عمان- تتسارع الأحداث في شمال غرب سوريا. فبعد سيطرة القوات الحكومية والمليشيات المتحالفة معها على مدينة معرة النعمان في ريف إدلب الجنوبي، يوم الأربعاء الماضي، تواصل القصف على مدينة سراقب التي أفرغت من سكانها. وفيما يعد التصعيد الحالي خرقاً جديداً من دمشق وموسكو لاتفاقات "خفض التصعيد" في شمال غرب سوريا التي تمخضت عنها مباحثات أستانة بضمانة روسية-إيرانية-تركية، فإن التصعيد ذاته، والذي يكاد يكون مستمراً بلا توقف منذ أشهر، يكشف بدوره غياباً شبه تام للضامن التركي الذي يفترض أنه يقف إلى جانب المعارضة السورية.

وبتقدم القوات الحكومية إلى مدينة معرة النعمان، صارت تحت الحصار ثلاث نقاط مراقبة عسكرية تركية، أنشئت بموجب مباحثات أستانة أساساً بهدف تهيئة الظروف المناسبة لضمان وقف إطلاق النار في شمال غرب سوريا. إذ أدت نتيجة العمليات العسكرية في معرة النعمان إلى محاصرة نقطة المراقبة التركية في "معرحطاط" بريف معرة النعمان الجنوبي، بعد أن كانت قد تمت محاصرة نقطة "الصرمان" في ريف المدينة الشرقي، في كانون الأول/ ديسمبر 2019، كما محاصرة نقطة "مورك" في آب/أغسطس من العام ذاته.

وتشير العمليات العسكرية في ريف حلب الجنوبي إلى اقتراب القوات الحكومية المهاجمة من حصار النقطة التركية الرابعة المتمركزة في بلدة العيس. مع ذلك، لم تحرك أنقرة ساكناً، باستثناء تحذيرات من قبيل إعلان وزارة الدفاع التركية، في 28 كانون الثاني/يناير الماضي بأنها جاهزة للرد في حال تعرضت القوات التركية للهجوم. تبع ذلك اعتبار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أنه "لم يعد هناك شيء اسمه مسار أستانة"، نتيجة التصعيد الحالي. 

كما حذر الرئيس أردوغان، في لقاء مع عدد من الصحافيين، من أن "صبرنا بدأ ينفد وسنقوم بما يلزم". متهماً روسيا بعدم الالتزام باتفاقيّ سوتشي وأستانة، داعياً في الوقت ذاته روسيا وإيران، الضامنين إلى جانب تركيا لمباحثات أستانة، إلى إحياء هذه المحادثات مجدداً والنظر فيما يمكن فعله. 

لكن الواقع أن مباحثات أستانة "قيدت بطريقة ما تحركات أنقرة في سوريا"، كما قالت الصحافية والمحللة السياسية التركية مينكسي توكي لـ"سوريا على طول". في المقابل أطلقت نتيجة هذه المباحثات يد دمشق؛ إذ أسهمت في سيطرة القوات الحكومية على اثنتين من مناطق خفض التصعيد الثلاث المتفق عليها بين روسيا وإيران وتركيا، إضافة إلى منطقة خفض التصعيد في جنوب سوريا بموجب اتفاق روسي-أميركي، فيما يتواصل التصعيد العسكري ضد منطقة خفض التصعيد الرابعة والأخيرة، والتي كانت تشمل محافظة إدلب وأجزاء من محافظات حماه وحلب واللاذقية.

الشعور بالخذلان

منذ 16 كانون الثاني/ يناير الماضي، وثق فريق "منسقو استجابة سوريا" نزوح 268,298 شخص من ريفي إدلب وحلب، توزعت مناطق سكنهم التي أجبروا على الفرار منها على أكثر من 134 قرية وبلدة ومخيم، كما جاء في بيان الفريق الذي نشر صباح الخميس الماضي. وقد انضم هؤلاء إلى نحو مليون وثلاثمائة ألف شخص نزحوا سابقاً خلال العام 2019 من منطقة "خفض التصعيد" ذاتها، بحسب ما ذكر سابقاً محمد الحلاج، مدير "منسقو الاستجابة" لـ"سوريا على طول".

