وهذا الصديق كان من حركة جوانن شورشكر". مستذكرة أنه خلال تلك الفترة "بدأ شفان يتأخر في العودة إلى المنزل، وأصبح كثير الأسئلة، وبات يدخل في نقاشات لم يكن يخضها من قبل؛ إذ كان يتساءل في تلك الفترة عن أسباب عدم تحرير كردستان ورفع المظلومية عن الشعب الكردي، وضرورة قيام ثورة لتحرير الشعب من الظلم".

وخلال فترة شهر فقط، عاد شفان من مدرسته إلى المنزل، وخرج بعدها إلى الحارة ليمارس هوايته المفضلة لعبة كرة القدم، لكنه لم يعد منذئذ، وفقاً للأم.

وقد لجأت العائلة إلى أحزاب المجلس الوطني الكردي (المعارض)، وحزب الاتحاد الديمقراطي، وحركة "جوانن شورشكر"، لمعرفة مصير ابنها واستعادته، لكن من دون فائدة رغم كل الوعود. "ذهبنا مرات ومرات إلى مقر جوانن شورشكر. في البداية أنكروا معرفتهم بشفان، وفيما بعد قالوا لنا إنه أصبح من الهفال [الرفاق] وأنه تطوع من دون أي ضغوطات"، بحسب الأم. مضيفة أن العائلة توجهت "إلى معسكر الحركة في منطقة رميلان، حيث أخبرونا بأنه ليس موجوداً. لكن أحدهم قال إنه داخل المعسكر". 

الآن وبعد أكثر من سنتين في محاولة إعادة ابنها، يئست العائلة واستسلمت للأمر الواقع، لكن بذلك  "لم يعد هناك شيء له قيمة"، بحسب الوالدة.

وتتشارك عائلة أحمد المأساة نفسها مع عائلة شفان. إذ لم يعد أحمد (اسم مستعار)، ذو الخمسة عشر عاماً، إلى منزله في مدينة منبج بريف حلب الشمالي، منذ أن غادره منتصف تموز/يوليو الماضي. وبحسب شقيقه الأكبر، لم يحظ أحمد بالتعليم، إذ كان موعد التحاقه "بالدراسة مع بداية الثورة السورية. وسرعان ما تفشت الفوضى في المدينة، من أعمال عسكرية وصراع بين القوى للسيطرة على منبج". على رغم من ذلك "بقي الالتحاق بالصحافة هاجساً لدى أحمد. كان يحب هذا المجال كثيراً". 

وكما روى الشقيق، تعرف "أحمد على أحد كوادر الشبيبة [الثورية] بعد انضمامه للجنة الشباب والرياضة في منبج"، ثم "أخبرنا بنيته الذهاب إلى مدينة القامشلي لحضور دورة لمدة شهر في الإعلام، لكنه ذهب ولم يعد إلى الآن". مضيفاً: "لدى سؤال لجنة الشباب عنه، أخبرونا أنه ذهب باتفاق مع كادر [مسؤول]، وأن هذا الكادر انتقل من منبج". لكن "عرفنا من أحد الكوادر، بعد دفع رشى، أن أخي موجود بمعسكر في ريف القامشلي، ولكن لم نتلق أي معلومات أخرى". 

في المقابل، نفى عضو منسقية الشبيبة الثورية (جوانن شورشكر)، ناصر عفرين، كل الاتهامات الموجهة للحركة بتجنيد الأطفال. مضيفاً لـ"سوريا على طول" أن "الحركة تأسست العام 2011 نتيجة التغيرات التي طرأت على المجتمع، وهدفها تنظيم المجتمع. ونحن نعمل مع جميع الفئات من العمال والطلبة والرياضيين وحركة المرأة".

كما نفى عفرين وجود معسكرات تابعة للحركة، وإنما "هناك أكاديميات لتوعية الشبيبة وتنظيمهم، لأن الشبيبة هي القوة الديناميكية لتغيير المجتمع، وأعداء الشعوب في شمال وشرق سوريا هدفهم احتلال المنطقة وتدميرها". 

في السياق ذاته، لم تتلق "سوريا على طول" أي رد عن أسئلتها بهذا الشأن من "قسد". فيما اكتفى مهباش بالقول: "إن وجدت أحزاب أو حركات تقوم بالتجنيد، فنحن لا نقبل بهذه التصرفات وسوف نقف بوجهها"، كون "الطفل ليس مكانه القتال، وإنما على مقاعد الدراسة".

موقف الولايات المتحدة

إلى جانب جميع التقارير الدولية التي تفيد بتورط وحدات حماية الشعب، التي تدعمها الولايات المتحدة عبر "قسد"، في تجنيد أطفال، أكد تقرير صادر عن مكتب المفتش العام بوزارة الدفاع الأميركية، في 4 آب/أغسطس الماضي، قيام مجموعات عسكرية كردية ضمن "قسد"، في العام 2019 "بتجنيد أطفال من مخيمات النازحين شمال شرق سوريا". مضيفاً أنه منذ العام 2014، وعدت الهيئات الكردية الشريكة للولايات المتحدة بوقف تجنيد الأطفال، لكن الممارسة ما تزال مستمرة.     

وكانت إدارة الرئيس الأميركي السابق، جورج بوش الابن، قد أقرت، في العام 2008، قانون حماية الأطفال المجندين (CSPA) الذي يحظر على الولايات المتحدة، بموجب التعديلات اللاحقة، تقديم المساعدة إلى أي حكومة تجند الأطفال أو تستخدم جنوداً أطفال.

ورغم وضوح لغة القانون فيما يتعلق بالحكومات، فإنها تبدو غامضة بشأن الموقف من الفاعلين من غير الدول، كما هي حال وحدات حماية الشعب و"قسد". إذ ينص القانون على أن على الحكومة الأميركية "إدانة التجنيد الإلزامي للأطفال واستخدامهم من قبل الحكومات أو التشكيلات العسكرية غير النظامية أو سواها من منظمات"، وتعمل على "تقديم قوات الثوار والتشكيلات العسكرية غير النظامية التي تقوم بخطف الأطفال لتجنيدهم، إلى العدالة". كذلك، جاء هذا الجزء من القانون ضمن ما يسمى "فهم الكونغرس" (in the sense of Congress)، والذي يعني كونه توصية غير ملزمة للسلطة التنفيذية التي تملك سلطة التقدير بهذا الشأن. ويكون لها بالتالي القدرة على إصدار إعفاءات، في حال اعتبرت المساعدة المقدمة تخدم المصلحة القومية الأميركية. وهو ما تم فعلاً في العام 2019، حين تم منح إعفاء لكل من أفغانستان، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، والعراق، ومالي، وجنوب السودان، واليمن، وهي سبع من أصل إحدى عشر دولة تجند الأطفال.  

تعقيباً على ذلك، قال متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية لـ"سوريا على طول" إن الولايات المتحدة "تأخذ أي ادعاء بشأن تجنيد الأطفال في سوريا على محمل الجد"، معتبراً أن "قوات سوريا الديمقراطية اتخذت خطوات إيجابية" بهذا الشأن. فيما لم تتلق "سوريا على طول" أي رد على استفساراتها الموجهة لقوات التحالف الدولي (قوة المهام المشتركة –عملية العزم الصلب)، حتى وقت نشر التقرير.