في مقابل تصعيد دمشق وحليفتها موسكو، اقتصر الموقف التركي على العمليات الإنسانية المقدمة للنازحين، من دون اتخاذ أي إجراءات من شأنها الحدّ من العمليات العسكرية. الأمر الذي خلف شعوراً في أوساط كثير من السوريين بخذلان الداعم التركي، لا سيما وأن العمليات العسكرية الأخيرة تتركز مدن معرة النعمان وكفرنبل وسراقب وأريحا، والتي تقع على جانبي الطريقين الدوليين (M4) و(M5)، واللذين تتلاقى مصالح أنقرة مع دمشق وموسكو في إعادة فتحهما، كون ذلك يسمح بعودة عبور الشاحنات التركية إلى دول الخليج، ضمن منافع أخرى، كما ذكر سابقاً لـ"سوريا على طول" عمر أوزكيزيليك، الباحث في مؤسسة "سيتا" البحثية المقربة من الحكومة التركية، ومقرها أنقرة.

لكن الباحث التركي في مركز دراسات الشرق الأوسط بأنقرة، أيتون أورهان نفى أن تكون "تركيا قد تخلت عن المعارضة". مفسراً الموقف التركي الحالي بكون أنقرة "تفتقر إلى الدعم الغربي في مساعيها"، ولتكون بالتالي "وحدها في أستانة في مواجهة روسيا وإيران".

وأضاف أورهان لـ"سوريا على طول": "رغم أن التهديدات الناشئة التي تواجهها تركيا، وخاصة الجماعات الإرهابية على الحدود مع سوريا [وحدات حماية الشعب الكردية]، تجبر أنقرة على تبني سياسات جديدة في سوريا، فإن إدلب نفسها أمر حيوي بالنسبة لتركيا ولا يمكن التخلي عنها. فهي ليست ورقة مساومة للحصول على فوائد في معركتها ضد وحدات حماية الشعب".

وفيما رفض ثلاثة مصادر مقربين من الحكومة التركية الإدلاء بتصريحات لـ"سوريا على طول" عن موقف أنقرة مما يحدث جالياً في شمال غرب سوريا، ذهب باحث سياسي تركي مستقل مقيم في اسطنبول طلب عدم الكشف عن اسمه، إلى أن "تخلي تركيا عن المعارضة ليس جديداً، فهو بدأ منذ سقوط حلب [العام 2016]". معتبراً أن تغير الموقف التركي "لا مفر منه، خاصة وأن هناك حاجة للتقارب مع روسيا في أطار عملية أستانة للحد من تطلعات الأكراد".

موقف أنقرة الجديد 

في 13 كانون الثاني/يناير الماضي، التقى رئيس الاستخبارات التركية هاكان فيدان برئيس مكتب الأمن الوطني علي مملوك، في العاصمة الروسية موسكو، لمناقشة القضايا الأمنية، بما في ذلك ملف وحدات حماية الشعب الكردية التي تعتبرها تركيا منظمة إرهابية، باعتبارها امتداداً لحزب العمال الكردستاني (التركي) المدرج على قائمة الإرهاب التركية والأميركية.

هذا اللقاء "العلني وهو الأول من نوعه، دليل ملموس على تغيّر الأولويات بالنسبة لأنقرة"، كما رأت الصحافية توك، موضحة أن أنقرة ودمشق تلتقيان عند نقطة واحدة بخصوص ملف "الوحدات" الكردية. إذ إن "تركيا لن تنسحب من سوريا حتى يتم إيجاد آلية للقضاء التام على وحدات حماية الشعب، التي تعتبرها  [أنقرة] خطراً أمنياً. كما إن نظام الأسد لن يسمح [بوجود] أي مجموعة تتبنى سياسات عرقية بمجرد استعادته القوة وسيطرته الجغرافية".

وكانت تركيا أطلقت، في 9 تشرين الأول/أكتوبر2019، عملية "نبع السلام" في منطقة شرق الفرات، ضد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تعدّ وحدات حماية الشعب أهم أركانها. لكن تم تعليق العملية بموجب اتفاق أميركي-تركي، ومن ثم أوقفت بموجب اتفاق آخر تركي-روسي يضمن انسحاب "قسد" مقابل وصول القوات الروسية والحكومية السورية إلى الحدود التركية. 

وبعيداً عما دار في اجتماع فيدان-مملوك، فإن لقاء تركياً-سورياً على هذا المستوى ينسجم مع تطلعات حزب الشعب الجمهوري التركي المعارض، والذي يتهم"حزب العدالة والتنمية الحاكم بأنه إحدى الجهات الرئيسة المسؤولة عن الحرب المدمرة في سوريا، من خلال سياساته الخاطئة الذي يتبعها منذ العام 2011"، كما جاء في مبادرة للحزب باسم "طريق السلام" حصلت "سوريا على طول" على نسخة منها. وتدعو المبادرة إلى إرسال وفد إلى دمشق لإجراء مباحثات مع الحكومة السورية، ومن ثم إرسال وفد مفوض لمناقشة الجدول الزمني لعملية التفاوض وتطبيع العلاقات، بعد ذلك يتم إبلاغ الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وأميركا وروسيا وإيران بعملية التطبيع.

كذلك، شدد المتحدث الرسمي باسم الحزب فايق أوزتراك، في مؤتمر صحافي عقده في 27 كانون الثاني/ يناير الماضي، على ضرورة التواصل مع ما وصفها "القيادة الشرعية لسوريا"، في معرض حديثه عن التطورات في إدلب، ورفضه لتصريحات أردوغان عن بناء 1000 منزل للنازحين في الأراضي السورية على مقربة من الحدود التركية. 

قبل ذلك، تلاقى موقف الحكومة والمعارضة التركيتان فيما يتعلق بملف اللاجئين السوريين إلى تركيا. إذ كانت جولة الانتخابات البلدية المعادة في اسطنبول، في حزيران/يونيو 2019، تاريخاً مفصلياً في السياسة التركية تجاه اللاجئين. فاستغلّت ورقة اللاجئين في الاستقطاب السياسي بين مرشح حزب الشعب الجمهوري الفائز أكرم إمام أوغلو ومنافسه عن "العدالة والتنمية" بن علي يلدرم. تبع ذلك ترحيل لاجئين سوريين مقيمين في اسطنبول خصوصاً بشكل مخالف إلى شمال سوريا.

كل ذلك يؤكد أن "الملف السوري جزء أيضاً من السياسة الداخلية التركية"، كما قال الباحث التركي من اسطنبول. مشدداً في الوقت ذاته على أن هذا لا يعني "تبني [تركيا] للنظام في ظل الظروف الحالية، وإلا لماذا شننا حرباً ضد الأسد كما يسأل الناس؟". 

تأثير الملف الليبي

استباقاً لأي محاولات لإقصاء تركيا عن شرق البحر الأبيض المتوسط الذي تتزايد الأدلة على احتوائه مخزونات ضخمة من النفط والغاز، سارعت تركيا إلى توقيع مذكرة تفاهم اقتصادية وترسيم للحدود البحرية مع حكومة الوفاق الوطني الليبية المعترف بها دوليا، تلتها مذكرة رئاسية، صادق عليها البرلمان التركي مطلع كانون الثاني/يناير الماضي، تفوض الحكومة التركية إرسال قوات عسكرية داعمة لـ"الوفاق الوطني".

الملف الساخن للنزاع الليبي "لعب دوراً كبيراً في تغير الموقف التركي تجاه الملف السوري، باعتباره أولوية الآن" برأي الصحافية توكي. مضيفة أنه "قد تكون هناك بعض الدبلوماسية الخلفية بين موسكو وأنقرة لتهدئة العلاقات المتوترة مع نظام الأسد، مقابل الحصول على مزيد من الدعم لقضية أنقرة في ليبيا، كون روسيا طرف مهم هناك".

يؤكد على ذلك الباحث التركي من اسطنبول، معتبراً أن "القضية السورية هي قضية ضائعة الآن، لا سيما وأن تركيا بعد عمليتها ضد قوات سوريا الديمقراطية وصلت إلى حدودها السياسية والعسكرية المحتملة"، في المقابل فإن "قضية ليبيا ترتبط بسياسة القوة بالنسبة [لتركيا] في شرق البحر المتوسط. ومع شعورها بالعزلة، فإنها تريد كسر التحالف الذي صاغته مصر وإسرائيل واليونان وقبرص في ليبيا".

ومع الاتفاق على أهمية الملف الليبي بالنسبة لتركيا، دعا عضو البرلمان التركي ونائب رئيس حزب الشعب الجمهوري للشؤون الخارجية أنال شيفيكوز، إلى تغيير مسار السياسة الخارجية التركية من خلال تعزيز الدبلوماسية، مستشهداً بلقاء فيدان ومملوك. إذ اعتبر أن "المحاولة متأخرة ولكنها مشجعة لفتح حوار مع سوريا، وينبغي أن تظهر محاولة مماثلة في ليبيا".

لكن رغم المؤشرات على تغيّر الموقف التركي تجاه الملف السوري، استبعد الباحث التركي في اسطنبول أن "تكون العلاقات بين أنقرة ودمشق مباشرة، طالما بقي أردوغان في السلطة، إذ من الصعب للغاية أن ينسى الطرفان الماضي".